oumolilt histoire et patrimoine

tout se qui concerne l'histoire / civilisation et patrimoine culturelle de notre mère lala timoulilt .

المواضيع الأخيرة

» معلومات جديدة في غاية الدقة عن ايت سخمان و ايت علي اومحند ببين الويدان
الأربعاء يوليو 18, 2012 3:29 am من طرف samah moujane

» اسباب فتح الاندلس
الإثنين أبريل 30, 2012 11:39 am من طرف samah moujane

» اكتشاف جيني جديد يؤكده علماء الوراثة كل البشر ينحدرون من جزيرة العرب
السبت أبريل 14, 2012 6:26 pm من طرف samah moujane

» شذرات من تاريخ واويزغت
الإثنين مارس 12, 2012 4:27 am من طرف Admin

» العقـل الأمازيغي: محاولة للفهم
الخميس يناير 19, 2012 3:10 pm من طرف jihad bouzidi

» المغالطات العلمية والتاريخية حول الهوية الأمازيغية
السبت يناير 14, 2012 3:40 pm من طرف jihad bouzidi

» شذرات تاريخية هام هام هام جدا
الأربعاء ديسمبر 21, 2011 5:34 am من طرف Admin

» Bernard Lugan : L’Egypte pharaonique est Amazighe, un séisme scientifique
الثلاثاء ديسمبر 06, 2011 8:13 am من طرف Admin

» عيد مبارك سعيد
الأربعاء نوفمبر 09, 2011 4:41 am من طرف Admin

نوفمبر 2018

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
   1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930  

اليومية اليومية

تصويت

دخول

لقد نسيت كلمة السر


    زغاريد الموت: دموع ايزا الجزء العاشر وقائع حقيقية

    شاطر

    samah moujane

    المساهمات : 61
    تاريخ التسجيل : 01/04/2011
    العمر : 34

    زغاريد الموت: دموع ايزا الجزء العاشر وقائع حقيقية

    مُساهمة  samah moujane في الخميس أبريل 07, 2011 8:25 am

    بأنها أعطته نقودا ليشتري لها مجدولا من الحرير. اجتذبته الفكرة بقوة لا سبيل لمقاومتها. فسار متشامخا في الظاهر، يعتصر يد الصبي في يده من القلق التاوي في قرارة نفسه. انتقى له أجمل مجدول عند العطارة، ثم اختلى به في الدار، فكر في أن يرفقه بالكلمة التالية '' وددت لو وهبت روحي خيطا لأناملك الرقيقة '' و بدت له العبارة مائعة. متسرعة، غير مزهوة بذاتها بلاغيا، مفتقدة للنبرة الملائمة و لا تفي بالأثر المزلزل الذي يتوخاه منها، ثم إنها ــ و هذا هو الأهم ــ لا تقدم صورة مهيبة عنه، تفرس بعض كتبه و سجل الأبيات التالية:

    '' قلت لخــود كاعــب عطبــــول

    مياسة كالظبيــــــة الخــــذول

    ترنو بعيــن شادن كحيــــــــل

    هـل لك فــي محملـج مفتول؟ "

    شرح لإسماعيل النص كلمة كلمة، و شدد بالخصوص على محملج التي تعني '' تعني ماذا؟ الخيط ''، ثم أمره بتهجية حتى طاع في فمه، و حفظه كلمة كلمة، و ساعده على تفخيم الحروف حين النطق بها، و لقنه الحركة الإستعراضية التي سيقوم بها حين ينشد الأبيات و يرد لها النقود قائلا بصوت رقيق خافت بأن المجدول هدية من معلمه. ثم أعطاه فرنكا و قبله من جبينه. باستثناء النقود التي تركها إسماعيل في جيبه فقد أدى بأمانة و شفافية مرهفة كل مالقنه له يونس، و سمع حليمة و هي تسبه '' الله ايحملج ليه الراس''، ثم أمها و هي تسألها عنه فتجيبها '' ذاك الأصفر الأعوج اللي تيقعد ف الحانوت و تيرقص لي حواجبو ''. لكنه امتلك حكمة عدم تبليغ ذلك لمعلمه، بل إنه تفهم حاجات قلبه فاختلق وصف بسمة أزهرت في وجه حليمة المحتفي بالهدية، بما أن يونس سيرسله مرات عديدة محملا بهدايا متنوعة و أبيات شعر صلدة و غامضة لم تواتي الشجاعة إسماعيل ليقول له بأنها تعرقل مسعاه إلى قلب حليمة إذ تستثير غضبها و سبابها البذيء حتى أنه أخذ يبقيها في صدره، و بما أنه و بأداء خدمات خاصة و عديدة لحليمة و أمها تمكن من أن يصبح من أهل الدار، فقد طور قدرته على الإنشاء و الخيال في الطرق المتعرجة للأهواء، و تفنن في وصف الحركات و الكلمات المترعة بالوله و ابتدع الحكايات المفحمة للمحبوبة التي تتلهف للقاء الحبيب و لا تستطيع، و تمكن من أن يبقى يونس و لشهور أسير دثار عذوبة الكلمات دون أن يعرضها للصدأ أو الكلل. و لكي يترصد أحسن عش الزنابير حرر نفسه من إكراهات الفصل، يذهب متى يشاء، و يتغيب متى يشاء، كان يترع في البراءة التي افترضاها فيه فيتكلما أمامه بلا تحفظ. و يتعهد حلم معلمه وسط دار مقفرة لا يطبخ فيها إلا الباذنجان و الطماطم و الفلفل، دار تستوطنها البذاءة و الفجاجة و التفاهة، يبصم حبا في صدر حجري، و يؤثث ألقا عذبا في قلب الجحود، و يتابع هدفا يائسا، إذ جاهرت حليمة أمامه بأن معلمه لا يسوى زغبة واحدة في شارب الجزائري الذي تهواه، و كانت أمها أكثر رحمة به إذ استحتثها على منحه من حين لآخر بسمة أو حركة تبقيه في مدخرة الإحتياط إن أخلف الجزائري عهوده، ثم مسدت جدائل شعرها و استغرقت في ضحكة ذات فحيح شيطاني. كانت إذا وقفات المساء و الآهات المعذبة و النظرات السخية التي تلتهم الحارة، و الهيئة القلقة المتبرمة و الضارعة لرجل آخر غير معلمه. و لم يحزن ذلك إسماعيل فقط بل ملأه كراهية لحليمة، و نازع رغبة في بسط الحقيقة أمام يونس، لو لم تريه بإستثارة تلذذ غريب آثار الضرب الذي وجهه لها الجزائري أمس. فأيقن أنه لو كان يحبها لما فعل ذلك، و آثر أن يترك للظروف و لغضب و عنف الجزائري مهمة إعداد خاتمة سعيدة لعذاب معلمه..

