oumolilt histoire et patrimoine

tout se qui concerne l'histoire / civilisation et patrimoine culturelle de notre mère lala timoulilt .

المواضيع الأخيرة

» معلومات جديدة في غاية الدقة عن ايت سخمان و ايت علي اومحند ببين الويدان
الأربعاء يوليو 18, 2012 3:29 am من طرف samah moujane

» اسباب فتح الاندلس
الإثنين أبريل 30, 2012 11:39 am من طرف samah moujane

» اكتشاف جيني جديد يؤكده علماء الوراثة كل البشر ينحدرون من جزيرة العرب
السبت أبريل 14, 2012 6:26 pm من طرف samah moujane

» شذرات من تاريخ واويزغت
الإثنين مارس 12, 2012 4:27 am من طرف Admin

» العقـل الأمازيغي: محاولة للفهم
الخميس يناير 19, 2012 3:10 pm من طرف jihad bouzidi

» المغالطات العلمية والتاريخية حول الهوية الأمازيغية
السبت يناير 14, 2012 3:40 pm من طرف jihad bouzidi

» شذرات تاريخية هام هام هام جدا
الأربعاء ديسمبر 21, 2011 5:34 am من طرف Admin

» Bernard Lugan : L’Egypte pharaonique est Amazighe, un séisme scientifique
الثلاثاء ديسمبر 06, 2011 8:13 am من طرف Admin

» عيد مبارك سعيد
الأربعاء نوفمبر 09, 2011 4:41 am من طرف Admin

نوفمبر 2018

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
   1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930  

اليومية اليومية

تصويت

دخول

لقد نسيت كلمة السر


    زغاريد الموت: دموع ايزا الجزءالثامن وقائع حقيقية

    شاطر

    samah moujane

    المساهمات : 61
    تاريخ التسجيل : 01/04/2011
    العمر : 34

    زغاريد الموت: دموع ايزا الجزءالثامن وقائع حقيقية

    مُساهمة  samah moujane في الخميس أبريل 07, 2011 7:57 am

    بعد سقوط السند الديني ينتقل النص لتفنيد " ما يروه "هم" حجة تاريخية و نراه نحن محض تخاريف و سمادير لا أساس لها" يقول دعاة التحريم: في بدء كرة القدم كان رأس الحسين رضي الله عنه، إذ تلاعب به القتلة الأوغاد بين أرجلهم بلا رحمة، و تقادفوها يمنة و يسارا. فكل من لعبها فكأنه يستعيد الفعل المنكر المشؤوم. و هذا قول مردود من عدة أوجه:

    ــ إن كتب المؤرخين الثقاة التي عليها المعول روت محنة الحسين رضي الله عنه و لم تخبر قطعا بهذا، إذ هو من صنيع الوعاظ و القصاصين الذين يزجون أوقات الناس، و يزيدون و يهولون الوقائع طمعا في نقوذهم...

    ــ استحالة تداول الرأس بين الأرجل لأنه و من الناحية الفسيولوجية يفتقد الخفة التي بها تتطاير الكرة." و قد قمنا بتجربة متواضعة في هذا الصدد، وضعنا رأس خروف (بلا قرون طبعا) أمامنا. و حاولنا قذفه فبالكاد تدحرج و توعكت رجلنا. و الثابت أن رأس الخروف أخف من رأس بن آدم".

    ــ حتى إذا سلمنا جدلا بأن ذلك قد وقع فهو من قبيل الشاذ الناشز و الفعل المنقطع. إذ لم تذكر لنا كتب الأخبار فعلا شنيعا مثله. فلا مخافة إذا أن تختلط الرؤوس المقطوعة حثيثا بالكرة. و الأمور بمقاصدها.

    أما في رده على من ادعى بأن كرة القدم من صنيع الإفرنج الكفار إذ ظهرت بين الإنجليز الضالين المضلين. و قد نهى رسول الله ( ص) عن التشبه بالكفار و حث على التميز عنهم. بين يونس كيف فتح اللـه عليه بالعثور على نص يدحض هذه الفرية التي أشاعها الإفرنج ليثبتوا بأنهم سباقون إلى كل خير، و هو للإفراني في " نزهة الحادي" يقول:" أن الكورة التي يلعب بها يتتبعها الماية و المايتان و أكثر و أقل من خلفها و يكثر الصياح و الضجيج و الهول و ينكسر بعض الناس و ينجرحون و قد يموتون و لا يبالون و إذا فتشت فلم يوجد فيها إلا شراويط أي خرق بالية ملفوفة".

    و تختم الرسالة بتعنيف أولئك الذين يريدون "أن يكمموا الأفواه، و يعلبوا الأبدان، و يحيلوا الحياة إلى سعي حثيث نحو الموت، أناس همهم الوحيد هو التنكر للجسد و محاربة رغباته، فدعونا نشم الريح بملء صدورنا، دعونا نشرع النوافذ).."

