oumolilt histoire et patrimoine

tout se qui concerne l'histoire / civilisation et patrimoine culturelle de notre mère lala timoulilt .

المواضيع الأخيرة

» معلومات جديدة في غاية الدقة عن ايت سخمان و ايت علي اومحند ببين الويدان
الأربعاء يوليو 18, 2012 3:29 am من طرف samah moujane

» اسباب فتح الاندلس
الإثنين أبريل 30, 2012 11:39 am من طرف samah moujane

» اكتشاف جيني جديد يؤكده علماء الوراثة كل البشر ينحدرون من جزيرة العرب
السبت أبريل 14, 2012 6:26 pm من طرف samah moujane

» شذرات من تاريخ واويزغت
الإثنين مارس 12, 2012 4:27 am من طرف Admin

» العقـل الأمازيغي: محاولة للفهم
الخميس يناير 19, 2012 3:10 pm من طرف jihad bouzidi

» المغالطات العلمية والتاريخية حول الهوية الأمازيغية
السبت يناير 14, 2012 3:40 pm من طرف jihad bouzidi

» شذرات تاريخية هام هام هام جدا
الأربعاء ديسمبر 21, 2011 5:34 am من طرف Admin

» Bernard Lugan : L’Egypte pharaonique est Amazighe, un séisme scientifique
الثلاثاء ديسمبر 06, 2011 8:13 am من طرف Admin

» عيد مبارك سعيد
الأربعاء نوفمبر 09, 2011 4:41 am من طرف Admin

نوفمبر 2018

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
   1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930  

اليومية اليومية

تصويت

دخول

لقد نسيت كلمة السر


    زغاريد الموت: دموع ايزا الجزءالسابع وقائع حقيقية

    شاطر

    samah moujane

    المساهمات : 61
    تاريخ التسجيل : 01/04/2011
    العمر : 34

    زغاريد الموت: دموع ايزا الجزءالسابع وقائع حقيقية

    مُساهمة  samah moujane في الخميس أبريل 07, 2011 7:55 am

    لم يكثرت الحاكم بالسكر و لا بطاولة نعناع المدني البقال التي قلبت ولا بما تعرض له شخصه، فقد دارت المحاكمة كلها بحثا عن التأكد من، هل سب العلالي السلطة أم لا؟ تلعثم في هذه النقطة أشد الشهود تماسكا، أما الثلاثة الآخرون فقد لاذوا بالإنكار الرحيم، فحتى حدود الشهادة على تعفير النعناع بالتراب و سب البقال بلغوا ما رأوه و ما سمعوه بأمانة تامة. أما أن يخوضوا في منطقة الإلتباس، في شرف المخزن، و يلعبوا بالجمر مكررين بأفواههم الكلام الخطير الذي سمعوه من العلالي، فلن يرتكبوا هذه الحماقة.

    لفائدة الشك و حده سيقتاد العلالي للسجن محكوما بأربعة أشهر نافذة. و في ليالي البرودة و العزلة و الأرق، وعذاب الكورفي الصامت بالجبل: واقتلاع الدوم حتى تنسلخ اليد و رصف الأحجار اللامتناهية بسواقي عين أسردون تحت رحمة السوط و وخز السلاسل في الأرجل، واجه الأعماق المظلمة لنفسه بلا ملاذ الكيف و الخمر و لاخفة بيبينو، استعاد كل تفاصيل حياة مهدرة و راء رؤى سفيهة و خادعة. نعم، لم يتحرر من الطفل الذي يسكن أعماقه. لقد هرب وصم أذنيه عن خبرات الحياة و تلافي ضرباتها التي تنضج و تقوي. قاوم من أجل أن يدلل الطفل الذي فيه، قاوم من أجل أن لا يكون رجلا..

