oumolilt histoire et patrimoine

tout se qui concerne l'histoire / civilisation et patrimoine culturelle de notre mère lala timoulilt .

المواضيع الأخيرة

» معلومات جديدة في غاية الدقة عن ايت سخمان و ايت علي اومحند ببين الويدان
الأربعاء يوليو 18, 2012 3:29 am من طرف samah moujane

» اسباب فتح الاندلس
الإثنين أبريل 30, 2012 11:39 am من طرف samah moujane

» اكتشاف جيني جديد يؤكده علماء الوراثة كل البشر ينحدرون من جزيرة العرب
السبت أبريل 14, 2012 6:26 pm من طرف samah moujane

» شذرات من تاريخ واويزغت
الإثنين مارس 12, 2012 4:27 am من طرف Admin

» العقـل الأمازيغي: محاولة للفهم
الخميس يناير 19, 2012 3:10 pm من طرف jihad bouzidi

» المغالطات العلمية والتاريخية حول الهوية الأمازيغية
السبت يناير 14, 2012 3:40 pm من طرف jihad bouzidi

» شذرات تاريخية هام هام هام جدا
الأربعاء ديسمبر 21, 2011 5:34 am من طرف Admin

» Bernard Lugan : L’Egypte pharaonique est Amazighe, un séisme scientifique
الثلاثاء ديسمبر 06, 2011 8:13 am من طرف Admin

» عيد مبارك سعيد
الأربعاء نوفمبر 09, 2011 4:41 am من طرف Admin

يونيو 2018

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
    123
45678910
11121314151617
18192021222324
252627282930 

اليومية اليومية

تصويت

دخول

لقد نسيت كلمة السر


    زغاريد الموت: دموع ايزا الجزءالتاسع وقائع حقيقية

    شاطر

    samah moujane

    المساهمات : 61
    تاريخ التسجيل : 01/04/2011
    العمر : 34

    زغاريد الموت: دموع ايزا الجزءالتاسع وقائع حقيقية

    مُساهمة  samah moujane في الخميس أبريل 07, 2011 7:58 am

    يضحك بيبينو بكل الخراب و الجوع و الضياع الساكن في عتمة فمه الأدرد:''كلام خاوي، آحبيبي''. فيحتد العلالي و يقول له بأن الغالية و المباغي حجرا قلبه. فعل و هو يعرف بأن بيبينو لا يطيق أبدا أن يذكره أحد بأمر أسرته و خصوصا في لحظات متعة. هدد بالإنسحاب و كاد أن يجرجر غضبه و أساه و ينزل السلم. لو لم يمسكه العلالي من يده و يقعده بجانبه و يعتذر له. كثيرا ما كرر له بأنه على حق بشكل ما فزمن الفقسة الـتي يعيشونها بدد كل شئ. هو مثلا طلق زوجته ليس لأنه لا يحبها و إنما لأنه لم يعد قادرا على عيش نفس الحياة الرتيبة المكتنزة بالدموع و التوتر و الشكاوي و عفن المشاكل.. حين كان الرجال رجالا كان الحب. بيبينو مثلا حاشاه قملة أمام عنترة أبو الفوارس الذي يضرب ثلاث آلاف على اليمين و مثلهم على الشمال، و مع ذلك كرفسته عبلة و دوخته. تاه في الصحراء و ركب المستحيل. لم يكن العلالي مستعدا أبدا للتنازل. أن تكون بطلا يعني أن تختار بين أن تحمر خجلا من نفسك أو تموت. و الحب صنو الموت، لم يكن يهم عنترة لبن نوق العصافير بل كلمته كرجل. ثم يحكي عن الرجال الذين اعترضوا مدافع و طائرات فرنسا بأجسادهم. لم يكن يحركهم و هم نصر مستحيل، و لم يكونوا يدافعون عن النساء و لا عن الأطفال أو المنازل أو الأشجار أو الأرض بل عن شرفهم كرجال، سيذكرهم يوما ما التاريخ و ستستمع لحكايات إقدامهم أو نكوصهم الأجيال القادمة، كان بيبينو يضيق بهذا الكلام الذي يبدأ عن الحب و ينتهي بالبارود. بينما يحرج مسيو كاكا و يحس بضرورة قول بضعة كلمات من أجل فرنسا اللعينة، يتحنحن و يشرح كيف يكون الخوف و التراجع في بعض الأحيان علامة على بعد النظر. الموت مغلق و الحياة مفتوحة. و لا يعقل أن نمنح دماءنا للآخرين يغتسلون فيها لنحسب رجالا..

    انفجر بيبينو: طز.. يغمز العلالي ثم يلتفت نحو إسو و يدعوه ليحكي لهم مرة أخرى الفيلم الذي شاهده مؤخرا. كان حدثا جليلا في حياة إسو. إذ تجرأ و زاحم الناس و أخذ ورقة و انزوى بمتعة قلقة داخل البلكون. ليلتها قدمت السينما فيلمين واحد لمحمد عبد الوهاب و الآخر لرعاة البقر و انبهر إسو بالألوان و بألغاز العالم المتحرك أمامه، استسلم لفترات متقطعة من النوم، حتى اشعلت الأنوار، ثم خرج مع الخارجين، بعدها سيحكي كيف كان محمد عبد الوهاب يغني فحاصره الهنود الحمر و بدأوا يرشقونه بالنبل، فهرب فوق حصان أسود و دخل إلى الحانة و وجد هناك رجلا يعلق نجمة فوق صدره يراود ليلى مراد عن نفسها و هي تتمنع، فأخرج محمد عبد الوهاب مسدسه و قتله ثم أخذ حبيبته و هرب معها و هو يغني و الهنود الحمر يجرون وراءه..

    ــ يا سلام..

    الليل، و هذا الصخب، و هذا التبصر في لذة محلوبة من لا شيء، و تلك الحكايات الماجنة، و تلك النفوس المشتتة في العتبات، و ذلك النهار المنسي و المتروك لوضوح فج لا يشتهى، و ذلك الفجر المتحفز كطعنة غادرة. القيء، و الاحلام الهاربة، و الاسى العقيم، و الشجارات الودية:تعسا لاجساد تتآمر بالصداع و الشحوب، تعسا للضوء المتعجل دفقا من الخروم..























    أصحــــــــــاب الأخــــــــدود





    يحملون القبيلة في ثنايا جلابيبهم و يسيرون على عجل، كأنهم هاربون في الجنان يحررونها فتستند هي على شجرة زيتون قريبة، تتأملهم في شرود، و قد تبتسم في تجل و إشراق مفاجئ لبعض كلامهم، لكنها سرعان ما تلملم ترويحها للنفس على هدوء و رزانة نادرين. يزدرون النائمين. الذين لا يمتلكون إلا بإغتصاب، يزدرون الحاجة و الأحلام الصغيرة و كل ما قد يجعلهم يخطئون خروجها بالمظهر الملائكي إياه، يلمحونها صاعدة تنثر البهاء، و تهيئ للأرض طقس تطهر، برنين خطواتها تقول لها ما لم يقله عاشق لمعشوقة، ما لم يقله خطاء في مقام ثوبة. يحتضنونها ببسمة لم ترتسم في الشفاه،
    بإبتهاج لا تحتمله دروب الضنك فتصدع بالمواجع. و تكون الجنان في ذروة نسج خيوط دعوتها، تحيك غوايتها بريشة الروائح العطرة و مداد سواقي العين، و تتكئ في خفر المشتهى كضرة هيأت لزوج متنازع عليه نشوة لا تقاوم..