    لم يكتف يونس بهذا بل سافر في عطلة نهاية الأسبوع الذي نشر فيه الرسالة بين الناس إلى مراكش. و عاد ببدلة رياضية كاملة لفريق (قمصان و جوارب و شورطات). بدلة زرقاء بلون صفاء سماء القبيلة و مياهها الدافقة كما كان يقول. و جاب فيما تلا من أيام كل ملاعب القبيلــة،

    و سجل في مذكرة أسماء من أثار اهتامه من اللاعبين، و ضرب لهم موعدا في داره. كان يختارهم يافعين يخلطون في جريهم وراء الكرة بين الجهد و الحلم، و حين يلتقطونها لا تكون في أرجلهم شرارة نار بل فتنة و نشوة، يلامسونها بفرحة و تهجرهم بأسى. و دار الإجتماع التاريخي حول صينية شاي، مفعما بالحماس و النوايا الحسنة و التصميم، انفض بتأسيس فريق الإنبعاث لكرة القدم و تنصيب يوسف ــ الذي كان المتكلم الوحيد ــ مدربا، و وضع برنامج للتداريب. و في الصباح الباكر انتظم اللاعبون أمام دار يوسف أربعة أربعة و أباح هو لأول مرة في حياته الراشدة جسده لنور الشمس. كان يلبس شورطا حتى الركبتين و يعتصر ضلوعه في قميص حسير. مضى بجانبهم فرحا بأعضائه المتحررة من اختناق الجلبـاب. (هوب. هوب..) صعدوا نحو رأس عين أسردون من طريق بيرو عراب. و هناك أدوا حركات رياضية قاتلة، و نزلوا (هوب. هوب..) من طريق الكوشات مرورا بالصومعة و حي بوعشوش. و في المساء، و بعد الخامسة، التقوا في ملعب التنس. باشر يونس أول حصة للإعداد التقني و الفني. كانت دروسه مزيجا من الشدة العسكرية و الشعر و الإستدلالات الفقهية:

    هذه الكرة ( يرفعها بيده أمامهم) هي الحب الذي يلغي الفروق بينكم، و اللعب ليس صراعا مع الآخر، بل هو أساسا صراع مع النفس، إنه سيرحثيث نحو معرفة حدود الذات، فالملعب فضاء حقيقة بإمتياز. نقي و عادل. يمجد المجهود و يقره، لا ينفع فيه ادعاء و لا تصنع. العبوا بشاعرية، العبوا بإيقاع. يجب أن تحرركم الكرة من الإستعجال الفوضوي للحياة. الكرة كالحياة. لعب بالمجهول و اللامتوقع، لا يمكن أبدا استشراف ما ستأول إليه مقابلة. الكرة كالرغبة، لا ذاكرة لها. حين تمنحك نفسها تدعوك لاستنفاد تلك اللحظة بملء قلبك و جسدك، إنك لن تؤبد امتلاكك لها، لن تبصمها، و لن تخلف أثرا، إنها رغبة مباحة للجميع، تأتيك و تهجرك في فضاء شهوة متنازع عليها. لا تتعجلوا الأهداف، الهدف كالإنزال في الوطء، اجعلوا بينكم و بينه طريقا طويلا من القبل و الملاعبة، لا تتهالكوا على المرمى، سيروا نحوها بأناة و رشاقة، ينبغي أن تشتهي رقصكم و تستعجل وصولكم إليها...

    خاض الفريق بعد شهر من الإعداد مقابلات في القرى المجاورة، فم العنصر و أولاد موسى و سيدي جابر.. خرج منها كلها بهزائم منكرة، فقد واجه أعرابا شدادا عراة و حفاة، يقتلعون الأحجار من الأرض حين يضربون الكرة، يجرون كالأرانب، ويكتسحون كالإعصار. أعراب لم يكن اللعب معهم فتنة بل حربا و عذابا. تذرع يونس أبدا بإفراط الخشونة و سوء الملاعب. فقد وا جهوا مناجل و ليس أرجلا، و لعبوا بفم العنصر في منحدر صخري. و في أولاد موسى وسط غابة من الصبار كانت تضيع فيها الكرة زمنا طويلا. و في سيدي جابر انتظروا انفضاض السوق ليلعبوا وسط القمامة و حفر أوتاد الخيام و الأحجار... و قاوم كثيرا التآكل البطيء الذي دب في الفريق. كثرت الغيابات، خفت الحماس و صار يتجشم في الصباحات عناء الطواف بالدور ليجمع بالكاد بضعة لاعبين. يطرق أبواب الدور باستحياء كبير فيقابل بالصمت الطويل أو بالأعذار التي لا تصدق، و في أسوأ الأحوال يخرج له أب غاضب أو أم ليسمعاه أقبح النعوت و الوعيد... تجرع كل المرارات و صبر، حتى اليوم الذي كانوا فيه سيرحلون للعب في تادلة اتفق مع اللاعبين على اللقاء بالمحطة ليستقلوا الحافلة. عصر الليمون و غسل البدل و تدبر الدواء و الضمادات، وحين و صل إلى المحطة متفصدا بالعرق يثقله كيس اللوازم، وجد الهباء. من يومها أخذ يتجنب في نزهته المسائية ملعب التنس، يشيح عنه بوجهه، و يمضي ساهما. ينفث في وجه نعومة الأصيل تنهداته الحارة. و صباح كل جمعة كان يرى بجانب ملعب العميان متكأ على حائط المقبرة اليهودية، يتابع بمتعة كبيرة فرحهم و صخبهم، كانوا يحشون بعض الأحجار الصغيرة داخل الكرة لتصدر خشخشة في تدحرجها. ثم يستسلمون بعد ذلك للعب عجائبي ساحر تتحكم فيه الصدفة و حدها، لا غالب و لا مغلوب، عرس للعيون المنطفئة و الضائعة ترتطم فيه الكرة جزافا بأجساد مليئة بالضوء و التوق للحياة، اقترب من يونس ذاك الذي آمن به حقا، كان مستغرقا كلية في فرجته:

    ــ ماذا يعجبك في لعب العميان؟

    ــ انظر كيف يلعبون بكل حواسهم.