    ذات مساء، و بما أن الحياة تختص قصص الحب بملح الإنقلابات المفاجئة و المشوقة، و على إثر عودة خائبة و نوبة هياج و عويل طلبت منه بكلمات متعثرة وسط اختناقات بكاء أن يدعو معلمه ليزورهم متى شاء. طار إسماعيل بالخبر قبل أن تتراجع. لم يكن يملك لقلب معلمه أكثر من هذه الهبة، لم يبك يونس رغم أن بضعة دمعات أبرقت في نظراته و أوشكت أن تتدلى من الجفون، لو لم يتداركها الكبرياء و يكفكفها، فاكتفى في حميا الفرح المباغث بإحتضان إسماعيل، كانت شهور الرعشة و السهر و البوح الأخرس و الأحلام العطشى تفك أستارها و تولي، حاول أن يسيطر على توتره بالتأكد أولا بأنه لا يحلم. فدعا إسماعيل بإيماءة أن يعيد الخبر و طلب تفاصيل أكثر، كان يريد كلاما نقيا مغسولا من الشك و نزق الأطفال، ثم هل سيسير إلى الدار بتكتم و تسلل العاشق أم بوضوح الخاطب على سنة الله و رسوله؟ لم يستطع إسماعيل أن يمنحه جوابا حاسما فاضطر إلى العودة إلى الدار لاستقصاء الأمر. كانت تريد المعقول بلا بهرجة. و في الغد ستكون الزيارة للتعارف و قراءة الفاتحة فقط، لذلك لا داعي أن يستصحب المعلم معه أحدا. لم يعرف يونس النوم طيلة الليل، انتابته الهواجس و الشكوك، سار إلى الحمام في الصباح. و حين خرج عرج على زنقة القصب و اشترى جلبابا و بلغة و طربوشا، كان يمسك بناصية حركاته بصعوبة من تأثير التوتر و الإنفعال، و بقدر ما يقترب المساء كان و شاحا من الصفرة الممتقعة يجلل وجهه حتى أنه سيسير إلى الدار في هيئة صنم مفرغ من الدم و الحيوية و بهجة الحواس. وجد المباركية في انتظاره فوق حصير فظ تعاون هو و الرطوبة و رائحة العفن و وجه المرأة القاسي على دفع دفق من الخوف و الشك في جسد يونس، و فيما كان يحملق في يدها المعروقة و بسمتها المتخابثة و فمها المرتجف بكلمات ترحيب مصطنع يسمعها بالكاد، خرجت حليمة و سلمت عليه بأطراف أصابعها و انسحبت. و رغم أن تجلي المحبوبة منحه لحظة اطمئنان في تفاقم قلقه فإن نظرات المباركية اللماعة بتوقد يسهب في سبر أغواره، أبقته مجمعا على نفسه فزعا و مفعما بالإنتظار و الصمت البئيس. و بعد شرب كأس شاي لطف قليلا جفاف حلقه، أجاب على سيل من الأسئلة المتعلقة وضوحا و تورية بوضعه المادي، و خرج فرحا بصفاء و نقاوة هبات نسائم الأصيل و بالدعوة المفتوحة لزيارة الدار متى شاء. كان يملك كل الأعذار لتفسير اعراض حليمة عنه، فاكتفى و بحسن نية بعذر الحشمة فقط، حتى أنه و بتكرار نفس المعاملة في زياراته المتوالية، لم يكن يكبت شكوكه إلا بالسبب نفسه، كانت تمد له بأبهة أميرية نفس الأصابع و تنسحب لتدعه وجها لوجه مع أسئلة المباركية التي لا نهاية لها، بل إنها صارت تتغيب عن الدار في أوقات زيارته و تترك لأمها حرج تبرير ذلك. وحده إسماعيل كان يعرف بأنه في الوقت الذي كان فيه يونس يكره نفسه على مجالسة المباركية و تصديق أعذارها و حكاياتها، كانت حليمة في أحضان الجزائري تتذوق حلاوة الغيرة حين تستثار في صدور الرجال...

    محصنا بصبر لا ينفذ و مسلحا بعامل الزمن الذي كان يتصوره إلى جانبه، و بعد أن ذابت الوحشة التي ينبتها في صدره وجه المباركية المبقع كرمانة فاسدة صار يونس يتحرر من رصانته و يقبل على مبادلتها بعض المباهج الصغيرة كالملح و الحكايات الساخرة و بعض أخبار القبيلة، و دفعها للبوح بكل المرارات التي تقاسيها منذ أن ترملت، و استمع لنصائحها بشأن الأشياء الكفيلة بإستمالة قلب بنتها نحوه، من أنواع الهدايا الفادحة الكلفة، مرورا بالكلام الحلو وصولا إلى ضرورة تخلصه العاجل من شيطان الفصاحة الذي يتملكه. يجب أن يكلمها بكلام تفهمه لا بألغاز. و نظرا لأن الناس تكلموا كثيرا حول بيت السوء و المهازل التي رهن فيها يونس قلبه و شرفه، و عمد السيد المدير إلى مقاطعته، و صارت قهقهات فاجرة تتعقب خطاه، لم يكن مستعدا فقط ــ و قد استثيرت حماسته المعهودة و روح التحدي ــ للتخلي عن الفصاحة في كلامه، بل و أيضا عن الشرنقة المملة و المتصنعة للنخبة و أعرافها الفاسدة. سينصت لنبض الجماهير و الزخم الحي لجذور الشعب. هناك في المزارع و الأعراس و المآتم و البيادر و معاصر الزيتون و رحى الماء، في حلقات العيطة و أحيدوس و الطقطوقة و أحواش، في مزارات الصالحين و المواسم و المقابر، ترتفع هادرة هامسة الحقائق المتعهدة بالنضح المر للشقاء، ثمة في الحارات الكئيبة و الدواوير الخانقة و الأنهار الميتة و الأشجار التي هدها الحر و السهوب الرمادية ترن بهجة الحياة كنجمة صباح... كانوا متجهمين، يتداولون كلاما خافتا، تصله منه وشوشة محتدة، و حين يحذقون في وجهه يفعلون بنبرة وعيد. كانوا يريدون أن ينهوا الأمر بأسرع ما يمكن. تنحنح كبيرهم، و أذن له بالحديث:

    قــال: تريدون الحركة شمسا باهرة

    قالوا: و هي كذلـــــــك

    قــال: المطلوب منا أن لا نرى شيئا و أن لانبدي رأيا

    قالوا: المطلوب منك الحركة و العمل فقط و عدم الخوض في مالا يعنيك

    قــال: إنكم ترهنون حريتنا في تراتبيات و تعليمات و مكاتب و لجن

    قالوا: الفوضى لا تجلب الإستقلال

    قــال:حين دخل الإستعمار كان عليه أن يحارب شبرا شبرا قبيلة قبيلة..

    قالوا: تلك مرحلة مضت، لكل مرحلة من المقاومة مستلزماتها..

    قــال: كانت المقاومة عفوية شاملة و طويلة النفس

    قالوا: و الآن منظمة و مدروسة و موجهة..

    قــال: لا يحتاج الشعب إلى دروس ليقاوم

    قالوا: تكلم عن نفسك فقط

    قــال: يبدو لكم الشعب قاصرا

    قالوا: نحن نحارب فيه التخلف

    قــال: يبدو لكم كل شئ فيه ناقصا و عفنا ومنحرفا

    قالوا: هناك أشياء كثيرة من مخلفات الإنحطاط

    قــال: تبدعون للشعب يتما قاسيا و تدفعونه للبحث عن نفسه في مرايا الكتب و الخطب و البلاغات..

    قالوا: نريد أن نبعث مقومات شخصيته الحقيقية و التاريخية.

    قــال: بتنكركم لغناه و تعدده، ترون في الثقافة الشعبية فولكلورا، و في الدارجة كلاما سوقيا، و في عاداته و تقاليده انحرافا، تريدون شعبا من كتاكيت تفقس البيض عليها لتوها، و هوية من عجين طوع أيديكم

    قالوا: إنك تتنكر لتاريخ الحركة الوطنية..

    قــال: و من يجرؤ على ذلك؟ أتنكر لتاريخ تكتبه النخبة و تمليه المصالح و الأهواء

    قالوا: أنت خائن

    قــال: لنخبة تبحث عن تسوية. نعم

    قالوا: أنت كافر

    قــال: بمشروع أعرج، ينشد استقلالا سيضيع..

    قال كبيرهم : خذوه..