    يمضيان في تطاول لوعة حبهما و تكتمهما خيمتان لبهائها و تفردها. لقد انتهى بيبينو إلى اقتسام حبها مع العلالي و أبدى هو أيضا نفس الترقب و اللهفة على لقائها، و سكنت كلامه و خيالاته و تسللت حتى إلى فلتات لسانه، لكنه تميز عن العلالي بفهمه البدئي بأنه لا يملك شيئا لحبه. فقد شكله على قاعدة إنكارمطلق للذات لا يخامره أدنى أمل مضلل في امتلاكها في يوم ما. لذا كان يستنفد بعمق لحظات قربها بإعتبارها أقصى ما يمكنها أن تنعم به على حبه البائس و المستحيل. لحظات أعلى من الأبدية، لأنها ليست تعلة و لا طورا في حلقة أطوار تقود إلى حظوة تامة في حياتها. كان الإقتراب منها فقط غنما فريدا لا مطلب بعده. اقتراب تعود أن يطهره من رغبات حبه الأخرس. و رغم ذلك كان العلالي يعلم بلا قلق و لا ضغينة ما يدور بخلده. لم يكن غريما، فقد أدرك هو أيضا من خلال تصميمها على ابتعادها في قربها، بأن حبها بلا مسافة، يسع قلبيهما معا، بعيدا عن كل لهفة أو أنانية قد تخلقها الغيرة حين يكون امتلاك المحبوب يائسا. بل لم يحب بيبينو كما أحبه في تلك الأيام، فقد رأى كيف حوله خفقان تلك الحجرة الصلدة الميتة في صدره، فغذا أكثر رقة و تفهما، يمنح نفسه ممرات لتذوق الأشياء التي طالما ابتذلتها في عينه المنفعة وحدها. و لا يلهمه في خطواته تقويمه القديم للحياة بإعتبارها ضجر في ضجر..

    ذات صباح قادتهما إلى كهف الصينية الرابض في دغل الزيتون المحيط برأس عين تامكنونت، لم ينبس أحدهما بكلمة في الطريق، كانت أشعة الشمس تتهالك جذلى على الخروم التي تركتها الأغصان المطبقة، فتنثر في المدى بقعا تفسد على الظلال نسكها، و كان الخوف يوالي ضرباته في صدريهما. فالكهف كما هو معلوم للقبيلة ديوان أثير للجن، يغمغمون فيه بكلامهم الغامض، و يحركون الأشياء و أنقاضها، و يهيئون للإنس حياة لصق حياتهم، حياة تشتعل بالهزء و المفاتن.. لكنهما لا يملكان لأمرها ردا، عاودت العلالي بشكل خاص كل مخاوفه تجاه المرأة، لذا ما أن دخلا الكهف حتى تكالب على كؤوس الخمر، أراد أن يفطم نفسه بسرعة عن عالم الوعي والمخاوف، و أوقفته برفق في مستهل ركضه المحموم. رجته أن يأتيها بكأس ماء من العين. و رجته أيضا أن يقطف لهما بعض حبات المشمش من الحقل المجاور. سارع العلالي إلى الإنفلات من وحشة المكان، انحدر نحو العين غسل بتمهل شديد الكأس مرات عديدة، و حين ملأها انعطف نحو حقل المشمش، و بعد أن قطف ما تسعه جيوبه تتبع المسرب الذي يقود نحو الكهف، هناك ارتج لصيحة منبعثة من الأخدود المحاذي للمسرب'' لا... أخويا''، قرفص حتى تمالك نفسه، و زحف نحو الشدير الذي يحجبه عنه، من هناك رأى و هو لا يرى ستة رجال متداخلين في ضيق و عماء الأخدود، خليط من الحرفيين و الفلاحين، عرفهم للتو واحدا واحدا، و كان سي محمد الفقيه يتكلم كلاما عاما عن ظلم الإستعمار في البلدان العربية معززا ذلك بالشواهد و الوقائع، و الآخرين مطرقين برؤوسهم السمع الشديد، فتستطيل بلاغته المتمكنة في صمت المدى من حوله و تسوره بالهدوء و السكينة. و حين قال بقليل من الإحتداد ''الرجل الذي يستحق أن يسمى رجلا لا يرضى الذل و المهانة، بل يقاوم و يقاوم''. لا يعرف العلالي لماذا داهمته بالضبط صورة يد طفل الإداري الفرنسي و هي تمتد إلى مؤخرته، انتابته قشعريرة، و استيقظ الدم في عروقه، رددوا نشيدا و انسلوا واحدا واحدا منحدرين تجاه القبيلة، و بقي ساهما في مخبئه تنهبه الأفكار التي سمعها. و حين لملم نفسه و سار إلى الكهف، تمتم اعتذارا عن تأخره الطويل، و لم يعد للشرب و لا للكلام. و في المساء اعترض سي محمد حين خرج من المسجد، أراد أن يعرض عليه انضمامه لهم لكنه لم يقو إلا على تحيته، فجرجر خطاه إلى غرفته و قضى الليل كله و هو يستعجل الفجر نافذ الصبر يدافع انخساف نفسه أمام صورة لجوجة. الواسطي و هو يركله، و القطرات الفظيعة المتسللة من سقف المرآب حيث كانوا يقطعون الأخشاب، و ليالي الحرمان الأقصى و الأرق...

    في الصباح هرع الى المكان، اختبأ وسط الشدير حتى توسط النهار لكنهم لم يأتوا، و في الليل استدار نحو الحائط. لم يفهم بيبينو سر انطوائه المفاجئ على النفس. فآثر الصمت. و حاولت هي أيضا في زيارة خاطفة معرفة ذلك، لكنه تذرع فقط بصداع خفيف في الرأس، ثم سحب الغطاء حتى حجب وجهه. لقد فتح كلام الفقيه الكوة المرعبة بداخله، و لامس الغامض الذي طالما تطلع إليه، و استل منه ما كان يجعل يقظة آلامه محض تعنيف للذات لا مخرج منه، هناك أشياء لم يفهمها، و أشياء أخرى عليه التوسع فيها. لكن الهدف واضح لا لبس فيه. في الصباح سار إلى نفس المكان و عاد بنفس الخيبة، و أمسكه عن اعتراض الفقيه و مصارحته برغبته تردد عصبي، و قال لنفسه أن الإجتماع الذي شهده موقوت أسبوعيا أو شهريا أو بحسب الظروف، لهذا فكر في خطة أخرى بسيطة لمعرفة وقت الإجتماع. أخذ يقف في الصباح الباكر راصدا باب الفقيه من رأس الزقاق. و حين يخرج يتبعه من بعيد حتى حانوت الخياطة، و بصبر كبير يجلس مستندا على حائط الفرن المقابل و يتابع يدي الطفل و هما تشبكان بلا كلل خيوط إبرة الفقيه القابع بالداخل، لقد خفره كظله في زيارات للسوق أو للأقارب، و حين يضرب في الدروب بلا هدى، و حتى في ولائم يخرج منها الفقيه يمسح بطنه بيده و يتجشأ و العلالي يطحنه الجوع و العزلة. قبل أن تقوده خطاه ذات صباح نحو عين تمكنونت، جرى العلالي أمامه و اختبأ بعيدا عن الأخدود حتى اكتمل مجيء كل الأعضاء ثم زحف نحو الشدير بتوجس شديد. تحدث الفقيه هذه المرة عن الحزب والزعيم بشئ من التوتر '' لا يمكن لهذا الأمر أن ينجح إلا إذا توحد المغرب في كلمة واحدة من أقصاه إلىأقصاه''، و أخرج جريدة'' العلم '' من داخل جلبابه و قرأ منها بعض المقاطع، ثم أخرج رزمة أوراق ملفوفة بدقة. و لوح بها في يده ''علينا أيها الإخوان بحسب تعليمات القيادة أن ننقل مجال عملنا إلى القرى الجبلية المجاورة.. علينا أن نوصل إليهم الجريدة و التعليمات و المناشير.. و هذه الأوراق يجب أن تصل إلى الإخوة في واويزغت غدا إن شاء الله، من يتكلف بها؟.. تعرفون الطريق مع أشغال بناء السد مراقبة جيدا، هناك عدة نقط تفتيش... من؟'' خيم صمت كصمت الدوالي على الأخدود، نكست بضعة رؤوس، حاولت أخرى بعيون سليطة أن تراوغ حرجها بتأمل حرج الآخرين و تأمل البعض الآخر أغصان شجرة الخروب التي تظل المكان. وحده الفقيه كان يتابع المشهد بعيون سمحة و مستحثة، و حين طال الصمت و كرر بيأس من؟. انزلق العلالي بخفة من مخبئه و انتصب أمامهم ''أنا''. ماجت كتلة نافرة مروعة، و لم يسع ضيق المكان هياج الرجال و لا تدافعهم للوقوف، إلا الفقيه بقي هادئا يدعوهم بحركة من يده إلى الهدوء و معاودة الجلوس كما كانوا...