    ــ لماذا ابتعد كل اللاعبين عن الفريق الذي كونته؟

    ــ كانوا يلعبون للنتيجة، فأصابهم الإحباط، كنت أريد منهم أن يلعبوا ليحرروا أجسادهم.

    أعرض عنه و تابع اللعب، و بعد حين ضرب كفا بكف " متى يقيئك الحوت يا يونس، متى؟".







    عيــــون إيــــــزا



    تقف مستندة على رتاج الباب ساكنة و فرحة حينا و متحفزة وفزعة في غالب الأحيان، تهجر بالرغم عنها أشغال البيت، لتتابع لعب شميحة مع قريناتها، يعذبها التجاذب الطويل بين الداخل و الخارج، فلا تملك دائما إلا أن تهجر كل شئ و تخرج لتتملك الصبية بعينين حانيتين يترقرقان بالحب و الخوف معا.. قد تقود الخطى الصغيرة التي تتهجى بها شميحة الأشياء بعيدا، فتجري سافرة ــ هي الخجولة المحتشمة التي تميد الأرض بها حين تسلط عين رجل نحوها ــ لا تستطيع أن تحرمها من فرحة الخروج. لكنها حين تفعل تحس أنها تأخذ معها شيئا عزيزا و ضروريا لوجودها، شيئا لا يمكنها احتمال الحياة بدونه. تحضنها بقوة و تعيدها. لقد جعلتها الصغيرة تعيش كل العذابات اللذيذة للأمومة. و تستعيد كل الإحساسات التي عرفتها مع إسو و افتقدتها حتى حدود اليأس المطبق. و تختبر من جديد قدرتها على أن ترعى دبيب الحياة حين يبدأ نأمة و هنة حتى يستحيل تفجرا بالكلام و الصياح و الحركات و الآلام. و لم تكن فرحتها بشميحة قادرة على مقاومة ذلك الإحساس الذي يخنقها، الجرح السري الذي يحرمها من الأهم: كبرياء الأمومة. انتشاء ينمو مع التخلق المعجز و البطيء للحياة في غياهب الأحشاء. و يتقوى مع الآلام والترنح الطويل في مهب الأمراض و فقدان الشهية و الأرق. و يكتمل في لحظة حيازة فرح مستحق و لا نهائي فرح أن تكون أهلا لإحتضان الحياة و رعايتها بداخلك. كانت إيزا تعمد إلى كبح جماح هذا الشعور الفظيع بالخواء، بالهروب إلى رحمة استرجاع المسار الذي أعقب تلك اللحظة التي تسلمت فيها شميحة هشة ضئيلة، تنازع مصير أفول كان يبدو محتوما. كانت أنفاسها و هنة ترتق اختلاجات روح متعجلة و نافذة الصبر...

    و صلوا في آخر الليل. ركبت إيزا و هنو إلى جانب العلالي في كابينة السياقة، لأن البنية الصغيرة لن تحتمل هبات البرد القوية. و تجمع شيمون على نفسه في عراء العربة الخلفية إلى جانب إسو صامدا في وجه البرد و الإهتزازات المريعة للحافلة. و في وجه اهتزازات دواخله بالهواجس و الأفكار المعذبة، ركن العلالي الحافلة في رأس الحارة، أطفأ النور و أسكت المحرك. ثم خرج ليكلم شيمون في شأن نزولهم، لا يمكنه أن يتقدم دون أن يعرضهم لخطر افتضاح أمرهم. جرى إسو بخفة و فتح الباب، ثم تسللوا وراءه بتوجس شديد. بقي العلالي واجما للحظة، كيف انتهى به الأمر بعد ارتجاجه العميق حين تبين هوية أم البنت، إلى أداء دوره بإتقان و تواطؤ كامل؟ لكنه رد نفسه ــ كما سيفعل دائما ــ من رحلة تبكيت الضمير بالفكرة التالية: لو لم يهيئ الله للبنت هذه العائلة الكبيرة، فماذا سيكون مصيرها غير الوأد في إحدى المزابل أو في المحجر أو بجانب ساقية حيث سيرتطم السائرون في الصباح بخرقة بيضاء تلف جنينا أزرق من الإختناق. وجود مخفق تسويه للتو القبيلة بالتراب و تنساه..

    عمدت هنو بمجرد دخولها إلى تجميع معالم ولادة صعبة و مستعجلة. و لم تحتج أن تضيف شيئا لإيزا كانت مرتجفة و محمومة، يلفها في تمددها عياء و سكينة امرأة خرجت لتوها من مخاض مريع، و في جبينها لا زالت تتفتت طراوة العرق الذي أسالته ملامسة الجسد لحافة الموت. و عندما أحست بلمسة هنا و هناك أن الديكور اكتمل، خرجت إلى عتبة الباب و أطلقت زغرودة مدوية، جاءت على إثرها الجارات مباركات. و طيلة ثمانية أيام استباح الناس دار شيمون، حتى مسيو لانسو تكلف عناء المجيء لتقديم التهنئة، كان حطاما إنسانيا بعد أن تذرعت المدام بأي كلام و سارت وراء روبير وروزيت، هما يتابعان دراستهما الثانوية و هي تلاحق زمنا ضائعا..