    تحيط به عصبة هائجة، يعلو الصياح ''إلى المحرقة..إلى المحرقة '' يدفعونه يتشبت بشرفات النوافذ فتخونه، بأغصان الأشجار فتفر منه، بالغيم فيتبرأ منه، يتحين فرصة يغافل فيها السيل الذي يغمره ليهرب فلا تأتي. يحاول الصراخ فيغيض صوته في صدره، كانت الجدران مضرجة بالعيون الحمراء النهمة، و الدروب تستنفر تحت الأقدام غبارا رماديا، و فوق على خاصرة الجبل اتكأت الشمس في برودة حياد ساحق، لاحت طلائع المحرقة، ألسنة نار تتنابح في الجهات الأربع، نار بيضاء تدمي البصر، و رجال أقزام ينقلون أسرابا أسرابا الحطب من الجبل، و يلقون به في لجة النار بتلذذ غامض، دفعوه، يتشبت بأخاديد أعماقه، فيخرج صوته هذه المرة هادرا '' العبوا الكرة.. العبوا الكرة'' يستوي فوق النار، يدب اللهب في أهذاب جبته البيضاء و لا يصل جسده. يتأجج حماس الأقزام في نقل الحطب. يبسط يديه نحو السماء، فتندفع من جهة واحدة جموع محتدة و مسلحة بالهراوات و الحجر و المناجل. تتعهد حليمة فوق الأكتاف، و تردد وراءها الشعارات، و تنفث غضبا مقوضا، يسحق الأقزام تحت الأقدام، و يسقط الدعامات التي تفصل الناس عن النار، و يمد سواعد مفتولة تنتشله من قلب النار... تغيب عن المدرسة، كان يحس بصداع في رأسه، و بفتور غريب في باقي أعضائه. و حين حان موعد الزيارة تحامل على نفسه و لبس ثيابه، و جرجر خطاه إلى هناك. كان يريد أن يرسي شراع حبه المتعب في شاطئ آمن، سيطلب من المباركية أن تحسم أمره مع حبيبته المنشغلة أبدا بحاجة ما في وقت زيارته. رتب كلمات لن يملك الشجاعة ليتفوه بها، وجد المباركية لوحدها كالعادة و قد جاءت لتوها من الحمام، صعدته بوجه سلخ بمدية الماء الساخن و عيون ممحية، كانت تشكو هي الأخرى من تعب و دوخة، و كان قلبها يرف كجناح طائر ذبيح. دعته ليتأكد من السعار المختلج في صدرها فمد يدا مترددة، خجولة، مرتجفة، أخذتها بيدها و وضعتها مباشرة في المجرى الجاف الذي يفصل ثدييها الرخوين المتهدلين كفلفل بلدي، حاول أن يستلها لكنها كانت مصرة على الإحتفاظ بها، بل بدت أكثر إصرارا على ذلك في الأيام التالية، تتصنع نفس العياء، و تقول له '' في يدك البركة ''. كان محرجا يهب يده قربانا لطقس غامص، و يستعيذ بالله من الشيطان الذي أودع بلسما غريبا في يده. ذات مساء لم تقنع المباركية بهبة اليد الباردة فوق حياد الثياب، ففتحت عراوى الدفينة و دستها مباشرة في التجويف المعتم و رجته أن يمسد لها صدرها، و من فرط تأوهها و ترنحها تحته غشيته شفقة بالغة فود لو قطع يده و وهبها لها، مدت يدها نحو سراج الغاز و أطفأته و بحركة فيها عنف و تصميم رغبة سييء فهمها طويلا، جذبته نحوها و اعتصرت شفتيه و ضلوعه و لهاثه..، افتضت جسدا لم يلهج بأسراره بعد، و دهشة تفتقت في غياهب غريزة مقبورة، و لهفة أولى ابتلعها تطريز دلاء جلد و أسلاك عظام و عطش وحشي... لملم حوائجه و انسل خارجا، لم ينبسا ببنت شفة. كان ندم مريع يعتصر قلبيهما معا. ظلت رائحة الماء المهين النفاذة تجثم فوق صدره كالغصة، رغم أنه نفض ثيابه و عب بشراهة كل الريح القادمة في اتجاهه، كان مخنوقا، ضائعا. لكن في تلك المنطقة النائية المعتمة التي تتحرك بصمم و تتقهقر بغل و نية انتقام، في أعمق أعماقه، كان ثمة انتشاء خالص و بسيط يقوض الاناخة الثقيلة لإحساسه بالذنب و يفلسف ما وقع (وما سيقع مرات عديدة) في إطار ضريبة الوفاء للمحبوب، و يفسر مثل المباركية تماما إصراره على معاودة اشتباك العتمة بحس شريف للتضحية: هي تفكر بأنها تبقيه بذلك رهن إشارة بنتها. و هو يفكر بأنه بذلك يقوي مكانته عند حليمة بوجود أمها في صفه. و لا أحد منهما واجه الشئ الغامض، الشائق، الحرون بداخله الذي يملي عليه لهفته و لهاثه..

    كانت نهاية عذاب حب بلا جدوى في ذاك المساء القاسي، فتحت له المباركية الباب و انسحبت، لم تمهله حتى يتمم تحيته المعهودة. و لم تمنحه تلك الضحكة الذاعرة اللعوب

    و ما كنت زوارا و لكن ذا الهوى

    و إن لم يزر لابــد أن سيــــــــزور

    كانت حبيبته وسط غلالة من دخان الشواء في حضن رجل فظ ذو شارب كثيف و سحنة غاضبة، قدم له نفسه بأنه '' الجزائري'' فرد يونس '' متشرفين.. متشرفين'' و قال بأنه هو و حليمة قررا الزواج ثم باسها من فمها، رد يونس '' مبارك مسعود''، و أردف بأنه مضطر لتوديعهم، فعرضا عليه قضيب شواء: حلاوة التعارف، لكنه رده شاكرا و خرج. أدركته المباركية قرب الباب و قالت له '' فكر في أنا للي ندير ليك لعقل '' أزاحها بيده، و خبط الباب وراءه. خرج بعزاء واحد هو أنه و رغم قوة الرجة لم يستسلم للخراب الداخلي الذي اجتاحه، و أنه كلم الجزائري كلام رجل لرجل. دون أن ينقاذ لنخوة كاذبة، و سوء تقدير لنفسه، فيزج بها في معركة خاسرة..

    ضرب كفا بكف'' متى يقيئك الحوت يا يونس، متى؟''





    تحــــولات بيبينـــــو العجيبــــــة





    لاشئ يؤلمه أكثر من العزلة، لا الجوع، و لا الضياع، و لا فظاظة عالم الليل بوسعهم إدراك الزوايا الغامضة للأسى و القلق في نفسه مثل ما تفعل هي. كانت تجبره حين يتلاشى العالم من حوله على الإرتداد إلى أعماقه، حيث يستيقظ عنف مجهول و صاخب يعري روحه و يدفعها لعبور مصفاة قصاص داخلي مرير. لم يتوقع بيبينو أن إعراض العلالي عنه سيبعث كل قلقه المنسي، و كل و جع الأحاسيس التي تتفجر في جفاف ليالي عزلته، بنقرة خفيفة معلومة كان يملك حين تقفر في وجهه الطرقات و تصد الأبواب و يختفي السحر المجهول لحضور الآخرين، سر الخلاص. لكن العلالي صار يقابله بوجوم صخري أو تجتاحه فورات عضب كاذبة لأتفه الأسباب، أو يتعمد ألا يفتح له الباب رغم تأكده من وجوده، كأنه يقول له بصريح العبارة '' عوم بحرك وحدك''. لقد خذله العاشق الغيور، و لا يذكر أنه راود دليلة عن نفسها أو مد نحوها يدا تحركها الشهوة أو حذق فيها بعينين نهمتين. حتى في تلك اللحظات الفاصلة التي سار فيها العلالي إلى رأس العين ليجلب الماء و بقيا لوحدهما في كهف الصينية، ثم عاد ساهما، مخذولا و أمسك الكأس بيد مرتعشة، لم يترام حبه اليائس من قبر نكرانه و يتلبس نظرة حركة أو حتى كلمة تفضحه، كان يضع قلبه مغلولا في صحراء يأسه الصامت، مخافة أن يستثير دودة الغيرة في صدر العلالي..