    كان العلالي هو آخر عضو تسلل من الأخدود، انحدر جذلانا يود من فرحه لو يلثم الأشجار واحدة واحدة، كما لو انجلت أختام قلبه، كما لو عثر في شرود خطاه عن مسرب قصده. قال لهم لست جاسوسا، و إن كان الموت دليلا على صدقه فهو مستعد أن يموت، و قالوا له ــ بلا حشوم ــ بأنهم لن يأتمنوا سكيرا ماجنا يعاشر الأرذال على أسرار الوطن، فأعلن التوبة. أوقفهم الفقيه و قال له بعينين تتقصيان أعماقه و بصوت رقيق نافذ:'' لا نريد استقامتك يابني و إنما إخلاصك'' فرد العلالي:'' جربوني'' نهض الفقيه و ربت على كتفه '' سنرى.."...

    طيلة تلك الأيام فكر العلالي بشفقة و مودة في بيبينو. لن يكون سهلا عليه إخراجه من حياته. كان يمثل بالنسبة له صورة ما تطمح ذاته أن تكونه، متخيلا أو بديلا مأمولا: غواية القدرة على خيانة التاريخ الشخصي، و الهزء الدائم بما يجعل الآخرين ثقلاء، تذلهم و تعذبهم الحياة. كانت علاقتهما ــ من جهة العلالي ــ أكثر من رفقة عادية لم يمتنها الكأس و المرأة فقط، بل و بالأساس رغبة عميقة و خفية في التماهي و الحلول. كان بيبينو يشهر في وجهه بطولة مضادة و مجدا غريبا عن أحلام الناس، مجد أن تكون سيد التفاهة، و أن تتباهى بنقائصك الخاصة. و في أحد شهور رمضان فوجئ به يشعل عقب سيجارة فاستهجن الأمر حقا، لكن بيبينو و ببسمة ماكرة فسر له كيف أن الشرع يبيح لمن كان على سفر أن يفطر، و هو على سفر دائم، ليس سفر الجسد ــ كما اعتقد العلالي باستنكار ــ بل سفر الروح، الجسد مقيم و هي مرتحلة هائمة.. صده برفق عن المجيء المتكرر، و واجه كلامه بوجوم يبعث على اليأس، حتى اقتنع بضرورة تدبر حياته بعيدا، فلم يعودا يلتقيا إلا بشكل عابر، لكن ذلك لم يكن أساسيا، كان عليه أن يحارب بيبينو بداخله، و أن يطهر نفسه من تعايش شخصين نقيضين بداخلها، بشكل غامض كان يدرك أن اتجاهه نحو الناس من جديد سيمحو تدريجيا حاجته الملحة للبرودة التي يتآمر بها بيبينو على مشاغلهم و وساوسهم، و للألفة المدهشة التي يعاشر بها الألم و الضياع، كم سيلزمه من إصرار ليبني حياته من جديد؟ كم سيقاوم من حقائق كشفها في جسده؟...

    تأخذه الحماسة، تغلف كل هواجسه، حتى لا ترى إلا حلاوة الإنتظام من جديد في صف الجماعة، يسكنه تسليم مطلق كتسليم إسماعيل للتضحية الفادحة التي سيق لها، العزلة قاتلة و المجهولية أكثر، لكن ذلك وحده لا يفسر رغبته المتوترة في انقذاف مطلق خارج ذاته، كان يحمل القبيلة بداخله كصعاليك الجاهلية، تمزقا لا هوادة فيه. هناك في أقصى العزلة و المدى الرحب الصامت، تحضر محبوبة و مكروهة، يشد إليها الحنين و الذكرى، و تبعد عنها نشوة المجهول و التيه، أم ترعب بالحنو و الجحود، رحمة و عذابا. كان قراره جاهزا بشأن بيبينو، سيهجر عراء فرد واحد من أجل العباءة المترفة و الآمنة للجماعة. لكنه لن يستطيع أن يهجرها هي بنفس التصميم و السلام الداخلي. لم يفكر فيها بنفس الطريقة. كانت مصدرا لعذاب و اضطراب كبيرين. جزء حميم من ماض يريد أن يدير له ظهره. ضياء تلفه عتمة مكينة. حاول أن يتدبر لنفسه أعذارا سرعان ما تبددها نوبات شك مفاجئة، حتى انتهى به الأمر إلى الإنصراف إلى حياته الجديدة، تاركا لها هي وحدها حق صياغة قدر حبه. و تصريف أمر تلك الأحاسيس التي تداهم قلبه بقوة..

    بعد ستة أيام دعاه الفقيه إليه في عز الليل، و حول كأس شاي ناقشا كل تفاصيل الرحلة إلى واويزغت، احتياطات الطريق و إسم و عنوان المرسل إليه و شفرة التفاهم، ثم سلمه لفافة مناشير ملفوفة بإحكام شديد، و أخرج من جيبه منشورا و قرأه عليه، حتى لا يدفع الفضول العلالي لإفساد هيئتها. كما فسر له بحرج خفيف. دس اللفافة لصق عضوه السري و خرج مع آذان الفجر متعثر الخطى واجف القلب يهرب في مشيته المتعجلة والمتفردة في خلاء و صمت الحواري سره المفتضح من كل العيون غير المرئية التي تترصده. و بعد عذاب إغفاءة صغيرة سار إلى المحطة، و اندس وسط حصادة كانوا يجادلون صاحب شاحنة في أمر نقلهم إلى أزيلال، وحين اتفقوا، قفز هو أيضا فوق العربة الخلفية. و رغم الإحتباس الثقيل في صدره، و رغم الوجوه القاسية المنحوتة بلفح الشمس و ضنك العيش المحيطة به، و بوداعة مزيفة، أدار معهم كلاما مرحا. و من باب المزاح سمح لنفسه بأن يضع فوق رأسه ترازة أحدهم و تناساها فوقه. كان خائفا بعمق حتى أنه كلما انحدرت نظرة أحدهم نحو نصفه تصعق دواخله و تتفطر أحشاؤه. مروا بعمال تأكلهم الشمس و الغبار، بجرافات تصارع الجبل، بفرنسيين أنيقين يراقبون العمال في غير رضا و بغابات موحشة و متكاثفة تذوب شمس الصباح خضرتها العميقة. و حين رأى رجال الدرك أغمض عينيه من الدوار الذي خضخضه و نازعه القيء. لكنهم أشاروا للسائق بحركة أشبه بالإزدراء: تقدم. و أخيرا ترجل في واويزغت بخطى فاشلة هدها الخوف، و سأل عن الرجل فاقتاده طفل إلى منزله. تبادل معه سريعا شفرة التعارف و سلمه اللفافة. و حين خرج ليتدبر وسيلة تعيده إلى بني ملال كان مزهوا يملأه رضا عن النفس لا يوصف. لقد حاز من جديد مكانته في الجماعة. في صباح اليوم الموالي مر من قرب حانوت الفقيه و حياه بإبتسامة تأشيرا على أن الأمر قد قضي على أحسن ما يرام، فبادله الفقيه التحية بأحسن منها، و أرسل وراءه الصبي يدعوه لتناول طعام العشاء عنده...