    سطوة الطفولة التي يعنف العلالي ذاته هنا بسببها، لا ينبغي أن تفهم بالمعنى الشعري الغنائي: البراءة و بهجة الحياة، و إنما بمعنى سجن النفس في مرحلة دارسة، رفض الصيرورة، و الإحتفاظ بجوهر يشوش كل تعاط مع الحياة، كما هي في عريها و صفاقتها. و بقدر ما كبر الغل الذي نبت في قلب العلالي اتجاه كل ما هو فرنسي، بقدر ما رعى أفول الزمن الملحمي بداخله و اندفاعة زمن آخر نثري، حرفي و بئيس. كانوا يخرجونهم في الصباح، و على مرأى أطفال الإداريين الذاهبين إلى المدرسة يسوسونهم كالخنازير، و يسومونهم سوء العذاب. و الأطفال يتوقفون لينظروا إليهم بدهشة كأنهم أمام حيوانات غريبة و متوحشة جيء بها من أدغال بعيدة. و قد دفعت إبن مدير السجن الجرأة و الفضول ذات صباح و بالبكاء المفحم إلى طلب لمس أحد الكائنات العجيبة. فتم إجبار العلالي الذي كان في آخر الصف على الجثو على ركبتيه، ثم تقدم الطفل بأصبع وجل و ساح في جسده. اكتشف بأن له شعرا و ليس إكليلا من الشوك، و أن له أسنانا حافية لا أنيابا مشحوذة، و اختبر قدرته على الإحساس بالألم بأن وخزه في عينه حتى احمرت و دمعت. و تحول خلفه فشبك الكائن يديه حول مؤخرته، فأثارت الطفل نفحة الشرف هذه فصاح: ''و لكنه إنسان؛" سحبه أبوه بقوة" نعم لكنه مجرم"، و قد بدت عليه علامات الضيق مما اكتشفه الطفل. تدأب البيداغوجية الإستعمارية على تكوين أنصاف آلهة، ذوي تنسك خاص و نفور غريزي من كل ما عداهم، و على ملاحقة تلك الخميرة الأولى التي تفرعت منها الوضاعة و السمو، الأعالي والمهاوي السحيقة. و رأب صدع ''أنا'' قلقة، تهرب بشكل لا حد له من كل شرط إنساني مسيب يتحدث عن مشترك، و ينقاد وراء تعميم رخيص، إنه جنون باختلاف وحشي و غيرية قصوى يعذبها الآخر و يؤرقها، إذ بالقدر الذي تقذف فيه الأنا الإستعمارية الأهالي بتقزز إلى صحراء العدم خارج كل مشترك إنساني، تستعيدهم بألم كأدوات استدلال. كائنات غفل عليها أن تبرهن بوضاعتها و خمولها و تخلفها العضوي بوجودها نفسه عن الصفات الخارقة التي تتمتع بها أنا القوة و التفوق و الإبهار الحضاري. فلا وجود لأنا استعمارية دون أنا مستعمرة متوهمة ترفدها و تسندها و تمنحها كل مقوماتها...



    خبـــــــــــــــر:



    ( في شهر فبراير ألف و تسعمائة و سبعة و أربعين، تعرضت القبيلة لموجات قاسية من البرد، أعقبها مطرغزير عنف الدور بلا انقطاع. انتصب خلاله الجبل كقاطع طريق جسور يجرد الغمام الندي و المحاصر من سراويله، و يركعه أمام أهداب القبيلة حاشدا كل ما ملك من دموع. حتى أن القبيلة لم تقو على احتمال افراط التضرع هذا.. نفذ الفحم الخشبي فتحول الناس إلى ما وجد من خشب في الدور. أتت نار التدفئة على القصب و الركائز و المحاريث و بلغت القصاع و المغاريف... و لم يعد ينفع إلا الإبتهال لله ليكف عنها سيول الماء و جائحة البرد. و ذات ليلة لاحت بضعة نجوم في السماء، التمع نور قصي في شقوق الظلام المطوق بالغمام، ظلمات بعضها فوق بعض، فتعالت تكبيرات و زغاريد جذلى. و في الصباح انبلجت الشمس من فوق قمة تاصميت في خفر المشتهى و المأمول، ليعصر قلوب الناس خوف من نوع آخر: رعب الموت تحت الردم. فعندما تجف ذرات الجدران التي تملت بالماء لا تعود المجنونة تعرف كيف تلتئم على بعضها، و لا كيف تتماسك في سموقها فتتهاوى إلى الأرض..).