    كاتما تأثره، و ملاحقا بتبكيت ذنب لم يقترفه و بإنتظار قلق لريح مصالحة ترتق ما انفصم بينهما، سينمو بداخل بيبينو حس غزو الحياة وحيدا من جديد، سيطارد في متاهة الأزقة، و وسط الحشود، و في غور الليل، و فيء المقاهي، في عنف الحياة المتخفي، دربة يقظة، متفهمة، دقيقة، جعلته في ما مضى يلتقط ما يقيم به أوده مهما اسود العالم في وجهه، فكر في السفر إلى مراكش لكنه و في اللحظات التي يقضيها بالمحطة متحفزا، متوترا، يحس و على نحوغامض بأنه مشدود إلى المكان بخطوط خفية و تلذذ سري..

    حين تقفر الحياة من حوله، كان يفكر في ماري ـ انطوانيت، يسير نحوها بمسكنة لا حدود لها، يسمعها خطابا كارثيا عن متطلبات عائلته التي لاتحصى و أحواله الصحية المتردية و طعنات الزمن الغادرة التي تستهدفه هو بالأساس دون خلق الله، و يعتصر رموشه لعلها تجود عليه بدمعة مفحمة. خطاب سمعته ماري ـ انطوانيت كثيرا و تألمت له طويلا، حتى صارت تستمتع بتفقهه العجيب في أنواع الأمراض و أصناف العذاب و المشاكل التي يمكن أن تحفل بها حياة بشرية، و كان ينتزع منها دائما بضعة فرنكات و بسمة تواطؤ ساخر بل و كلمات تشجيعية عن فضائل الصبر و مجابهة الصعاب ثم يلثم يدها مودعا، يسبل عينيه بأسى و يسير بهيئة محارب يأوب لخوض غمار معركة ضارية، و حين يبتعد كثيرا يقهقه بظفر..

    لم يعد يفكر أبدا في غصة النوالة، خط دائرة حمراء عن الجهة التي توجد فيها، و حتى في لحظات ذروة سكره كانت علامة '' قف '' تومض أمام عينيه، لم يكن يعوزه الحنين و لا الرغبة في احتضان إبنه الوحيد، لكن أولاد القحاب أفسدوا كل شئ بينهما، لقد روجوا بأنه كان ينوي خنقه قرب عين داي. ألبسوه أبوة آثمة غادرة و وحشية. هناك فقط بضعة كلمات تحز في نفسه، عليه أن يقولها له، لكن ليس الآن، سينتظر إلى أن يكون قادرا على فهمها..



    الــــقواد:



    في الزوايا المعتمة لزنقة الحناجرة يقف، متكئا على الحائط، اليد اليسرى في الجيب، و اليمنى ممسكة بعصبية ــ السبابة و الإبهام فقط ــ لفافة تبغ من النوع الرديء. و الشعر الفضي المذهون بالبريانطي المنسدل حتى الياقة، و الشارب الخفيف المميز في الوجه الشاحب المعذب كزهرة ذابلة، و المنديل المربوط حول الرقبة لإمتصاص سيول عرق دائم يفجره اضطرام داخلي لا يفتر. والسترة الطويلة حتى الركبة و السروال الفضفاض. و الألوان الفاقعة، و مقدمة الحذاء الأحمر الطويل، و الجسد الضئيل الغارق في تلافيف الثياب، وحدها الرأس تطفو في اهتزازات متلاحقة حين يعب الدخان و ينفثه. في الزوايا المعتمة يقف كمهرج، يخفف بهيئته المرحة الكآبة التي تغشى المكان. في تلك اللحظات التي يبدو فيها لا مباليا و معرضا عن العالم من حوله، يعفر حيوية الحياة بإهماله الأقصى، و يجابه حركة الزقاق الضيق بثباته الشخصي، كأنه غلالة الدخان المحيطة به هي عالم تأمله الوحيد، يكون في أشد حالاته يقظة و تحفزا، و تكون عينه الصقرية، تمسح الزقاق حتى أدنى حركة، فجأة، وبخفة عنكبوت، و بعد دهس عقب السيجارة تحت الحذاء، و بإشارة حازمة و آمرة، يدعو أحدهم للمجيئ، فرق كبير في أساسيات المهنة بين أن تتقدم نحو الضحية أو تدعها تأتيك متعثرة، مستثمرا كل مخزون القلق و الترقب الذي يغلف المكان. و بعد المصافحة القوية. التي تمتزج فيها حرارة اللقاء بإختبار أولي للقوة و التماسك، لعب حاذق و متقن بين الوعد و الوعيد، الرحمة و العذاب. و بكل الوقار و الثقة الذي تمنحه هيئته، و بنبرة رسولية متقنة، و بعد استهلال عابر حول لفورم، و لفمي، سفا، كل شئ مزيان. شوف، و الله غير شفتك أوحبيتك. المحبة من ديوه. غزال أو ضيقة، البزازل رمان ما تعذرنيش فيهم، الزين تحفة آي آي آي، اللور كنز مرصود، ليك وحدك، والو غير شي بركة، باش ما سخاك الله، المحاسبة ما مزياناش بين ليزمي. بإسم الله، ميرسي. سير قدامي، الباب لخضر دفعو و دخل، بون شونس...

    و حين تخرج الضحية مفعمة بالخيبة و الضغينة و محتقنة القلب على رسول المحبة الغدار بعينين ذابلتين، هجرهما ألق الشهوة، بعد تبدد كل الإستعارات و المجازات الزائفة، تكون الأرض قد بخرت الدعي الذي تبرأت الغزال الحيزبون من وساطته..

    و بعد أن ألبت قلوب العاهرات عليه واحدا واحدا على طول الزقاق، إذ لم يعد يأخذ أجر وساطته المزعومة، بل يقنع رواد الزقاق بأداء مسبقا ثمن الوصال كاملا، فيترك العاهرات مع الرواد في شجارات لا تنتهي. لقد نغصن عليه و قفته إذ صببن الماء الخانز و البول على رأسه من فوق السطح، و ضربنه بالحجارة، و شتمنه بكل النعوث، و تركن الأبواب مشرعة لتلقف الرواد، و في الأخير سلطن عليه بعض العشاق المتعصبين. تكفلوا عن طيب خاطر بكسر يده، و تجريده من ثيابه، و مرمدته في التراب كلما لزم الأمر ذلك، فقطع بيبينو رجله صاغرا من الزقاق..