    كان الفقيه محرجا يمضغ اللقم بسرعة، و يتفرس وجه العلالي من حين لحين بعمق. و بعد تناول الشاي تنحنح و أخرج لفافة أخرى من تحته و قدمها له، أخذها و لم ينبس ببنت شفة: ''أرجو أن تتفهم الأمر يا بني'' قال الفقيه بضيق. و أضاف ''لقد نقلت بالأمس أوراقا بيضاء فقط''، بقي العلالي صامتا''، كان علينا أن نختبرك و أن نحميك في نفس الوقت'' امتقع لونه،'' لا يمكن أن تؤتمن على أسرار الحركة الوطنية بسهولة.. هذا هو القانون.. أرجو أن تتفهمه''. نبتت الوحشة من جديد في صدره لقد أسقط كلام الفقيه حجرة الومض التي أضاءت حياته، منهوبا بضربات شك و ربما ازدراء، انعكست على وجهه كل الكثافة اللزجة للخيبة، كان يريد أن يفر أو أن يدفن وجهه في صدر الفقيه و يبكي. لكن هذا الأخير ربت على كتفه و قال:'' لقد حزت على الثقة، هنيئا ''. و بين له كيف أن نفس المناشير تنتظر من ينقلها إلى هناك. و ليس هناك من هو أجدر منه. تسلمها و لم يعترض. لكنه لم يفهم الضرورة التي جعلتهم يفكرون في أن ترافقه امرأة إلى هناك. واكتفى الفقيه بالقول:'' ستجدها في المحطة منقبة و لابسة إزارا أخضر، تتصرف في الطريق كأنها زوجتك في واويزغت ستفترقان. لأنها ستذهب إلى مهمة أخرى.".

    لم يعر العلالي مسألة المرأة اهتماما كبيرا. و عبر مسح أولي دقيق و صارم للساحة رأى امـرأة واحدة بإزار أخضر تنتظر أمام شباك تذاكر الحافلة الخارجة إلى أزيلال. كانت تقاطيع جسمها تشي من وراء التكتم الحاذق للإزار الملفوف عليها بنضج و اكتمال فذين. و كانت المحطة خالية إلا من بضعة رجال متكئين على الحائط يغشى أبصارهم نور الصباح الباهر، و يقتسمون بضراوة ظاهرة بضعة إسفنجات تتقطر زيتا، و حشدا من العصافير المتراقصة و المتشابكة في صباحها الفرح. سلم عليها من بعيد بإشارة من رأسه. و ذهب توا إلى الشباك و أخذ تذكرتين، تابثا و مصمما في الظاهر. قلقا و خائفا في الداخل، يستغور بعيون زائغة كل علامات الساحة المطمئنة، لم يكن هناك مخازنية و لا فرنسيون. لكنه لن يعرف الإطمئنان. حين عاد نحوها بالتذكرتين، جذبه شئ عميق في عينيها فحول النظرة الفارغة و السريعة الإنكسار التي سلم بها عليها إلى تحذيق فج و مواظب، إشتباه، توهم، ربما، أغضت حياء، خط الكحل الرفيع الذي يحد عينان نجلاوان لا تحدان، و الجبين العريض الذي يسكر خيوط الصباح الذهيبة، و الحاجبان خطان من ظلمة فاحمة، تعرشان في وجه قد من ظلمة و ضياء، و خلف النقاب الهفهاف تتحرك تموجات أنف أشم و ارتعاشة فم ملتهب يهب النقاب بعض البلل الغض. غلبه الحياء، فسارع إلى أخذ القفة من بين رجليها، ثم أدخلها إلى الحافلة، ليس الوجه بغريب عنه.

    جاء السائق و أدار المحرك بتأفف، ثم اشتبك مع المساعد في حديث غاضب، كان يلوح فيه بيديه و يعب دخان السيجارة بقوة و يضرب من حين لحين عجلة الحافلة برجله. و كان هدير المحرك المتصل و زجاج النافذة يطمسان صخبهما. فيتابع العلالي مشهد الحركات العصبية المفرغة من كل دلالة بمتعة طفولية مسلية. جاء شيمون فهرع لتحيته. كلاهما بدا فرحا بهذا اللقاء. رفض شيمون مطلقا أن يكون العلالي قد أدى ثمن تذكرته، فطلب من كاتب الوكالة أن يعيد له النقود. و خبط على كتفه:''باقي ما بغيت ترجع تخدم'' فأجابه بسرعة و حسم '' قريب.. قريب إن شاء الله'' و مد له يده شاكرا و مودعا قبل أن يخوضا فيما قد يسبب له بعض الحرج.

    منحته السياقة العصبية و الطريق الوعرة في الخضخضة المتوالية للحافلة متعة ملامسة الجسد اللدن النافر، كانا في شبه خلوة بالمقعدين الخلفيين، فقد انطلقت الحافلة ــ بالإضافة إليهما ــ ببضعة مسافرين في المقاعد الأمامية سرعان ما استسلموا للنوم أو للمتابعة الشاردة للطريق، و منحته هي بحضورها تماسكا و اطمئنانا لم يعرفهما للحظة في المرة السابقة. جمعت الحافلة في تيموليلت رجلين و امرأة. دخلوا صاخبين ثم أغواهما هما أيضا الصمت السيد. تنحنح العلالي و بحروف متقطعة أخرج سؤالا دافعه منذ أن سلم عليها'' إسمي العلالي. و أنت؟ '' كانت تمسح الكحل عن طرف عينها اليسرى. فبدا أنها لم تسمعه و لم يعاود السؤال. تعمد في انعطافة حادة للحافلة أن يدفع جسده لملامسة جسدها بقوة. آنذاك داهمته تلك الرائحة الحميمة، ألق نزيف الطين، و شذى صباح الحقول، ائتلاف الخزامى و النعناع و الزعتر حين ينتابها شطح النسيم، رائحة الأرض حين تتفجر في جسد انفصامها البعيد. هزته الرائحة كما لو أنه في ذروة جنسية كاملة. تحسسها بقصدية هذه المرة. تناومت، فأخذ بيدها نافذ الصبر. ثم سألها بخشونة و تصميم '' إسمك؟'' كما لو أن رنة ضحكة صاحبت انفلات يدها من يديه، كما لو أن تقطيبة عتاب صامت التمعت بين عينيها، حولت وجهها عنه. و تركته لإضطرامه، حاول أن يتابع الطريق، لكن إلحاح الرائحة لاحقه فدعاها بضراعة أن تقول له من هي. و ببحة أنثوية مثيرة و بصوت يدافعه الضحك قالت له:

    ــ '' جارتك... بغلة القبور أو دليلة المحتالة ".

