    في خضم محنة القبيلة و انتظارها كان على العلالي و بعض السجناء الآخرين أن يخرجوا جذوع أشجار ضخمة من مرآب كبير خلف السجن، و تحت سقف قصدير صاخب يحولوها إلىقطع صغيرة تصلح لمدافئ الإداريين، يواجهون في ذلك لسع القطرات التي تتسلل من خروم السقف و فظاعات البرد الذي يدحرجه الثلج الرابض في القمم المجاورة مرفوقا بفحيح شيطاني و قهقهات شماتة مدمرة. تصير الأيدي المتيبسة على الفؤوس توأما مفرغا من كل حرارة و دفق الكائنات، استل من قلب الخشب ليدير حربا ضده...

    بقي العلالي يخبط و يخبط حتى تزلزل صدره و اجتاحه سعال جاف و طارد بعينين تهذيان، و خفقان منتكس المدى المصدع أمامه و سقط إلى الأرض الموحلة. كان في دورية الحراسة يومها واسطي ذو هوس مسرحي، في زمن غابر شارك في إدارة جمعية مسرحية هاوية بقسطنطينة، و بوجهه المتهدل كان يملأ صمت السجن السحيق بهذيان ركحي يستعيد خلاله نتفا ضائعة من مسرحيات رديئة يحيلها بعد الزمن و الحنين إلى روائع في قلبه القاسي. فحص الواسطي برجله العلالي، و اكتشف بأن اللعين يمثل ليس إلا. لذا اختال فوق رأسه بالسوط. و ردد علىمسامعه المغلقة بالوحل ترجمة حياته الحافلة بالتمثيل. هادئا كان العلالي، يجمع قوى مبددة ليقف لكنه لا يستطيع. لم يقبل الواسطي بتاتا أن تبتذل معرفته أمام زملائه هكذا في أول امتحان لها. لذا استعان برجله إلى جانب السوط في انقضاض أعمى. تجمع العلالي على نفسه لكن تصميم الضربات فتح ممرات في جسده لعبور الألم، ألم راكض و صاخب و قصي، قاده إلى حافة الموت...

    أفاق العلالي في ركنة العنبر رقم أربعة مثقلا بالجراح، و بياض الوقت الذي انقرض و هو ممدد ينازع جموح الروح. كانت قطعان من القمل و البرغوث ترعى في سهوب جسد انضجت دمه الضربات السديدة. و كان يتابع افتراس جسده بحياد كحياد الجيفة و يتقرى الأماكن الرخوة التي تتزاحم القطعان لتلغ في دمها، يومها زاره بيبينو سمح له الواسطي بالدخول حتى العنبر إرضاء لضمير ما انفك يؤنبه، دخل مطأطأ الرأس و متعثرا في خجل جميل كخجل طفل، و وضع علب الدخان قرب رأسه. و حين التقت الأعين قال لـه : " خفت.. و لم أتحكم في نفسي". ثم انهمر باكيا. و حين تبين من خلال الدموع كيف نشـر العلالي في ثابوت الركنة مفترعا الفاقة و البرودة، و رأى شدة نهم أيام السجن في جسده المأكول، تضاعفت لوعته، لكن العلالي ابتسم في وجهه حقيقة و بلا تصنع، و جذبه من يده حتى أجلسه بالقرب منه...