    الـــقمـــــــار:



    في الظلال السخية حيث يتوسد الحصادة مناجلهم و حاجياتهم، و بين أوتاد الخيام في الموسم أو السوق، مجانبا اعتى مد بشري، و قرب الحافلة التي وصلت لتوها، يرج المدى من حوله ربح، ربح، ربح، ابتسامة لا تقاوم تعضدها لحية بيضاء فارهة، و يدين معروقتين و مشمرتين تحضنان كنزا و هما تتعذر رؤيته بغير الإقتراب الحميم ربح، ربح، ربح، و تكتمل الحلقة المغوية حول بابانويل المحلي و النهاري، ضبط محكم لكل علامات الدهشة و الحيرة و الرغبة، ثم صياح لا معنى له، كأن الشيخ واقع تحت تأثير الجن أو يعاني نوبة صرع، رذاذ زبد أبيض يتطاير من فمه، و رعدة باردة تستحت لونه و تضعه على مشارف الإغماء، استرسال في تعزيم بكلام مبهم في ما يشبه مونولوجا داخليا قاسيا، في إعراض غريب عن الجمع الذي و جهت له الدعوة للإقتراب، هو ذا التوتر اللازم لإجتثات أدنى آصرة تربط الجمع بالواقع، و الزج به في أتون تحليق غرائبي، يغيم وجه الشيخ و يسود، و تنطفئ عيناه، و يصير الوجه كومة رماد... فجأة و بعربدة و جودية ملغزة و ضدا على جنائزية الحلقة التي تابعت بكل الدهشة و الحزن اللازمين نزول الشيخ إلى الجحيم و انبعاثه المظفر، فجر ضحكة مجلجلة، و استل من كمه خيطا رفيعا شبكه بطريقة مخصوصة في الأرض، و أمر أحدهم بوضع أصبعه داخله، و حين سحبه بقي الخيط عالقا به، فنفحه فرنكا ربح، ربح، ربح، لشونس كي دونس، وأخذ يهزعجيزته، و يضرب الأرض برجله، رقصة احتفائية بالحظ الغامر، بالوميض الهاتك للبؤس العام. جرب زهرك، اللي ما عندو زهر خير ليه لقبر، يا أمة محمد الزهر و لا لقبر، لعب بفرنك تربح زوج. لعب بزوج تربح ربعة، جرب، جرب زهرك.. تدافع الجمع بفرنكاتهم و أصابعهم، لكن الخيط الخادع يضيع كالسراب، و تبقى للأصبع صفاقة التراب، و للنفوس أسى الحظ النكد و تلك الرغبة الملحاحة في الثأر للفرنك الضائع بمعاودة مكلفة حتى البكاء، و في مقابل اليأس العام، كان الشخص الأبله نفسه الذي ربح أول فرنك يمضي من انتصار إلى انتصار، و كلما شبك الخيط في أصبعه، رفع وجها يشع بالبراءة و السذاجة و ابتسم للجمع ببلاهة، كأنه يعتذر لهم عن الحظ المخاتل الذي يأبى إلا أن يحالفه هو، و بعد سيل من المحاولات المحبطة، تخفت الأيدي و تنكس الرؤوس، و يرين صمت حزين على الحلقة، و تترقرق دموع لماعة في بضعة عيون، و يكتم البعض حقدا كبيرا على الرجل الكذاب، و يتماسك البعض الآخر ضد إحساس مريع بالتعب و رغبة في السقوط، فيرتجل الشيخ بضعة دعوات خيرة يختمها بدعوة عامة لقراءة الفاتحة، ينجزها وحده، و يفض المجمع. لينبت في مكان آخر، فيرج من جديد المدى من حوله. و يدعو لتجريب حظ لن يحالف أحدا، إلا ذاك الذي يتصنع البلاهة، و يلازم الشيخ كظله أينما سار. لقد أحرق قلوبا و زود أحزانا، و جعل رجالا يبكون الخسارة كالأطفال، و دفع آخرين لسب الله، بل أنه كان سببا في انتحار حصاد جاب بلاد زيان و عاد بجسد كالخرقة و بضعة ريالات أخذها الشيخ فرنكا فرنكا، و خلف جملة من الأمراض الإجتماعية. كتلــــك المراودة المعذبة بإسترسالها المكلف لشئ لم ير أبدا في القبيلة: الحظ، و حالة أولئك الرجال الذين يجازفون بعشاء أولادهم. أو يعودون بقففهم فارغة من السوق، مع كل ما يستتبع ذلك من خصومات عائلية. قبل أن يفطن الناس للمصادفة الغريبة التي تجعل ذلك الأبله يربح دائما، و لكنهم حين رأوه يتحول إلى وحش ضار يستل مطوى و يشهرها في وجوه من طالبوا الشيخ باسترداد ما خسروه، فهموا كل شئ، و تعلموا أنه في تلك اللحظة التي يعرض فيها الربح نفسه برخص، و يكون يقينيا كالتراب، يكون أيضا مستحيلا كماء الحياة.



    الــرجـــل الــسوداء:



    في السقاقي المحيطة بساحة فرنسا، استطاع أن يلملم في كل مرة من حوله بعض العجزة و المحبطين و المشردين و السكارى و أنصاف المجانين.. و كل من يشتعل في نفسه حس وطني غير مكلف، و بمساعدة أحد قدماء المحاربين، شارك في الحرب العالمية الثانية و بعد أن جاب كل الجبهات و في طريق العودة انفجر لغم تحت الجيب التي تقله، أطار عينه اليسرى و كل عقله. و برغم آفة النسيان التي تجعله ينسى حتى اسمه و موقع قدمه، كان مساعدا لا يمكن الإستغناء عنه بالنسبة للقبطان، فقد تنازل له عن حذاء عسكري صلد و وسام و بعض الزخارف الأخرى، و تولى قيادة كل المهام، من التدريب الذي ليس أكثر من زحف على البطن داخل السقاقي، و تصويب ببنادق إنتزعوها من أيدي العجزة، و مناورات مملة و مرهقة، تنتهي غالبا بخصومات حول من أرسل طلقته الصوتية الأولى ( طخ..طخ..طخ)، إلى رئاسة قسم المخابرات، و حراسة الدخيرة المكونة من بعض مطاوي '' قرن الغزال '' و كيس حجر و رصاصات فارغة. و بعكس العسكري الذي كانت شرعية قيادته فاقعة في جسده: العين المطموسة، و العقل المحلق، كان على القبطان بناء أسطورة شخصية تفوق الحكي الفوضوي للعسكري عن حرب ليست حربنا. لذا و ارتكازا على بعض النذوب في الوجه خلفتها ضربات مطوى، و أثار ضرب بعصا في الظهر، و علامات عنف أخرى، سيحكي القبطان عن حرب الريف و التمترس بين الحجر، و البرودة القاتلة، و الضربات المتقنة و الخاطفة، و التعثر المفاجئ، و السقوط بين يدي العدو، و كل ما تلا ذلك من مشاهد تعذيب مروعة. تدفع ذكراها القبطان للتشنج في ما يشبه نوبة عصبية. و برغم التجلد الشديد و القساوة الساحقة تمرق بضعة دمعات من عينه، تدحض كل محاولة للشك او الغوص في التفاصيل الفاضحة. ثم يفرد يده، هذه اليد المعروقة المخسوفة صافحت يد سي عبد الكريم الخطابي. و الله.

    تتحلق حوله أسراب المقاتلين في الليل الطويل، يحدثهم عن الرسائل التي تصله من جهات عليا، و عن المال الكثير الذي سيصله. ثم يشرح لهم لماذا يمضي متنكرا هكذا في هيئة كازاوي حازق و مبهذل. و يصف لهم السلاح و كيفية استعمال البندقية و المدفع و حتى الطائرة. و بعد شهور من الإعداد النفسي و الإديولوجي و التقني، كان فيها القبطان أمير الليل و سيد مشرديه، فكر بأن يقوم ببعض العمليات الآمنة لكي يبدد الملل و نفاذ الصبر الذي صار يخنق جيشه الصغير..

    في بضعة ليالي، سترفس حدائق المعمرين، و ستضرب بعض الأبواب بعنف، و ستقلب صناديق القمامة، و سيجد صاحب مكتبة '' لاليبرتي'' قطه الأثير مضرجا في دمائه بعد أن تقاذفته أرجل فظة و متوحشة، حتى أن جلسات المعمرين ستصير مسكونة بهاجس هذه الرجل السوداء الآثمة التي نغصت لياليهم و عاثت في أشيائهم، و سيجند بيرو عراب بعض العيون الحاذقة، و قد تبين لأركان الحكم المحلي أن حركة مقاومة تتبرعم عبر عمليات صغيرة في ليل القبيلة البهيم. و حين ستتمكن دورية من إمساك القبطان و بعض اتباعه متلبسين بالتبرز في مدخل مؤسسة عمومية، و يدعى المراقب المدني من قلب نومه العصي ليرى المجرمين، لم يستطع أن يمسك ضحكة حانقة متشنجة. ثم عاد من حيث أتى..