    حــــرفــــــــــــة الأدب





    إبن لرجل (لم يستسغ أبدا كلمة" أب") لا يعرفه، و لأم هدها المرض و أقعدها وراء خيوط المنسج في عزلـة تامة عن العالم. و بين أخوات يمعن في الإنشغال بأزواجهن، سيعرف إسماعيل حلاوة و فداحة أن يكون الإنسان حرا. لم تكن أمه ــ الوحيدة التي يهمها أمره ــ تملك القدرة على فعل أي شئ له. فقد شلها العجز و اللامبالاة المنيعة لأخواته اتجاهه، طالما رجتهن أن يعتنين به فينصرفن إلى أزواجهن. و لا تملك إلا أن تصعده بعيون يائسة تملأها الدموع. كل الأشياء الرائعة التي اكتشفها أو تعلمها أو تذوق حلاوة طعمها، كل الخطى التي قادته إلى الجنان القريبة و أطلقت العنان لخيالاته و أوهامه، كل جلده المثير إزاء المرض و الألم و الغم، و عبوره محذقا في الوجه البغيض لعالم قذف فيه وحيدا، كانوا من إنجازاته الذاتية، فقد منحه العداء الغامض الأسباب الذي أحسه من حوله و هو بعد يحبو قوة ذاتية كبيرة جعلت الدموع تنطفئ في مآقيه و الصراخ يغيض في صدره. و منحته تلك النظرة الباردة و المحايدة التي يرقب بها الأحداث بما فيها التي تتهدد ذاته. تعلم من برك الماء الآسن، و الطين، و مياه السواقي، و غيران النمل و أعشاش الطيور.. و كبر كزهرة برية لا تدين ببقائها إلا لصدف رحيمة أعطته بدل أبوة بيبينو الغادرة و عجز أمه و إعراض أخواته و صلف أزواجهن حنان الأيدي التي انتزعته من يدي بيبينو و أهدته الخبز والحلوى و التقطته من التراب و الوحل بل تطوعت فحملته إلى المركز الصحي حين تسوء أحوال صحته. عاش إسماعيل في كنف إحساس جماعي بتبني ليس حاجياته الصغيرة فقط بل وجوده في الحياة نفسه، فقد أراد بيبينو أن يهب رأسه قربانا لذروة شهوة عارمة (حسب مـا خيل لمنقذيه) و شاءت الصدفة أن يهبه قربانا للجماعة التي أنقذته، و بعد أن يجاوز هشاشة الحاجة المطلقة للآخرين سيحس إسماعيل بثقل دين الوجود هذا الذي عليه أن يوفيه بخجله و خفوت صوته و انكسار نظراته و تنكيس رأسه أمام كل من هرع في تلك الليلة نحو عين داي. وجوه مضغوطة بالفاقة و التعب. رمتها ريح المجاعات المتعاقبة و شراهة المعمرين للأراضي نحو المنحدر الزائغ قبالة سور القبيلة. و الذي منح الأكواخ المحلقة اختلالا صميميا تتداعى فيه من تلقاء ذاتها كزهرة اكتمل ذبولها، فيذرو أصحابها القش من فوق رؤوسهم و يقيموها من جديد. في الحق يبدو المنحذر بكآبته و روائحه و دخانه و خصوره الضامرة و دجاجه الملحاح الذي يطارد قوته و لو في قلب البراز، و الوقت المهراق فيه انتظارا يائسا و مللا، ضربا من التآمر على قبيلة عرفت بالغنى و بترقب الصبح للود بالمزارع..

    كان على إسماعيل أن لا يتنكر للحظة طافية أبدا في زمنه الخاص. و أن يملأ وجهه بالعرفان لكل العابرين، و يعيش حياته كخصي ذليل يتقصف في مدارات حكاية لم يستطع تذكرها، لكنها امتلكت صلافة الإيحاء بكل تفاصيل الطقس التدنيسي الذي رافق مشهد نحره. الخمر، القيء، ويد الأب ترتعد من نشوة توشك أن تهديه مضرجا في دمائه قربانا لإله غير مكترث و شحيح افتداه بزجاجة خمر...





    أزواج الخيبــــــة:



    بعد أن تذوقا مخاطر الإعتماد على النفس وتهددهما الجوع و الإنذار القاسي للمخزني الذي اكتريا منه عش حياتهما الزوجية، عادت زهرة صاغرة إلى النوالة و استسلم الكاتشور لسياط المهانة، و تبعها بعد بضعة أيام من الإنتظار و نفاذ الصبر، و قد فلسفت له الحاجة خطوات تنازله المرير. لم يسبق ان وصل بطل إلى المجد و الشهرة بدون مصاعب و إحباطات. لقد فهم ذلك منذ أن تفتقت موهبته و تحدد مصيره الرياضي بصرعه و سط محفل عام لرجل سكران. بضعة شهور فقط تكفيه ليحدد في باريس موعد مقابلته مع مصارع يوناني. و ستأتي الأوراق و الفلوس و الإعتبار. لا مجال لإضاعة الوقت، جري في الصباح و طقطقة أصابع اليدين طيلة النهار، أكل جيد و نوم طويل و هادئ، هكذا سيهيئ مقابلته الحاسمة. و من جهتها حرصت زهرة على توفير ظروف ذلك داخل النوالة بشذى داخلي كبير، و احتفظت بمظهر وقور و متعال في سلوكها مع أخواتها، مظهر امرأة قطفت فاكهة جمر الجسد المتقد وسط نساء محرومات.. و هذا ما أغاظ أمينة بالضبط، و دفعها للهرب لبضعة أيام مع فتى فارع القامة، عنيف، و سيء السمعة، عادت بعدها تنتحب و تضعهم أمام الأمر الواقع. تحدثت عن فضائل سرية لزوجها يتجاهلها التحامل العام. و جربت الإنتحار بأوراق الدفلى و بدواء البرغوث. حتى تمكنت من انتزاع شهادة حسن سيرة و سلوك لهركيل (هذا هو لقبه) دخل بهـا النوالة، قدم هدية تافهة للغالية، و لاعب إسماعيل، و تقرب من الكاتشور. جاء في البداية لتفقد أحوال زوجته و أطال الجلوس، و في المرة الثانية منعته شدة الظلام من الخروج فنام عندهم. و في المرة الثالثة أقعده مغص عنيف و طال أمر استشفائه و نقاهته حتى نحت موضعه داخل النوالة بشكل لا منازعة فيه. بوجه شوهه الجذري وضربات المطاوي و أظافر البغايا كان هركيل يعترض المارة. فرنكات فقط. الأخبار الموثوقة تقول بأن السيرك على وصول، ستتيسر الأحوال. فرنكات لا غير.. لا غير. سيردها فرنكا فرنكا. ثم يحكي عن مجده القديم، حين اشتغل مع السيرك أثناء مروره الخاطف بالقبيلة جلادا للحمير التي تقتات منها الأسود، و خصوصا عن غرامياته مع راقصة الحبل العارية إلا من شرميطة مذهبة يتألق فيها عريها الفاضح، يحكي عن جحيم القبل و البكاء و العهود، و يتفنن في وصف دراما الفراق، و بقبضة تلوح في الفراغ، و وجه يعتصره الندم كان يردد: ''بأية مسامير لا مرئية تبثتنا القبيلة الملعونة داخلها؟'' و بما أن السيرك تأخر كثيرا و اضطر هركيل جلاد الحمير للعودة مرارا إلى نفس الأيدي التي قرضته في المرة السابقة، فقد انتهى به الأمر و بتواطؤ مع سامعيه إلى التسول بالحكاية إياها و خصوصا لدى الفلاحين الذين ضاعت حميرهم في المرور السابق للسيرك. كان يطمئنهم بأنه لن يمس حميرهم الجديدة بسوء في المرة القادمة. لم يكن هيركيل جلاد الحمير يقل ترفعا و كبرياء عن الكاتشور، لكنهما بأخلاق و نبالة الفرسان تعودا في الحيز الضيق على احترام أحلام و فخر رغبات بعضهما البعض، و نكاية في زهرة و أمينة و بعد كلمات غزل مقتضبة سمعتها من فمه في عين داي. جاءت رقية بزوجها أيضا إلى النوالة. كانت الإقامة مسألة أيام فقط. فضلا على أن السيد بوقنوفة لن يرضى أبدا بأن يترك زوجته نهب عيون رجلين لايثق فيهما، فقريبا ستصله أموال إرث أحد أقربائه. كان أطولهم، يبدي تفقها في كل شئ، و يقاطع كل من تكلم أمامه بدعوى أنه يعرف غيبا ما سيقوله، تعود في جلساته مع الناس أن يبشرهم بالرجل الفذ الذي سيكونه، يضمد الجراح و يفرج الكرب و يأخذ ديونا و يتعاقد مع شركاء و خدم.. لم لا: فمن يمسك الآتي بقبضة يده؟ و من أغلق أبواب الحلم المشرعة؟ و في اختناق النوالة بالرؤية الصراعية للمستقبل كما يشكلها الكاتشور و هركيل أدخل السيد بوقنوفة رؤيته الحالمة لمستقبل باذخ و أميري مفرغ من كل منازعة..