    لن يستطيع العلالي أن يغضب من بيبينو و لا أن يحتفظ صدره بنثار حزازة و لا حتى معاتبة اتجاهه، و لا يمكن أن يعزى ذلك إلى استخفافه به، و عدم أخذه مأخذ الجد. بل إلى سبب آخر موغل في تاريخ صداقة الرجلين، فمنذ أن تعارفا، قدم له بيبينو صورة رجل خفيف، يتكلم في كل شئ بإدعاء، و يعرض أفكاره بلا مواربة و لاخوف. يتباهى بنقائصه، و لا يكثرت أبدا بالناس، رجل حر و عابر، فقد كل صلة بالماضي و لا يهمه المستقبل. إذ لا يطلب من الحياة إلا ما يمكنها أن تجود به عن طيب خاطر و بلا مقابل. رجل لا يمكن محاسبته ( وفق ماذا؟)، و لا يمكن الإعتمـاد عليه ( لا يقوم بأي شئ من أجل نفسه و بالأحرى مــن أجل الآخرين).





    الــهـيــــــــــام فـــي جـنـــــان بـنـــي مـــلال:



    في الأيام الأولى لم يعرف العلالي هل الإحتفاء العام الذي يقابل به في الزنقة بعد عودته من السجن مصدره الإعجاب أم الشفقة؟ أخذت النساء تسحبن أرجلهن الممددة من أمامه و تبتسمن، له وحده يمزقن النسيج اللحمي المتكاثف بين البيوت المتقابلة في أوقات الفراغ من أشغال البيت، فيذوب خجلا من وطأة العيون الرانية و الصمت، بعد أن كان يذوب حرجا في تسلله الهارب بين فوضى الأعضاء و صخب الثرثرة المديدة، و صار الرجال لا يفوتونه بالتحية الحارة بل يبادلونه بعض الكلمات الودودة، بعد أن كان لا يحظى منهم حتى بنظرة ازدراء. و وصلته قصاع طعام و كؤوس شاي و بعض من غلال الجنان. لقد طهروه من ثقل الإحساس بالعار. لم تؤلمه بعمق و هو في السجن الأعمال الشاقة و لا المعاملة السيئة، بقدر ما آلمته وضعيته الإعتبارية كسجين. الزي الموحد، و الرقم، والحركات المقننة، الوجبات الشحيحة نفسها، الليالي الفظيعة الطول، صرير الأقفال، وقع الأقدام الغليظة في الباحة المنفتحة على بضعة غمامات راكضة وعصافير تتباهى بحريتها.. و خصوصا ذلك الوقت الذي لا يريد أن يمر. آلمته إناخة العقاب الثقيلة و هو لم يقتل و لم يسرق بل تلا هباء و هو سكران. و ملأته صدفوية القمع حين يريد أن يبرهن على نفسه إحساسا بالضيم.



    خبــــــــــر:



    ( تقنيـن الوجود، و فرض انضباط تام و أعمى، و هو الجحيم عينه بالنسبة لأناس كانوا كالنسيم، يتدبرون حريتهم بإلحاح في عتمة التاريخ، يمازحون المخزن، و يجهزون خطاهم لكل الإحتمالات، مسيرة تبعثر في الجهات الآمنة، خيام مطوية، و بهائم موهوبة للفرار، و حنين يلتذ بالنشيج و أحلام العودة.. إرث خفة و رشاقة ارتداد آمن، و حكمة عدم المجازفة بدخول معارك خاسرة. لقد رأت القبيلة سلامتها أبدا في الفر و الإدبار. و ربحت حروبا كثيرة لأنها واجهت أسنة و سيوفا شديدة و متعطشة للدماء بالخواء الصقيل. كينونة شبحية، تتبخر في الريح، و تسكن الصدى، و تعاشر الهباء، و تعبر التاريخ كما تعبر الظلال الأشياء...