    الــمـجــــــــدوب:



    جمعتهما ذات ليلة بضعة كؤوس. خرجا بعدها سعيدين وخفيفين. و مضيا في دروب القبيلة بلا هدى. يروضان ليلا موحشا و قاسيا. كانت رفقة شمام المغني الإستثنائية تهب بيبينو نشوة سرية خالصة و فخرا لن يزول. كان الرجل ذائع الصيت محليا تردد نساء القبيلة طويلا أغانيه و خصوصا أغنية '' القصبة''. و يترصدنه من فوق السطوح و من الأبواب و النوافذ و الكوات بشوق قائم و عواطف متأججة و دعوات مكتومة. غير أنه و بسوء تقدير للحياة و هي تتهالك عليه برخص، لم يعرف كيف يستثمر شهرته '' ماديا و لذتيا'' كما افهمه بيبينو كان يهب جسده الصفصافي اللدن البض لبغايا مترهلات. لم يكن يحضيين من بيبينو إلا بضرطة أو بصقة إزدراء..

    في تواطؤهما المرح تلك الليلة ساقت لهما الريح القادمة من دار الدباغ أصوات دفوف تضرب و أذكار تتعالى في عذوبة رائقة. و جرتهما رغبة ملحاحة و أرجل مترنحة نحو مصدر الأصوات. اعتبر أهل الدار دخول شمام تكريما لهم فاستقبلوه بحفاوة بالغة. و تدبروا له مكانا و قدموا له كأس شاي؛ تشريف لم يحظ منه بيبينو بأي شئ فأسرها في نفسه. تفضل شمام بغناء بعض المقطوعات من أغانيه الشهيرة في الأوقات التي تتخلل نوبات الجدبة، فزاد في حث العيون المغوية و المصعوقة للنساء على تطويقه و اقتسامه بشبق نهم. حين عاود أهل الحال رقصتهم العنيفة وسط الزغاريد و أخرجوا قللا فخارية يرفعونها في الهواء ثم يعترضونها برؤوسهم لتتفجر شظايا و دماء. و حتى يحوز هو أيضا قليلا من الثناء، و دون أن يعرض رأسه لخطر مناطحة الفخار الجنونية. أسر لشمام بأن يعترضه إن هو أيضا هم برمي القلة في الهواء. ثم دخل دائرة الجدبة و ترك بعض الزبد يتطاير من فمه. وولد في جسده رجفة مخيفة. و في ذروة نشوته أخد وسط إعجاب عام قلة كبيرة كان يتحاشاها أهل الحال. و حين هم برميها فوق رأسه، أمسك شمام بيده بقوة و حسم و أقسم بشرف أولاده الذين لم يلدهم بعد ألا يفعلها. فتراجع بيبينو آسفا و متأسيا بجولة أخرى قادمة. سيعترضه فيها شمام أيضا، و خلد الجمهور لصمت خذلان مبين. كانت الجولة الأخرى أكثر التهابا و التفع بيبينو بالحمية و الزغاريد التي استهدفته هو بالأساس إذ تهاوى أكثر الجدابة صلابة. و بقي وحده يراوح في الدائرة بالقلة بين يديه، تستحثه العيون و الأصوات. كان شمام ضائعا في نقاش قاتل مع رجل يجلس بجانبه، تردد، بحث عن مخرج، لعن الظروف و إعراض صاحبه القاسي. و لم يجد بدا من أن يهب رأسه لإختبار فادح الكلفة. حذق في شمام اللاهي بعينين حجرهما الهلع و الإدانة. و رفع القلة في الهواء و للمحة كالومض و قبل أن تصل القلة رأسه تذكر منبر البيعة.. سيصارع الموت لمدة شهر؛ و حين سيعافه ملاك الموت مرة أخرى، سيخرج إلى الفضاء الرحب للدنيا و سيبحث عن شمام، و قد انضاف ثأر آخر عليه أن يوفيه للقبيلة الغادرة..







    8 دسمبـــــــــــر 1952





    الـصبــاحــات لا تشبــه بعضهــا..

    الذين رأوه و هو يخرج في ذلك الصباح، اتفقوا على أن نذير شؤم كان يربض في قلب التخلق البطيء للنور في سرابيل الغبش. تكشفت السماء صافية و ذات زرقة باهرة و مريبة. و بعد حين أطلت الشمس شاحبة منهكة، و تدحرجت على مضض فوق الجبل. و كانت هبات ريح باردة ينفثها الثلج الرابض على قمم تاسميط و غنين، بغل دفين تناوب ضرباتها السديدة في الحواري المقفرة، لقد خرج بقميص أبيض خفيف رغم لسعات البرد، و سروال أدكن شمره عند الكعب و انتعل حذاء رياضيا منح خطواته رغم الإجهاد الذي كان يبدو على وجهه ـ كما تبين لكل من رآه في ذلك الصباح ـ بعض الرشاقة و الخفة..



    وحدها رقية الهجالة انفردت برواية تفصيل مؤثر داخل التواطؤ العام على بصم مصيره في خطوات آخر تجل له بالزنقة. قالت بأنه و قبل أن ينعطف في رأس الزنقة توقف و برؤية أثقلت بكل التياع و حزن الوداع الأخير مسح الدور واحدة واحدة. بل أنها اشتبهت في دمعات قالت إنها ترقرقت في عينيه قبل أن يولي ظهره. كانت فاطمة ـ أو دليلة المحتالة كما يصر العلالي على تسميتها ـ تعرف بأن الشئ الأكيد في الرغبة العامة و الدائمة لتلبيس آخر حركات و كلام و نظرات الأموات الدبيب القدري للموت، هو أنه توقف بالفعل في رأس الزنقة و ملئت عيناه بأسى الخذلان. لقد دأب منذ أن تسلم شغله من جديد في وكالة شيمون بلولو على الخروج في تمام الساعة السادسة صباحا. و دأبت هي على الوقوف فوق السطح حينئذ لتتبادل معه تلويحة يد و بسمة طافحة، تدافع كل إكراهات النهار ''كم يكون النهار كئيبا'' يهمس لها،'' كم يكون ثقيلا'' ترد حين لا يريان بعضهما. لا تعرف هل هو الذي خرج قبل وقته المعتاد، أم هي التي تأخرت قليلا عنه؟ لقد هرولت نحو السطح لتراه يولي ظهره صاعدا عقبة المقبرة فتابعته حتى ابتلعته زنقة اولاد سعيد.. هل كان يعرف.؟ في جيب قميصه الملوث بدم الطلقة القاتلة المتيبس الناصل، كانت هناك عشرة فرنكات و بضعة حبات حمص و صورة الزعيم ملفوفة داخل ثوب حريري. كانت الصورة المقتطعة من إحدى الجرائد القديمة باهتة و متقصفة، تشع منها نظرة الزعيم المهيضة الحزينة ذات الجاذبية الباهرة كعيون الشهداء. و فوق عنقه ارتسمت قطرة دم مخسوفة تسللت من الثوب الحريري و انطبعت فوق الرقبة القصيرة. كأنها تبصم بينه وبين الزعيم قران دم و لوعة و خذلان..