    نكاية في الجميع، و نكاية في هوس الطول الذي قاد خلجات قلوب أخواتها في الحب، تزوجت عائشة بسي أحمد التحفة، الشهير بالشاعر الحزين، فتى قصير جدا و ذميم جدا، أحب فرنسية في صباه، حبا أضاعه في سعي محموم للتماثل مع كل ما هو فرنسي، بحيث أنه شفي من حبه اليائس و لم يشف من النموذج الفرنسي الذي سكنه، يعتمر بيرية و يحجب عينه بنظارات سوداء و يتدبر بدلته مهما تجشم من تضحيات. كانت الفرنسية هي لغة تواصله المحبوبة، و لا يتكلم بالعربية إلا اضطرارا. لم تكن تفارق يده رواية '' التربية العاطفية '' لفلوبير، فالنقص الذي يقرفه في المجادلات العقيمة للمثقفين المحليين هو عماهم عن الأهمية الحاسمة للجانب العاطفي في تكوين النشء، مما جعله في الأخير يعتزلهم. كان يعبر الحواري شامخا بوجهه ينشد قصائده للغرباء فقط، و يقاطع من لا يعرف قدره و من لا ينادي عليه بالتحفة. فهو و لا فخر، يعتقد أن زمن القبيلة لم يجد بمثله، تعرفت عليه عائشة في أيام كان يبحث فيها عن عذاب ملهمة يستكتبه قصائد رجته عدة مجلات باريزية أن يبعثها لها. و لأن الشرارة التي قدحتها عائشة بمرورها أمامه خلقت قصيدة لن تكتمل إلا بوجودها قربه، فقد لاحقها و عرض عليها الصداقة ثم العلاقة الغرامية ثم الزواج، قبل أن يلتحق بها في النوالة أوقات الأكل و النوم فقط، ثم ينصرف إلى مخاضه الصعب حتى يفرج الشعر شدتها...

    كانت الغالية ترقب بمرارة جنون بناتها و هن يجمعن كل خيبات القبيلة داخل نوالتها. و ترقب صفاقة و جسارة أزواجهن و هم يحرسون حقوق زوجاتهن التي ليست أكثر من بضعة قصديرات و شراويط بالية. و بوازع من هذه المرارة بالذات اختارت منفاها وراء خيوط المنسج، تأكل و تنام و تقضي حاجتها في طست هناك. كانت تكره اللحظات التي يكون فيها الهدون و الحايك في بدايته، مما يمكنها من رؤية الوجوه الممقوتة لأزواج بناتها. تستعجل مرور هذه اللحظات بخبط محموم للخلالة في يدها، فتنمي النسيج بسرعة و هي في الحق تنمي جدار عزلتها عما يجري بقربها. في أوقات ضيقها العصيب كانت تستنفر كل طاقة قلبها على المسامحة و الغفران، لتتوهم مجيء بيبينو في هيئة و هالة المخلص، تحجب كل نقائصه التي لا تحصى بفضيلة وحيدة ظل الرجل الذي سيوفرها لها، منذ أن أخذ إسماعيل إلى عين داي ليذبحه لم يصل النوالة. كانت تسمع عنه أخبارا لفرط ما تكررت لم يعد قلبها يقدر على تصديقها. كان أبدا سكرانا مبهذلا و سمجا تلفحه شمس الهجير و يدثره غبار الحواري، يضرب في متاهات القبيلة طالبا شيئا لا يعرف كنهه إلا هو...





    عنــــد السيـــــاج القـــاســــــي:



    و قف مشدوها، أشارت يد '' أبوك...أبوك'' ثم شردت في متابعة الخيل و هي تتشرب الريح و ترفس المدى بقوائم من غبار. كان على إسماعيل أن يتبينه بين أمواج فرنسان ينفثون و جدهم المكبوت في خيوط بارود رفيعة، بين رجال في الخيام يهللون أو يتأففون، بين الصهيل و الإنخطافات السريعة و سحب الغبار و الطلقات السديدة أو الطائشة و الزغاريد. يقاوم تلاطم الأجساد القوية بجسده الصغير، و يتقدم لاهتا حتى يوقفه السياج، يشبك فيه يديه الصغيرتين. و بعينين يملأهما الشوق و الحنين يتابع وجوه الفرسان المهيبة، التواقة لامتداد في الضياء. أين هو؟ ما أن تتعلق عينه بأحد الوجوه حتى تهجره لآخر. كان يفتقد بسرعة رعشة نداء الدم و بريق الشوق الملتاع... و لو ترجلت عينه من سموق بذخ الفرسان فوق الخيل و سارت بعيدا عن المطلق إلى هناك حيث يقف في رأس المضمار رجال كالحون و معفرون بالتراب يحشون بلا كلل البنادق الفارغة بالبارود. لو سرحت عينه إلى هناك لرأى بيبينو يزاحم باقي الفقراء من أجل تلقف بندقية فارغة. لكنه لم يفعل، و عند المغيب عاد منكسرا إلى النوالة، و حدث أمه عن رؤيته الخاطفة لأبيه وسط الفرسان فحضنته و بكت. ليلتها سيحلم به إسماعيل. كان فوق حصان أبيض يتقطر وجهه حيوية و بهاء. يدير حربا خاطفة و مظفرة ضد أزواج أخواته، ينجو منها سي أحمد التحفة فقط. فبسبب رهافته و إمعانه في التصرف معه و مع أمه بلياقة أو بسبب ضعفه الشديد بالمقارنة مع باقي أزواج أخواته، ظل إسماعيل يكن له أحاسيس إعجاب و تقدير خاصين، إلى درجة أنه كان ينتظر مجيئه إلىالنوالة بشغف كبير. بل يمكن القول أن التأثير الأول في حياة إسماعيل كان هو من ورائه. يدخل النوالة ببسمة عريضة يحيي الجميع بحركة من يده ثم يسير باتجاه المنسج ينحني على يد الغالية يلثمها '' احتراماتي مدام ''، ثم يقبل إسماعيل '' أهلا برجال المستقبل''. بعد ذلك يسير نحو الصندوق الخشبي حيث حاجياته، يفتحه و يضع كتاب '' التربية العاطفية '' فيه بخشوع و ابتهال. لم يكن يغضبه شئ أكثر من أن يمس كتاب حياته الأثير بسوء. في أحد الأيام استشاط الكاتشور غضبا، كان يتصرف في النوالة بشرعية قيدوم الأزواج. و قال لسي أحمد بأنه أدمى قلوبهم بتقديسه لتلك الأوراق، ألم تكفه كل هذه السنوات ليقرأها فيريح و يستريح؟ تشنج سي أحمد. و كان عزاؤه الوحيد أمام الإهانات. كما سيكرر دائما هو أن بعض الرجال كالأفكار تماما يأتون في غير أوانهم. انسحب بعد أن أخرج الكتاب من الصندوق و الدموع تتزاحم في عينه: '' تحياتي ''. سيتبين إسماعيل في لحظات موغلة في المستقبل حين يستحضر كل الأفكار التي حفظها عن ظهر قلب من فم الشاعر الحزين، و بشفقة بالغة بأنه لم يقرأ و لو سطرا واحدا من رواية فلوبير. و أن معرفته بالفرنسية لم تكن تزيد عن بضع كلمات يحفظها بطريقة سيئة، لكنه بالمقابل يقر له، بأن أجمل قصائده تلك التي لم يتمكن من الصدع بها. كانت بداخله تملي عليه إيقاع حياته. كما أن أجمل أفكاره ليست تلك التي يقدمها في نقاشاته، و إنما تلك التي تسقط سهوا من فمه...