    لم تعد الجبال المنيعة و المكللة بالثلوج ملاذا بل حاجزا، و لا الأفق طلقا بل اختناقا، و لا الإقامة ترحالا بل قبرا. لقد صادت الطائرات الهاربين في المسارب الجبلية الوعرة و في الفجاج ومن تحت الأشجار الوارفة، و أغلقت أبواب الكهوف المنيعة على من فيها بالخرسانة. و سيق الباقون مسلسلين في رحلة عودة مخزية. بعد اليوم، لن تقدر القبيلة المهزومة إلا على تحريك خطى ثقيلة بين مؤسسات للضبط و العقاب، لن تركب النسيم، و تزوبع الهباء تحت أقدام الغزاة، و تخط لمصيرها مسالك بأقدام الريح..).

    شئ من الجنوح السافر، ذوبان بطيء و حاسم لامتثالية مطبقة، انطباع مرير بتحطم الصورة الكاملة لحياته الماضية، صيرورة إخفاق جردته من كل ما تعتبره العين. بضعة أيام فقط عبرها، كانت زمنا شاسعا عبره بعناء و بؤس كائن بلا ملامح و ميزات. و سيطالب بالثمن. العيون الجهمة الغائمة لم تعد تفزعه. و تلك الرغبة في أن يمر لا مرئيا لا تتملكه العيون في فضاء مراقبتها التي نسميها خجلا، وهنت و لم تعد قادرة على ضخ الدم إلى و جنتيه و تنكيس نظرته و طمس حضوره. لم يعد له ما يخسره، هرول إلى ملذات جذلى لا يطوقها تبكيت ضمير. و دفن غضبه في تهدل الوقت الماجن. لهاث و زبد و أحلام تصل الأرض بالأحلام. صادق فرنسيا مستهترا اسمه مسيو كاكا. لم يعرف أحد هل هذا اسمه الحقيقي أم المحاكاة الطبيعية و الدقيقة لضحكته المرتجة حتى يتفتت المدى من حوله. هاجر من أزقة مارسيليا ليطالب فرنسا و في أرض معاركها المظفرة بحقه في الغنيمة، فارتحل بين الأراضي كطائر مهاجر، و اعترض الأهالي بثبات خنزير بري، و جرد البدو في الأسواق من بضاعتهم، و أخذ كل ما يحلو له بقانون وضع اليد كما لو أنه في الجنة. و حين اقتيد مرة إلى بيرو عراب تدفعه بالأيدي و الهراوات عصبة نافدة الصبر و هائجة، قال له الحاكم وسط جلبة الشكاوي و بصوت متهدج و نبرة ثقيلة، بأن فرنسا تذوب خجلا لأنها أنجبت أمثاله، و أضاف بتقزز حين ذكره أحد مساعديه بالإسم:" إسم على مسمى، كومة براز". لكن مسيو كاكــا لم يحمر خجلا كما توقع العلالي الذي جرفه صخب المتضررين إلى بيرو عراب، بل انتفض في وقفته و تخلص من الأيدي الممسكة بتلابيبـه، و قال للحـاكم في انتصـاب صاحب حـق، و طمأنينـة بريء'' نحـــن هنا لأداء الأفعال الحقيرة نفسها". انسحب الحاكم ليفسح المجال للمخازنية ليحكموا طوقهم عليه حتى يجرجروه إلى الداخل...

    مصادقة العلالي لمسيو كاكا لا تعني بتاتا تنكره لذلك الإحساس الأكثر غمرا من كل الأحاسيس التي نمت بداخله هناك: كراهية كل ما هو فرنسي. إن أفعال مسيو كاكا المشينة تفضح و تبتذل اللعبة كلها. فالوحش و بعد أن يلغ في الدماء يواري أنيابه، و يخرج طلاء من القوانين و المؤسسات ليؤبد في تجرد و برودة و لا شخصية القانون استواء الضحية تحت ناحرها الكلي القدرة، هزل المحاكم، تكييف الحالات، إيجاد المخارج، توفير المستندات و الحجج. لكل من المعمرين أن يأخذ ما يحلو شريطة أن تباركه هذه المومس التي لا تمنع شيئا: ترسانة قوانين المستعمر. لن تقبل فرنسا العظيمة المظفرة التي تحتاج إلى رجال خارقين في الأراضي الخاضعة أن تأتي ذوات نشاز و غفل و راء الرجال العظام الفاتحين لتشوش بتفاهتها الصورة الباهرة التي شيدتها بإفراط العنف و التعقل و الدماء. لذا فالعلالي حين يصادق مسيو كاكا فهو في الحق يصادق الوجه الآخر غير المرغوب فيه و الملعون لكل معذبيه...