    كان شيئا ما كالغصة، كالإحتباس المفاجئ، يكسر فرحة إيزا و شيمون بالتهاني، ويجعل تيارا باطنيا من أسى وخوف يجري في الدار إلى جانب تيار السرور الظاهر. بحثت هنو عن مرضعة فقيرة ونكرة في شجرة أنساب القبيلة و ادعت أن البنية نفرت حليب أمها إيزا و طيلة شهور دأبت شميحة تقتسم بالأجر حليب ثذي المرأة مع أخ في الرضاعة، و تقتسم معه أيضا الهزال و الأمراض، حتى أن إيزا لم تعد تفارق المركز الصحي و استنفذت هنو كل خبرتها في طب الأعشاب.

    ذات ليلة اشتدت الكحة بصدر شميحة. كانت رجل هنو قد انقطعت عن الدار أياما عديدة، سار إسو و خبط باب الخرابة التي تسكن بها حتى كلت يده. و في الصباح عاد ثانية ليجد بعض الرجال يعالجون الباب بأسياخ حديد، و حين فتحوه و جدوا جسدها مسجى بالقرب منه. كانت يدها اليمنى ممدودة نحوه في حركة استجداء يائس، و قرب اليد اليسرى دلق كوب صدئ عطشه الأبدي. لقد آلم المشهد إيزا عميقا و عذبها طويلا، كيف أن المرأة التي وهبت حياتها لآلام و مشاكل الآخرين، و مدت يدها للناس في أحلك أزماتهم، و عبرت الحياة ترياقا للمكسورين و الخطائين و الضائعين، كيف يضن عليها العالم بشربة ماء أخيرة؟ كيف تنال منها الحياة التي أعرضت عن حطامها، في آخر لحظاتها تذلها و تجرجرها على التراب من أجل رغبة تافهة لا تصل لتحقيقها؟ وبقلب يفيض باللوعة و الحرمان تكفلت بتجهيزها و بمراسم دفنها. و عدا السر المكنون الذي ضاقت دائرته بوفاة هنو، و عدا الأحاسيس الصادقة التي ظلت إيزا تحتفظ بها نحوها، نجح الزمن بعد حين في طمس معالم وجودها، بل إنه انتدب للقيام بدورها في بيت شيمون رجلا إسمه بن دودو، و هو عطار طيب، كانت إيزا قد احتفظت بذكرى جميلة عنه. قال لها بصوته الخافت في زمن مضى فزعت له هو أيضا بحثا عن دواء للعقم:'' لا تيأسي من رحمة الرب مهما تقدمت بك السن و لا تنسي أن راحيل و سارة رزقتا الخلفة في أرذل العمر. لا حدود لمشيئة الرب".

    جاء بن دودو إلى القبيلة في سن العاشرة من حيث لا يعلم أحد. كان نحيفا يلبس جلبابا قذرا و يسحب على الأرض نعلا جبليا. تضاربته حيطان الدور طويلا، و اشتغل صبيا في حرف كثيرة طرد منها تباعا لأن المعلمين كانوا يجدون في سلوكه إفراطا في الخمول و السهو، و بالفرنكات القليلة التي كانت تصل يده كان يشتري كتبا يجمعها في قفة و لا تفارق تيهه أبدا، متى تعلم القراءة و كيف؟ لم يقرب البيعة في يوم ما. لكنه لم يكن يعرف التوراة جيدا فقط بل كان يعرف كتب الفقه و الأشعار و الحكايات. يشاع أنه أغلف، لكن أحدا لم يكثرت كثيرا لهذا النقص. إذ لم يكن للنساء أي مكان في حياته. لما اشتد عوده أخذ يسير إلى الجبل و يجمع أعشابا كثيرة، يبسطها بزقاق الغذيرة الحمراء و يبسط بجانبها كتبا تفصل في فوائدها. و من هناك انتقل إلى حانوت بساحة فرنسا. و في السنة التي غزا فيها الرمد العيون فقد هو دون حزن كبير نور عينه اليسرى نتيجة مخاطر المهنة كما كان يقول. فقد أعد على إثر رحلة مضنية و طويلة في الجبل ترياقا شافيا لآلام عيون القبيلة. أخطأ في تشخيص التفاعلات الكيمائية بين مكوناته، و امتلك طيبة المجازفة بتجريبه على نفسه، و إيمان حمد الرب بعد ذلك لأنه لم يجربه في العينين معا. كان لطيفا يرهق زبناءه بالمجاملة، و يعطي أدويته أحيانا بلا مقابل. و حين انكب على معالجة صحة شميحة و خصوصا ضيق تنفسها، فعل ذلك باستغراق كامل. كان يقرأ و يسأل و يجري التجارب ثم يهرع بخلاصة ذلك إلى بيت شيمون. عفيفا و حكيما يذهلك بأفكاره و بحبه للآخرين و للحياة، ذلك هو الإنطباع الذي خلفه عند إيزا، حتى إنها و رغم شفاء شميحة بقيت تدعوه دائما لزيارتهم، حيث كان يجادل شيمون بوقار في أمور كثيرة و يفحمه، إلا في أمر أولئك الزائرين المتشحين بالسواد الذين يأتون في صورة أحبار و تجار و عابري سبيل و أهل و أقارب. يأتون بالأخبار المريعة و العظاة، يزلزلون الأرض تحت أقدام محدثيهم و يمضون. و حين يعودون يرعون بذرة الرعب التي زرعوها في القلوب و يؤججونها، يصفون ببلاغة متمكنة جهنم التي يعيش فيها محدثوهم، و إن كانوا لا يملكون رهافة الإحساس بها. يجب أن تكونوا حذرين، لم يعد بينكم و بين جيرزاليم أكثر مما فات.. آه، جيرزاليم، عما قريب ستصير لنا دولة، لنا وحدنا، شامخين، أحرارا، نحن نقدر نفاذ صبركم العميق. لكن انتظروا... يخرج شيمون من هذه الإجتماعات ضائعا يعتصر قلبه غم لا حدود له. يتذوق عذوبة ارتطام خطواته بالأرض و يعب الهواء بشراهة ثم يعود لعذابه '' لم يكرهون هذه الأرض كل الكره، لم؟'' لكنه في أحاديثه مع بن دودو المتشكك و الجاحد، يستعير نبرة متحمسة للمشروع الذي يعتمل في الخفاء. يسأله بإتهامية: '' ألا تحب جيرزالم؟'' فيرد بن دودو بهدوء و رقة لا حدود لها:'' لسنا وحدنا الذين نحبها، يجب أن لا نكون قساة و لا أنانيين".