    بعد الشاعر الحزين، و قبل أن يتلقفه يونس الرواندي، سيفتح حسن الردار مجرى للأهواء و العذاب في قلب إسماعيل الصغير، فتى في العشرين طعن بيتم قديم خرب حياته قبل أن يفقه الظلام الذي قذف فيه، اكتشف فضائل البطالة، و صار يتباهى بها، و بالتواطؤ الغريب للظروف اليومية التي تمنحه كل ما يحتاجه. كان ذلك قبل أن تتفتق قدرته النبوئية من قلب غموضه الصامت، فيتنافس الناس على إرضائه، بداية حذر امرأة كانت تبسط فوق حصير قمحها المبلل لتجففه الشمس: '' بعد قليل سيسقط المطر'' رفعت المرأة رأسها إلى السماء الناصعة الزرقة و ابتسمت بشفقة حانية. لكن السماء تغممت في لمح البصر و بددت القطرات الثقيلة سريعا القمح و بسمة الشك التي قوبل بها، ثم صار حسن ينثر نبوءاته هنا و هناك، يفك سر المستقبل المرتسم في الحاضر، و ينطق الزمن الأبكم، و يبسط الأحداث القادمة، كما تبسط الحروف العصية. و ذات صباح قال لمسيو لافو الذي يجمع الأطفال في شاحنته ليقايض تعب نهار بمتعة الركوب الخرافي فوق اعجاز الحديد '' ستنفجر هذه العجلة '' و أشار نحوها. جمع مسيو لافو ضحايا مصيدته المتحركة و سار ليعود بعد ساعة ليحذق في وجه حسن بعيون حجرها الهلع:'' لست إنسانا بل ردارا''. من يومها كاد الناس أن ينسوا إسمه الحقيقي. و لم يعودوا ينادون عليه إلا بالرادار. تقرب منه إسماعيل بتقديم خدمات صغيرة له في البداية، ثم بمؤانسته في ساعات عزلته المديدة، يجلس طيعا بين راحتيه، يتقاسم معه الطعام و الأحلام و شرنقة الرهبة التي نسجها الناس من حوله. كان مثله، جذوره ضاربة في الغموض، لا أب و لا سلالة تتعقبه و ترهن خطواته، يبهره المجهول الرابض في ثناياه، فحيث يقف الناس عاجزين أمام جدار الراهن، كانت له هو عين في أقاصي القادم و يد في العدم، كان أعمى عن طريقه هو لكن ومضات خاطفة تفضي له مفاصل في طرق الآخرين، قال لإسماعيل '' ستتعب كثيرا '' و حضنه وبكى. لم يقدر الصغير فداحة مصيره و لم يعد الرادار أبدا لإضاءة ظلمة مسربه الطويل. يمشي و يمشي في أثره. يتدبران قطعة صابون ليغسلا ثيابهما في مياه عين داي، يدليان أرجلهما من على الجدار و يستمتعان بالجماع الصاخب القاسي و الوحشي للحمير في فندق البهائم القريب من السوق. يشاهدان الحلاقي. أو يذرعان زنقة الحناجرة جيئة و ذهابا، و هما يضبطان سلم تنقيط للعاهرات، يبدأ من الساق حتى الشعر بمتعة طفولية لم تهتك براءتها بعد لوعة الجنس. و ينتظران اللحظة التي يحرر فيها مسيو برينو صاحب مكتبة لاليبرتي سيجارته الفخمة من يده ليهربا ما بقي فيها من دخان في صدريهما..لقد علم الردار إسماعيل هذه الحياة الهادئة الخفيفة التي جوهرها الدعة و محيطها السير في الطرقات. و الحلم بالأشياء البعيدة، و رؤية الأشياء المتناثرة بغير عين شهوة و امتلاك. و حرر كل مجرى حياته القادمة من كل الآلام العقيمة للغرور و الرغبة في الظهور، و منحه غمر الإحساس بحرية متواصلة و متمنعة عن كل احتواء...

    ذات صباح و بحركة بدت لإسماعيل غادرة، سيدفعه الرادار للإغتسال في مياه العين و سيأخذه إلى المدرسة المحمدية الحرة، سيؤدي عنه واجب التسجيل، و سيشيعه حتى باب القسم بعد أن سلمه لوحة و طباشير و دفترا صغيرا. في الغذ جرب إسماعيل نسيان تعريجته الخاطفة على اختناق الحجرة و تبجح المعلم، لكن الردار صده بعنفه و سحبه سحبا إلى هناك، و حين هم بالدخول إلى الفصل سيشيعه إسماعيل بعينين تجللهما مسحة من الحزن و الغموض تماما كعيون الشهداء، نظرة ضائعة، تتقصى الدافع الذي جعله يضحي به هكذا لشظف الحروف و قسوة المعلم و كآبة النظام...



    خبــــــــر:



    ( قرب قبة سيدي عبد الحليم و بإمكانات تذوب خجلا و حرجا في تأمين مستلزمات كأس شاي و قرطاس شمع للإجتماعات الليلية و السرية داخل الكهوف المظلمة، استطاع الوطنيون أن يبنوا بيتين سيسمونهما المدرسة المحمدية الحرة، و بإصرار كان يبدو يائسا دخلت المدرسة صراعا مع المدرسة المختلطة لليهود و النصارى، بكل بذخها و هالتها و هدوئها، بأطفالها المنهكين بالنظام الصارم و النظافة، بشجر اللبلاب الضليل و أزهار حديقة المدير التي لا تموت، بزليج الأقسام الداكن و النوافذ الواسعة المشرعة في وجه رحمة الله، بأناقة معلميها و حذلقتهم و قدرتهم على ابتزاز الإحترام المشبع بالرهبة، بمراحيضها الطاهرة، و الأمهات الواقفات أمام الباب الكبير يمضغن الكلام في انتظار شهقة السعادة الغامرة المصاحبة لرنين الجرس و الخروج المظفر للصغار...

    كان صراعا عابثا، دخلته المدرسة الحرة بالمكابرة وحدها، لتفتح بالقلب وحده مسارا في درب الحرية الطويل و ما عدا ذلك كان كل شئ هشا و مرتجلا. الحيطان العارية المدببة، الحصر القديمة الواهية و المعلمون الفقهاء الطيبون في قسوتهم، الذين دخلوا عالم البيداغوجية بالعصا الطويلة و القدرة على إشعال الصخب و الألف ما ينقط و الباء نقطة من تحت، بجلاليبهم البيضاء المعفرة بالتراب و بقع الزيت، و جديتهم التي لاغبار عليها. و الأطفال نهب القذى و القمل و البرغوث و الجوع و العري و الأمراض المعروفة و غير المعروفة. الأطفال الذين لا أحد ينتظرهم أمام الباب. لم يكن هناك باب للمدرسة، فقط سياج من القصب أسقطه الأطفال برذاذ بولهم).