    البكاء، الأرق، الصوم، و العزلة. كل صنوف العذاب لم تكن قادرة على إذابة إحساس مريع و معذب بالذنب. يعتصر قلب فاطمة و يحيل زمنها و حشة و يبابا. هي التي نصبت له فخا و قادته إلى حتفه. زارها الفقيه مرات عديدة ليقول لها:'' الأعمار بيد الله، و دمه لم يضع هدرا بل غدا نهر المقاومة''. كلام بارد، محنط، لا يصل الجرح الغائر. يردده الفقيه بحياد مؤلم. أثناء تغسيله، كانت مسحة وردية تطفح من خدوده، و شفتاه المكتنزتان ترشحان ببسمة فرح أبدي. لم يكن حزينا، و لا ممتقعا. كل من رآه في رقدته الأخيرة خيل إليه بأنه يغط في سكينة نوم عميق و هادئ. بصيرة الشهداء بالجنة الموعودة ترى في و جوههم. كلام مشاع، مموه، يرتطم بالسطح و لا يصل الأحشاء. رياح القلب الهوج المدمرة تحفر بروح شديدة التصميم. من مات مات. كم من الناس يموتون جوعا و مرضا و تفريطا قاسيا في كل يوم؟ هل يمكن أن تنسى؟. حين أزاحت النقاب عن وجهها و هما في الحافلة استبد به لحين فرح طفولي و نشوة غامرة، مالبثا أن بددتهما الأسئلة الملحاحة التي تدافعت في صدرها بروقا متراقصة و عجلى، تتابع صورا شائهة، و لم يكن هناك بد من استرجاع إصرارها الشديدة على الذهاب للشرب في كهف الصينية، ثم ظمؤها المفتعل، و ذهابه ليجلب لها الماء. يومها فسر ذلك برغبتها القاتلة في الإستفراد ببيبينو، قاوم غيرة فتاكة و مطبقة، تدفعه بلا هوادة إلى نحت مصير آخر لذاته ضائع في هموم الجماعة..



    تجمع على نفسه، صموتا، جريحا، يمور بالغضب المشتعل. لم يكن سوى لعبة بينها و بين الفقيه. حتى كلام اللوم لم يعد له معنى. الدموع الصامتة لا تكفي للاغتسال من خذلان الأوهام الموجعة، و الأحلام غطاها العفر. حاولت أن تستدرجه فيما بقي من الطريق للحديث، لكن الكلام كله قد غيض في مهوى سحيق، فانزوت مترفعة، شاردة، و كاملة.. في واويزغت مد لها مودعا يدا باردة و عجلى. سارت نحو دوار آيت بوجبيري، و سار ساهما نحو الدار المعلومة.. و دون أن ينبس بكلمة سلم الرجل لفافة المناشير و عاد نحو المحطة. لم يثر إنجاز المهمة فيه لا مشاعر الرضا ولا الفخر. و عاوده إحساس قديم و فظيع بالخواء و اللامعنى. سيفكر في بيبينو من جديد لكنه لم يجرؤ على الذهاب للبحث عنه. و بحث في الخمر عن عزاء غير مجدي. و قنع في الأخير باعتزال الناس و التنسك في بيته. جاءه الفقيه مرات عديدة لكنه لم يفتح له الباب. كان انكسار ثقته فيه غير قابل للترميم. و وقفت هي منتحبة ساعات طوالا بجانب الباب الموصد. كانت تقول له و هي مختنقة بالبكاء بأنها تعرف أنه موجود بالداخل و ترجوه أن يتفهم طبيعة التنظيم. ثم تعترف لأول مرة بحبها له ثم تبكي، كأنه انتزع من صدرها سرا لا ينبغي البوح به. آنذاك يكون هو متوترا و مختنق الأنفاس، يهم بفتح الباب و لا يفعل، و يدافع شوقا عارما و مستميتا، لكن من يضمن له بأن اللعبة لن تدوم..



    ذات صباح خرج و سار نحو وكالة شيمون بلولو. لم يجده هناك، فاضطر لانتظاره حتى حضر. لم يكن في حاجة لإستجدائه، كما أفهمه شيمون ذلك بنبرة عتاب شديدة، فالشغل ينتظره من زمان. كانا سعيدين بارتباطهما من جديد. و حرص شمون على أن يتناول معه طعام الغذاء في داره. هناك سيرى العلالي شميحة لأول مرة منذ تلك الليلة. سيمسكها بأنامل مرتعشة. و يلثم خدها بحنو متشنج. كان وجهها الصغير المدور يشع في بحبوحة طفولة هنية و صفاء خالص..



    عاد من الوكالة في الليل، و تلمس خطاه في عتمة السلم الصعب بتوجس شديد، حتى ارتطم بكتلة لدنة و ثخينة و أنفاس لاهتة و متسارعة. حاول بإنتفاضة يائسة أن يحرر جسده. لكن اليدين العنيدتين أمسكتا بتلابيبه، و في أقصى ضياعه و بلبلته سمع صوتا عذبا أليفا:'' لماذا تهرب مني؟''. تراخت أعضاؤه المتصلبة، و جذبه شوق لا يقاوم للتهالك في الحيز الضيق و المهدد على الصدر المتحرق للقياه. كان انخطافا مفحما وهبه مواساة كاملة لكل جراحاته. لم يعد لكلمات العتاب معنى، و لا لتردده الفج و البليذ أي جدوى. حتى كلمة التحية خرجت من فمه همهمة وهنة اغتالتها لتوها شفتان ملتهبتين و مطبقتين. أنذاك أدرك في قرارة جسده المغوي بأنها قدره مهما كابر و اصطنع من هجر..





    أحمـــــد الحنصــــــالــي:





    في البداية وصله النبأ عن طريق شيمون بلولو، ثم رأى التعزيزات العسكرية تتوالى. سحب الغبار. قعقعة السلاح. الوجوه المروعة و المتشنجة للضباط. الحركة الدائبة في بيرو عراب. الكلاب المدربة و المتحفزة للإنطلاق في الدروب الجبلية الوعرة. الحواري المقفرة من المعمرين أو المذروعة بخطوات عجلى و متوجسة، موكب''بونيفاس'' الذي يصل وسط جلبة الرعب و الصياح في أبهة المخلص من العذاب المحيق. الطائرات المحومة حول الجبل. الوجوه الغريبة المتنكرة في ثياب البدو المندسة في الطرقات و وسط التجمعات. و سمع عن المداهمات الليلية التي تعرضت لها بعض الدور، و عن دوريات التفتيش، و عدد القتلى الذي تنفخ فيه كل ساعة الإشاعة و مبالغات الحماسة، و قرارات حظر التجول بالليل و منع التجمهر بالنهار. كانت طقوسية الحرب تخيم على القبيلة. و لم يصدق بأن كل هذا الإستعراض الفظ للقوة يقام من أجل رجل واحد. قيل بأنه انتزع بندقية من مخزني و قتله ثم سار يبذر الرعب و القتلى على طول الجبل الممتد من القصيبة حتى سد بين الويدان.. عدا الإسم و يقينية القتل الذي حرك كل هذه الآلة العسكرية الجهنمية، تبدو حقيقة الرجل ملتبسة و ضائعة بين البلاغة الإستعمارية التي أخضعته لتمرينات سيكولوجية رديئة، كانت حمادى اكتشافاتها بأن الأمر يتعلق ب ''وحش متعطش للدماء'' لا بإنسان، و بهوس شديد لقذف الحدث في التفاهة اليومية لجنس بشري لا يعرف بعض أفراده الشواذ كيف يسيطرون على غرائزهم البربرية، ما انفكت تتساءل بتصنع فج للبلاهة عن الأسباب التي تدفعه لاقتراف كل هذه الجرائم الفظيعة في صفوف الفرنسيين بالضبط. ثم تشيد بالأهالي الذين هرعوا'' بتلقائية'' لمطاردة ''الوحش''. و بين الجدال العقيم لذويه و حروبهم الصغير والتافهة حول من غرس فيه مبادئ الحزب و حرضه على حمل السلاح؟ من وشى به و قدم رأسه لفصيل الإعدام و أخد المكافأة؟ و تصويبات المتفقهين في التاريخ الوطني و تدقيقاتهم العلمية، و شروحاتهم المستفيضة حول ملابسات انطلاق المقاومة العفوية، و تحفظاتهم الشديدة تجاه التمرد الأرعن الذي لم تنضج ظروفه بعد، و أقاويل المتشككين في الجلسات الخاصة و الحميمية: يقال بأن المخزني الذي أخذ منه البندقية بعد أن قتله ضبطه مع زوجته، لقد هرب الحنصالي بروح من لم يعد له ما يخسره. الأسر و الأحزاب و الجمعيات و المتخصصون و المقاومون و الثرثارون و الرواة.. كل مدجج بحكايته الخاصة حوله، و متمترس وراء حجج لايرقى إليها الشك. حتى أن ''التشامير'' الأبيض الذي خرج به إلى الناس يوم قبض عليه. و الذي درج بدمائه بعد ذلك، كان أوسع من قميص عثمان، يتحمل كل الأيدي التي تنازعته مطالبة بحقها في الثمن الثأري لدمه..