    و في ختام كل المحاورات المضنية التي دارت بينهما. كان بن دودو يقول " التاريخ لا يصنع بالحنين وحده"، و بعد أن يذهب يتمالك شيمون نفسه شيئا فشيئا، و يستعيد ذاته التي يضيعها في كل مرة تكلم في شأن الرحيل. كان هناك شئ قابع بداخله، غامض و موارب. يدفعه لقول كلمات لم يقصدها، و إلى الدفاع عن مواقف يغمه و يقلقه مجرد التفكير فيها. كان الأمر يتعدى مجرد اليقين بأن الكلام الذي يتفوه به غريبا عنه، إلى الإحساس بأن الحركات العصبية التي يقوم بها، خبط الكف بالكف، و سحق الحروف بين الأسنان قبل النطق بها و تصلب تقاسيم الوجه.. تصدر عن ذات أخرى تتملكه و تغلف ذاته الحقيقة بالصمت. كان سر إصرار شيمون على مواجهة بن دودو في كل مرة يلتقيان فيها برغم الأسى الكبير الذي يتبقى له من تلك اللقاءات، يكمن ــ كما اكتشف هو بنفسه لاحقا ــ في رغبة كسر صلابة و تماسك الكلام الساحر الذي يقال لهم على صخرة معارفه و سعة أفقه و ارتباطه العميق بالأرض، فيدير بقناع حربا نصره المأمول فيها هو طمأنينة اليقين.

    يحس شيمون بأنه أقل كفاءة على المواجهة. و أنه يتكلم كلاما ليس قادرا على التحكم فيه. و رغم ذلك، يلاحظ كيف يغدو بن دودو أكثر توترا. تعلو عينه السليمة نفس الطلاوة الغائمة المحتدة التي تعلو عينه المنطفئة. و تتشرب نبرة صوته الرقيقة نغمة حزن عميق، كأن كلام شيمون عمق شقاءه و أصابه في مقتل. حتى إنه يسائله مرارا و هو يهم بالانصراف و بصوت متفجع و يائس:'' كيف تصدقونهم بسهولة؟''. و بنفس الاستماتة و التوتر و الإحتداد، كانا يعاودان الكلام في كل مرة التقيا فيها. و يتجدد الصراع من نفس المواقع، و كأن معركتهما تدور في فلك حاذق يعرف كيف يشفي الجراح و يجدد الأحقاد و يحرض على القتال من جديد.

    ذات ليلة استشاط شيمون في وجهه غضبا'' كأنك لست يهوديا''، نظر إليه بن دودو نظرة تنم عن الدهشة و الفزع ثم انسحب دون أن ينبس بكلمة. غاب طويلا حتى اضطر شيمون إلى الذهاب إليه في حانوته. بلل شفتيه اليابستين و أراد أن يعتذر له، لكن بن دودو سارع و قد فهم قصده إلى القول بأن الكلام حين تمتزج فيه السياسة بالدين بالأحلام، تشوش الرؤية، و لا تكون الإساءة للآخر و سوء فهمه ممكنة فحسب بل حتمية. إذاك فهم شيمون أنه لن يعود للكلام معه أبدا في نفس الموضوع. و ندم كثيرا لإفراط الحماسة و الإحتداد اللذين كان يواجهه بهما. و حين هم بالإنصراف شد بن دودو على يديه بقوة و قال له:'' إنك في قلب حركة عمياء و ستعرف هذا في وقت ما..."