    الحـــــب بالفصحـــــى و العــاميــــــة





    جرت النظرة الأولى و الحاسمة في زنقة العطارة. تواجها في الحيز الضيق، و بعد لحظات تردد أفسح يونس بكياسة المجال لتمر، و بحركات بطيئة، جذلى. و ببسمة حاذقة موحية و نظرة تدعو ببذاءة إلى اقتفاء أثر لن يخيب، مرت أمامه. سارت تتهادى بعجيزتها الممتلئة، السخية. كالومض، أحس يونس الرواندي بأنه جسد غير قابل للتخزين في صورة، حلم، انخطاف يثمر في عتمة الليالي. سار يتنحنح وراءها و يكح لكنها مضت غير مكترثة بالإشارات المرسلة حثيثا خلفها. دخلت دارا بزنقة الحطابة و بعد قليل أطلت من الباب و قد تحررت من الإزار، تنهدت طويلا و بادلها مسرورا تأوهات دعوة ملتهبة، ثم انسحبت...

    في بضع ليال سيراجع يونس قلبه ليتأكد من أن الأمر لا يتعلق بنزوة أو طيش شبابي عابر. و سيدافع نفسه لكي لا تنقاد خطاه يوميا إلى هناك. كان يحتاج لكثير من الجسارة حتى يغير مسار نزهته المسائية المعتادة، في البداية تظاهر بإبتياع حاجة، بالبحث عن شخص أو شئ ضاع في الطريق. و حين استنفد كل التعللات الممكنة، صار يمر قلقا زائغ البصر يثبته في أبواب لا تعنيه. و يمرره خاطفا حول باب قصده، وينوء تحت صدعه الآسر. كان يحتاج بعض الوقت لتجلل يقظة عين القبيلة التي تتفرس حركات الأيدي و الحواجب و تتقرى الخطوات بخدر العادة و التكرار، لذا كانت أولى رهانات يونس في حبه الذي لا يمكن تلافيه، هو أن لا تلوكه الألسن و تتفكه بمحنته الجديدة المجالس، سيفكرــ و من جهة نظر تكتيكية بحثة ــ في إيجاد موقع قار داخل الزنقة يسوقه إليه كل مساء هدف معروف للجميع، و بقدر ما يقوم الموقع بدور تضليلي سيمكنه أيضا من محاصرة تجليات المحبوب و الشروع في مقدمات المراودة. فكر في المسجد القريب، و صرف النظر سريعا إذ دونه معركة و حجاج و سباب مع فقيهه، لن تسعف يونس أعصابه للإقدام عليها. و فكر في كراء أو شراء دار بالزنقة، و بدا له الأمر إسرافا لا مبرر له، سيرجئه إلى أن تضطره الظروف للتفكير مرة أخرى فيه. كد ذهنه حتى و هبته لحظة رحيمة مشهد أحد تلامذته و هو يقبل يد بقال الزنقة، و يجلس وراء تلال الحناء و التمر و الشريحة و الحمص، استفسره في الصباح فعلم أن البقال والده، فهب ــ بمجرد الخروج ــ على الحانوت غاضبا و مط شفتيه و نفخ أوداجه، فالتلميذ رغم جهوده ما زال يتعثر في الأبجدية و لا يفقه الحساب و يتكرفس على القرآن المجيد. و ليس من وصفة لمعالجة فقر ذاكرته إلا أن يتفضل هو رغم ضيق وقته الثمين بإعطائه دروس دعم و تقوية سيرتجلهاــ ما دامت الظروف تضطره لذلك ــ بجانب الحانوت. و في كل مساء صار يونس يجد في انتظاره بجانب الحانوت كرسيا فارغا و كأس شاي و تلميذا معذبا. يهب بقرفصته المحكمة و حيائه و انتباهه المتجدد بتجدد اهتمام معلمه الشارد به المشهد ملمحا جديا لو تحكم يونس في تراقص حاجبيه و احمرار وجنتيه و لخبطته في الكلام حين تطل من الباب لتذيبه بومضة جمال تملك في كل تجل سر إعادة ابتكاره من جديد. بسمة، حركة، آهة. إشارات تزداد جرأة و افتضاحا تعبر رأس التلميذ الذي فطن للسبب الذي يجعل صرامة المعلم تخونه، فصار يخرج بعض طيشه في تواتر لحظات الغفلة و التوهيم. لكن و بعد نهر جار من التوسلات و الدعوات المرسلة على بعد، لم تنجح هيئة يونس المعذبة إلا في ابتزاز إطلالاتها بالمظهر المعجز نفسه، لتمن على الحارة بنظرة فاترة حزينة و أنفاس مكروبة ثم تنسحب، ينصرف و لا شئ يدعوه للشك في أن النظرة العابرة و الفارغة التي تمن عليه بها هي من صنيع الحياء و الذلال و أنها تمارس نفس التضليل اليقظ الذي يقوم به تجاه فضول الناس. سار وراءها مرات عديدة قضت فيها حاجات و تلكأت طويلا في الطريق، لكنه يحتفظ بالمسافة ذاتها التي تفصله عنها، يرتب كلمات ناعمة و يعيد ترتيبها من جديد و يمنعه خجل مزمن من الإقتراب منها. و بعد أن تدخل الدار يتذرع لنفسه بالظروف الغير المواتية، يمنيها بالسعادة الآتية، لا ريب، و التي كان سيفسدها عليه التعجل و قلة الصبر. لم تنضج تينته المحبوبة بعد. حتى أنه و بعد شهور ظل حبه يراوح في نفس الخجل و الزفرات و النظرات الضارعة إلى أن صادف ــ بتواطؤ عجيب للمدرسة مع هموم قلبه ــ أحد تلامذته في رفقة محبوبته. كانا يبتاعان الصوف، لم يجرؤ على السير وراءها خوفا من أن يثير غضبها. و في الصباح، أثنى على اجتهاد إسماعيل الكازاوي رغم أنه التحق بالفصل متأخرا. و قال بأنه فخور به جدا جدا، و دعاه لمرافقته بعد الحصة، اشترى له الحلوى، و قال له بأنه رآه أمس رفقة فتاة لم يعرفها، و شدد على الكلمة الأخيرة، فاستجاب الطفل بنباهة و أخبره بأنها حليمة بنت المباركية صديقة أمه، و هو يمر عليها كل أسبوع لتساعده في شراء الخيط لمنسج أمه التي لا تثق في أخواته و أزواجهن فتبعثه هو. إن الطفل الذي تصوره يونس ــ في البداية ــ ساذجا و بريئا استطاع و بعد أيام من رفقتهما أن يفهمها طائرة. إذ كان يحلو ليونس في كل مرة أن يستدرجه بل يكرهه بإلحاحه للحديث عن حليمة، و لما كانت معلوماته عنها فقيرة إزاء شره معلمه للأخبار فقد أخذ يختلق من نفسه حكايات عنها و عن أمها، يؤجج استرسالها نظرات يونس المضاءة بتلذذ يصل حدود الإنتشاء. بل إنه و بدربة شيطانية كان يفهم تلاميحات و رموز معلمه المحومة بهدف تهيئته للقيام بدور ''مرسول الحب'' فيتلافى سهامها دافعا يونس لاختناقات حرج لم يفلح في تجاوزها رغم أن الطفل حر و طوع يده، بل إنه اختبر فيه فضيلة التكتم اللازمة لمثل تلك المهام. كان في أعماقه يخشى أن يضيع الصفة الناذرة لهذا الإحساس الجديد الذي اجتاحه، إنه يخصه لوحده، سري، صامت، غير مقروء، يهبه سعادة مغطاة عن فضول الناس. إحساس عميق يتغذى من اللهفة و العذاب، وهبة الظهور المعجز للمحبوب، و القلق اللذيذ، الذي يتعذر سبره و تفهمه و لوبقلب بريء كقلب إسماعيل..

    كانت فرصة لا تعوض، فقد هرع إسماعيل نحوه و أخبره بأنه

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس يونيو 21, 2018 11:11 pm