    خـــبـــــــــــر:





    ( افتتاحية ماروك ـ بريس

    16 ماي 1951







    سـت جثــث.. هـذا يكفــي



    هل سيتمكن وحش تادلة من الفرار لمدة أطول أمام الآلاف من مقتفي آثاره، إن الأمر لا يتعلق بإمساك متهم و تقديمه للعدالة، و العمل على تصفيته بعد إدانة قانونية سليمة بل بقتل حيوان ضار.

    الكثير من الدم قد أريق لكي نحاول إمساك قاتل ـ مثقل وعيه بستة قتلى ـ حيا، فنعرض أرواحا أخرى للخطر، لقد دفع رعب جرائمه الفظيعة إلى القول بأنه وحده '' مجنون دموي'' بإمكانه اقترافها، ماذا نعرف؟. فالمحللون النفسيون بحسب علمنا لم يتفحصوا حالة هذا القاتل المتعطش للدم، و لا أحد يعرف دوافع هذه السلسلة من القتلى. و في كل الحالات يجب أن نسجل بأنه يختار ضحاياه من بين الأوربيين خاصة، و أنه يطلق رصاصه بلا مبالاة و برودة على الرجال و النساء و الأطفال. و ثمة عامل آخر لا يقل مبعثا على الحيرة و الإرتباك أنه يقتل بدون هدف نفعي، إنه لا ينهب ضحاياه بعد قتلهم. فالنقود لا تهمه أبدا. يضرب بقوة و يختفي بحثا عن ضحايا تسوقهم صدف اللقاءات. إنهم يطمئنونا بأنه لم يعد يتوفر إلا على سبع أو ثمان رصاصات، الله أعلم.. و يخبروننا بأن بنادق أخرى ـ بالإضافة لبندقية القاتل ــ قد سرقت، لذا مهما وقع، يجب إيقاف المذبحة باي ثمن، فلا شئ يعدي أكثر من الجريمة.



    من المؤكد أن، المنطقة المتوحشة التي كانت مسرحا لهذه الجرائم لا تسهل البحث. رغم أن القبائل البربرية التحقت بشكل تلقائي بقوى الأمن لتساهم بفعالية في هذه المطاردة الضخمة، لكن لماذا لم نستعن بالكلاب البولسية؟ فمن شأن حاسة شم هذه الحيوانات الثمينة أن، تساعد على تسريع ''الهيلالة''. أخيرا من المحزن و بعد جريمته الرباعية التي ولدت حزنا مريرا بين سكان تادلة، أن لا نكون قد فكرنا في منع المتجولين العزل من الوصول إلى المناطق التي تجري فيها و على امتداد كيلومترات عديدة مطاردة المجرم الخطير، فلو اتخذ هذا الإحتياط لما كنا نتأسف اليوم على موت مهندس شاب من الدار البيضاء و بنت أحد زملائنا، اللذين كانا زوال أمس يتذوقان بجانب واد، و بين طبيعة محتفية، فرحة صيد هادئ، فهل يمكن أن يؤخذ هذا الإنذار القاسي بعين الإعتبار من طرف سلطات كفؤة).



    في ذلك الصباح و هو يصارع عقبة المقبرة الفظيعة، و هبات الريح القوية التي تنفخ قميصه الأبيض من حول ضلوعه، كان يبدو من بعيد كزورق رفع بلا رجعة المرساة و فرد شراعه الأبيض في وجه الريح ليخوض أمواج بحر عات. أمس أبلغته فاطمة بقرار الإضراب العام يوم الإثنين 8 دسمبر، احتجاجا على مقتل الزعيم النقابي التونسي فرحات حشاد يوم الجمعة الفارط. و رغم أنه قاطع الإجتماعات الحزبية السرية. كان قد تحامل على نفسه ذات مرة لكنه لم يستطع أن يصمد لمزيج متظافر من الضيق و الخجل و الشك خنقه و اضطره للانسحاب، فإنه اعتبر نفسه ملزما بتبليغ القرار كأي من الأعضاء النشيطين، اتصل على عجل بكل التجار و الحرفيين المحيطين بالوكالة، و حرضهم على الإستجابة للقرار، و وزع بضعة مناشير، و أقنع شيمون بلولو بضرورة تعطيل عمل الوكالة مخافة أن يكسر زجاج الحافلات بحجر المضربين. و بما أن عدة شاحنات عسكرية قد وصلت و احتلت مفاصل الدروب الإستراتيجية ليترجل منها جنود سود، سيتشاغلون طيلة النهار بمسح بنادقهم و فكها و إعادة تركيبها استعدادا للمذبحة القادمة، و هم يبرطمون و يرقبون المارة بعيون تملأها شهوة دموية ونهم حاقد. و بلغ المقدمون و الشيوخ للناس تهديدات البيرو الشديدة. فقد قرر المكتب المحلي للحزب الإعتماد على كل المخلصين للتواجد منذ الصباح الباكر في الأماكن الرئيسية لتحصين المضربين مما قد يعتمل في قلوبهم من خوف و نكوص. كان فيض من الحماسة يغلف قلبه، و إلى جانب العرق الذي نضح منه في جهد الصعود كان هناك عزم قوي يشع من حركاته و تقاسيم وجهه. لقد فتح عينيه على صورة الحنصالي المعلقة في الجدار المقابل لمكان نومه. و التي كان قد اقتطعها من عدد جريدة ماروك ـ بريس الصادر غداة مكنت الخيانة الفرنسيين من القبض عليه، وجه فيه القساوة الفاتنة و الصرامة العنيدة لوجوه رعاة الجبل. فيه وضوح، تصميم، و هدوء غريب و ساخر كأن لم يزلزل العالم من حوله. وجه صقيل بالكاد نمت فيه شعيرات خفيفة في الدقن و الشارب و تشامير أبيض بئيس. رجل من طينة أولئك الرجال العابرين الذين لم يرهقوا الحياة بالمتطلبات و الشكاوي. كان يرقب آلات التصوير و السحنات الغاضبة للجنود الذين يطوقونه بدهشة يائسة و من عينيه المتقرحتين من فرط الأرق الإجباري. كان يشع عدم اكتراث هازئ بتفاقم عزلته الموحشة و خلو محيطه من نأمة حنان أو شفقة و بالقصاص المرير الذي يقاد له. كان ينعم في سلام داخلي هنيء. إنه أنجز ما عليه. يصعد الحشد المتدافع لرؤيته ببهاء من يوشك أن يدخل في طيات حلم رائع، لقد خاض حربه و حده و بصم التاريخ بصورته إلى الأبد..



    انتزع صورة الزعيم من الحائ

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة نوفمبر 16, 2018 5:22 pm