    قبلــــــة، يــــد حــانيــــة و دمــــوع:



    في حمى هيجان مفاجئ، لم يكن قابلا للرد، و بعد برهة من التفكير الحاسم، قال لها بأن تعد نفسها لزيارة الدوار في الأسبوع المقبل وتهاوى على الوسادة، كأنها انتزعت من أعماقه اعترافا فادح الكلفة. كانت تنتحب في صمت، منذ الصباح أحست بأنها لم تعد قادرة على المقاومة، قضت الليل كله و هي تتقلب في لظى مواجعها، الحنين جنون قلبها و حصانتها المنيعة ضد ما ينطبع في المكان من أحاسيس و ألفة. طيلة هذه السنوات الطويلة تعلقت بحلم العودة إلى هناك حتى أنها و قبل مجيء شميحة، و في أعماق و حدتها، كان ذلك الحلم هو الشئ الوحيد الذي يمسكها عن انهيارها الوشيك. لم تكن لحظة ضعف بالنسبة لشيمون، لقد كان في حاجة فقط لإندفاعة ليخرج القرار القابع بداخله، كان يتصرف إزاء إلحاح إيزا و كأن رجاءها لا صدى له في نفسه. و بقليل من التفلسف يقنع نفسه بأن حلمها ضرب من الهروب الضروري ضد احباطاتها الداخلية العميقة و خصوصا بوار رحمها. غير أنه كان شريكها الحقيقي في نفس الحنين: حنين يائس، يهب قلبه بعض الشاعرية وسط رصاصية عالم المال و أحقاد و دسائس فرسانه. يلتقطه من قلبه كلما ضاقت به الحياة كأداة سرية بإمكانها تحويل مجرى حياته متى شاء. قبل مجيء شميحة كان يعرف كيف يحتوي نوبات احتدادها، فلفرط ما بكيت أمامه لم يعد يثيره البكاء، و لفرط ما كررت نفس الذرائع، و كرر هو نفس الذرائع المضادة، أخذ المشهد دلالة اعتيادية في مسار حياتهما، و صار يتكرر كارتعاشة مفاجئة و ضرورية تنفس عن احتقان قلبيهما و لا تتعدى ذلك أبدا للتأثير على وجهة هذا المسار. لكن مع شميحة تغير كل شئ. فقد ارتكب شيمون خطأ حسابيا كبيرا. خطأ لن يكون بالنسبة له مصدر ندم أو تبكيت ضمير. لأنه لم ينظر لنتائجه بشكل مجرد من الأحاسيس الجديدة التي خلقتها شميحة في حياته. كان يعتقد بصدق أن وجود إيزا في بني ملال يفتقد لسند روحي. فالخطيئة التي لن تغفرها للقبيلة هي أنها حرمتها من الخلفة إلى حد أنها أخذت تتصور في أعماقها بأنها لن تكتمل كإمرأة إلا هناك. اعتقد بأن بإمكان الرضيعة المتبناة أن تخلق التصالح العصي بينهما. و فهم تظافر الظروف المواتية التي رافقت تبني البنت كهبة متأخرة يقدمها الزمن تعويضا عن كل المرارات التي سببها لها. لن يستطيع أحد أن يشكك في أمومتها. فقد تعهد طبيب المركز الصحي الرضيعة شخصيا في الشهر الأول، و أعد هو و ليمة عظيمة دعا لها المراقب المدني شخصيا والذي اعتذر و أرسل أقرب مساعديه، و فتح بيته لكل جياع القبيلة، لم يكونوا ضيوفا بل شهودا تحيلهم اللقم إلى متواطئين ينسجون في لهفتهم على الأكل واقعا سيتعذر دحضه. مخاوف شيمون كان مصدرها بالأساس ــ و طيلة سنوات ــ هنو و العلالي، و افتكر الله هنو، و أبان العلالي عن جدارته بالثقة التي و ضعوها فيه. أنذاك لم يعد شيمون ينغص زمنه بالأمر كله. و تناساه.. كان أمانا خادعا شكله على قاعدة حسابات خاطئة و أوهام. صارت إيزا أكثر قلقا و تبرما بالمكان أكثر مما كانت، و صارت أكثر إلحاحا في أمر الرحيل. إذ انضاف بالنسبة إليها سبب آخر يدعوها لكي تكون أكثر استعجالا في طلبه. اعتقد شيمون أن أمر البنت قد حسم إلى غير رجعة بالأوراق و شهادة الناس و البطن الكاذب و صمت العلالي. و لم يتفهم السبب الذي يرفد إيزا بالوساوس. و بمزيج من الغيرة و الشفقة، كانت هي تدرك بعمق أن هناك شاهدا مضادا يتهدد شواهد شيمون التي لا تدحض: قلب الأم الحقيقية لشميحة، و طالما بقيت في القبيلة فإنها ستعيش عذاب الإحساس بأن هناك داخل أحد بيوت القبيلة قلب ينازعها بقوة في حق تملكها للبنت. أمومتها هشة، مهددة، آثمة. و لن تصمد كثيرا لإعصار الأمومة الأخرى إذا أعلنت عن نفسها. غذت أكثر إجهادا و حزنا، و أثخنت التجاعيد في بشرتها، و اعتراها و هن شديد. كانت البنت عذابا و ليس عزاء..

    لم تتحسن حالتها في تلك الليلة و لا في الليالي التي تلتها، فقد حفر سماع الخبر المأمول بقوة منذ زمن طويل فراغا مزلزلا بداخلها. إن الفقدان المفاجئ لمصدر ألم قديم قد يؤلم بعمق، كما يؤلم الخوف بأن يخلف المكان المحلوم به وعده، فتتكشف الأماني أوهاما في أوهام. يهدد الخبر فسحة الأمل التي تحتمل بها ضيق العيش و صروفه..

    كان إسو قد وعدهم بمرافقتهم لكنه تراجع قبيل فجر رحيلهم، فقد رأى نفسه طفلا في درب ملتهب تطارده غيلان فظيعة، و رأى نفسه تصيح بصوت غائض و بصره يتوارى وراء حجب ضبابية. و حين صحا من غفوته كانت الذكرى المريرة ببعض تفاصيلها قد انتصبت بينه و بين الرحيل مجددا إلى هناك. فتذرع لهم بأمور الوكالة و الدار و الحر و طول الطريق و بأي شئ آخر. و رفض مرافقتهم. أما شميحة فكانت فرحة بطقوسية العيد التي ترافق استعدادهم. الثياب الجديدة، صنع الحلوى، الحناء، و قاومت النوم الطويل لكنها سارت إلى المحطة نائمة في ذراعي إسو. ركبوا الحافلة إلى الدار البيضاء. و من ثمة إلى أكادير، حيث اشتهت إيزا الوقوف أمام البحر لأول مرة في حياتها. كانت تريد أن ترتب إحساساتها أمام مشهده الهادر الجياش بالإقدام و الإنكسار معا. في تزنيت استقلوا شاحنة سارت بهم في طريق حجرية ملتوية. أسلمتهم في نهايتها لبضعة بغال نقلتهم وسط أحراش الزقوم إلى الدوار.. أربع و ثلاثون سنة مضت، لكنها لم تكن كافية لطمس معالم المكان عن عين شيمون إنه يعرفه كما يعرف كف يده. كان الدوار حزينا يخنقه هواء راكد و شمس ضارية. من بعيد بدت الدور متفسخة ينهبها الحر و النسيان. و كل الأشجار التي كانت تخفف من وحشة و يباب المكان ضاعت في قدر زوال غامض. من بعيد لم يريا الدار التي خلفاها وراءهما، لكنهما استحثا خطاهما اتجاهها، كانا يدافعان يأسهما وحقيقة الغياب الذي تستشرفه عيونهما، و أمام بقايا جدران توشك أن تضيع في الأرض. لم يقدرا على إمساك دموعهما، لم يثيرا أبدا قضية الدار في السنين الطويلة التي قضاياها ببني ملال و لا في الطريق لكنهما كانا يفكران فيها معا بحنين و قلق آسرين. و حدها معجزة يمكنها أن تبقى لهما الدار قائمة، منيعة، و مسورة بالصمت والانتظار الذي لا ينفذ. لكن أخبارا ــ كما سيحكى لهما فيما بعد ــ راجت عن موتهما، ستدفع أحد أقربائهما لإستغلال الدار كمستودع للفحم ثم مربضا للبهائم. و حين أقعده المرض أسلمها لتآكل بطيء، عمقت الهوام الشقوق و ساعد ملح البول الذي يرشه كل من احتبس قربها في تسريع تحلل الجدران، و في غضون سنوات ماطرة كان السقف قد تهاوى و بدأت الجدران رحلة التضاؤل الحتمية.. بعد الدار و على بعد خطوات كانا وجها لوجه مع المقبرة وحدها القبور لا تشيخ، تلك الأحجار التي ترعى الصمت و الذكرى و العتاب. مربض الينابيع و سرير خميرة المنفى، فكم سيلزمهما من نشيج ليغسلا قلبيهما من الجحود؟ كم سيدلقان من كلام و أنين متنكرين لشهوة الحياة التي قادتهما بعيدا؟. كم سيتمسحان بالأحجار ليذيبا غمر السخط و ليستذرا رحمة العيون الصموتة الفارغة؟..

    استمعوا لحكايات من مات و من رحل و من بقي و وزع شيمون أموالا كثيرة. و وسط دموع و شكاوي ما تبقى من جاراتها القديمات، نفست إيزا أيضا عن كل أحزانها. كانت تخرج في طوافها على معارفها من دموع إلى دموع حتى تورمت عيناها فأسر لها شيمون محتدا ــ و هو يرى حالتها ــ بأنه يندم على الساعة التي فكر فيها في المجيء. حدثه الرجال عن أولئك الذين يزورونهم و يأمرونهم بالإستعداد للرحيل. كانوا ضائعين، و كان ضائعا مثلهم، يخفف عنهم بكلمات يعرف أن لا معنى لها...

    في الطريق، قرب قصبة تادلة، و قد لاحت قصبة بني ملال، انفجرت إيزا باكية. و حكت لشيمون عن تلك المرأة المنقبة التي تمر من الحارة في أوقات معلومة، و حين تكون شميحة بالخارج تهرول نحوها و تحضنها بحرقة..

























































    ثـــرثــــــرة فــــوق السطــــــح



    لنتخيل، مجرد الخيال، تلك الأصوات التي لا تسبر، مصب شهوة و مرح و ائتلاف، و هذيان القلوب في بهاء الوجد، و نثار الصخب فوق السطح، حبات من غناء و صياح و كلام نافر من عباءة المعنى. ثلاثة اصطادهم طعم الكيف و الخمر ليمتحنوا شدة الليل بضربات ذاهلة عن كل مقصد، و الرابع يوزع الأدوار و يعرش في ملاذه السامق ينتظر ارتطام خطى الفازعين. بيبينو و مسيو كاكا و بالمجيء اللا متوقع لإسو يكونون ثلاثة. و الرابع، العلالي يهيئ بيته فوق السطح لكل قادم. فيكون الملاذ رحمة لأولئك الهاربين من حمحمة الحياة..

    لنتخيل، مجرد الخيال، تلك الجلسات المسكونة بمصائر متوازية قيد لها أن تتلاقى في غفلة من تاريخ مريض دون هوس الحقائق الشخصية التي يراد غالبا تعميمها، دون تصنع و لا تقوى زائفة، و لا منافحة عن يقين، استراحة من ضغائن الهويات، و استسلاما لتناغم هادئ..

    انبرى بيبينو للحديث. كان ما يجري بفلسطين يخطو باتجاه أن يغدو جزء من صميم انشغالات القبيلة.

    ــ تتعرفوا آ الإخوان جماعة اليهود اللي احتلوا فلسطين.. كانوا ف للمان تيعذبهم هتلر كل يوم، ف واحد النهار جمعهم الحزان الكبير ديالهم أو قال ليهم '' لازم نهربوا'' ف جنب البحر خرج عصاتو و شق بها الما أو قال ليهم '' البحر من ورائكم و العدو أمامكم".

    ضحك العلالي و ضرب كفا بكف فاستشاط بيبينو غضبا:

    ــ ما تضحكش هاذ الأمور موجودة ف القرآن.. و الله العظيم.. و انت ما تتفهمش ف البوليتيك..

    ــ تتعرفوا بن دودو العشاب (حرك العلالي رأسه بتثاقل، فتابع إسو) واحد النهار جاب للوالد كتـاب قديم سميتو يمكن " بذل المجهود"" كاتبو واحد أسمو الس.. السم.. بن يحيى. تيحكي فيه القصة ديال واحد الزعيم يهودي اسمو داود بن طوحي أو بن روحي و الله ما عرفت. قال لليهود ف بغداد بلي فواحد الليلة كلهم غاديين يطيروا لفلسطين. أرض الميعاد. الناس مساكن ثاقوا فيه، باعوا حوايجهم أو لبسوا لخضر أو قعدوا فوق السطوح ف ديك الليلة. كل واحد تيتسنا الجناح باش يطير حتى صبح الصباح و المسلمين تيضحكوا عليهم، و قال بن دودو للوالد غادي يوقع ليكم بحالهم إلى بقيتوا تثقوا فاولاد الحرام اللي تيجيوا من الدار البيضاء..

    ــ آش جاب هاذ شي للكلام آ إسو. تساءل بيبينو بانفعال و قد اعتبر الجملة الأخيرة إهانة موجهة له

    ــ لكلام ف السياسة. رد إسو ببراءة

    ــMerde صاح مسيو كاكا.

    ــ واه.. غير كلتو البلاد أوتا تقولوا السياسة كلام خاوي.. قال العلالي بإحتداد ظاهر.

    عب مسيو كاكا الدخان بعمقMerde:

    يتحدثون في كل شئ، فضائح الحب، أخبار المعمرين، يناقشون تفاهات عامة، يختصمون حول الأنواع المفضلة من الخمور و النساء، يحكون الملح و الذكريات و يخططون لمشاريع لن يتذكروها غدا.

    كان يحلو لمسيو كاكا أن يجرجر بيبينو للحديث عن علاقته الملتبسة مع ماري ـ انطوانيت، موضوع لا يعكر صفو بيبينو فقط بل يفسد عليه ليلته كلها، تلك سيدة طيبة و رائعة ما دخلها في الخراء الذي يدور بينهم؟ لكنه في لحظات نادرة يجاريه و يؤكد له مبتسما بأن عقبة وحيدة هي التي ما زالت تحول بينهما و الزواج: من سيتنازل للآخر عن دينه.. فيستدرك نفسه بسرعة و بصوت أوهنه الندم يهمس لنفسه: سيدة طيبة.. طيبة. ثم يرجوه أن لا يعاود الحديث معه في الموضوع، ينتحي إسو جانبا بالعلالي ليقدم له التقرير اليومي لمراودته المعذبة لإيطو بنت حيون العطار، كان يخشى أباها و يكرهه، و لم ينجح طيلة شهور في مخادعة حصار أمنع من تحوطات الحراز و الإتصال بها رغم خطط العلالي و نصائح بيبينو الذي يكره هذا الصنف من العذاب بلا جدوى. و يراهن إسو على أنه لو سار إلى زنقة الحناجرة و ضاع في أكوام اللحم لنسي عيون إيطو وجد جدها. هناك حفنة من المني ترقد في سلسوله لو تحرر منها لأراح.. يأخذ العلالي على بيبينو بروده، و يؤكد له بأن العشق عاطفة لا يمكن أن يفهمها لا هو و لا غيره و يستدل بقول الشيخة:

    " كلـــت عليـــك الشـــــــوك

    و لحـت راسـي في الزر ب

    أو باقيــة تنتعـــــــــــــــــذب"


      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة نوفمبر 16, 2018 6:12 pm