    كان الأمر كذلك. اختبار بطيء للنوايا، برهن فيه الطرفان عن مدخرات صبر لا تنفد، ظلال بسمة غامضة، نظرات خاصة و سريعة الإنكسار. و حين لا تراه لمدة طويلة تبادله نظرات عتاب صامت. منذ أن وطئ العلالي الزنقة تملكه البريق الخاص الذي يشع في عينيها، و فطن إلى التعلات الكثيرة التي تخلقها لتراه و لو في تلك الأوقات التي تنقطع فيها رجل الآدمي من الحواري، تنتصب أمامه بجسد مترع بالدعوة، فماذا ينتظر ليخطو الخطوة الأولى؟. كان يتجاوزها و هو مختنق بالخجل والخوف، و رغبته المختلجة و المغتالة لتوها تؤنبه. و في الغرفة يعنف ذاته و يجتاحه غم فظيع. كان يطالب نفسه بتبرير مقنع لنكوصه. يسقط سيماء الجبروت المفضوح في حركاتها، في كلامها، في توسطها لجلسات النساء، وفي وقفتها المعتدة الشامخة. و يتوقف عند الحكاية إياها، الحكاية التي لا يصدقها، لكنه في قرارة نفسه يلتهب ضيقا و يتفجر خوفا، ذلك الخوف الغريزي الذي يأسر الكيان، أيكون معشوقا لامرأة تتحول في الليل إلى بغلة قبور؟ كانت في عمق أحاسيسه و خوفه تشن عليه مراودة معذبة لتأسره في شرنقة حب مستحيل، نهايته الموت أو الخبل. لقد غدرت بحق الله، عفرت بياض الحزن و التبتل الذي عليها أن تلبسه بعد وفاة زوجها أربعة أشهر و عشرة أيام بصمغ الخيانة. في الليالي البيضاء التي تفصل جسد الزوج الميت عن جسد مفترض لكي لا يختلط المني و يضيع نقاء السلالة، في الليالي المسكونة بحكي ينوم الغرائز و يخصي و شوشة الشيطان، انقادت هي لنداء لا تتلبسه كلمة الله. فجاء العقاب. لن تتملك لياليها و لا جسدها. سينبت لها حافران و أذنان طويلتان و شعر في خشونة وبر الخيام. ستكون صدى يتسلل من المجاري القذرة و في العراء ينفخ فيه، فإذا هو هيئة بهيمية و قرع أجراس و جري محموم. ستكون رعبا يطمس المارين و ينبت الوحشة في الطرقات. و في الصباح، ستخرج بسحنة صفراء و مجهدة. ذهبت نفخة اللعنة و بقي العناء. تخرج مرآة صغيرة ذات إطار نحاسي مشبك. و في الصفحة الصقيلة تبحث عن تقاسيم وجه مستعاد. لم تكن مرآة الشيطان تلك تفارق يدها طيلة النهار. إنهمام مبالغ فيه بالذات لهوية ممزقة، تصرمت من يديها القدرة على مماثلة نفسها، تثبت صورة تحس بأنها دائبة الإفلات منها، صورة لم يعد الليل بالنسبة لها سترا بل فضيحة...

    تلكم الحكاية. لم يكن يعوز ما يجري في عمى الليل، رفد السلوكات المريبة للنهار، فبتواطؤ فاضح، كانت تتعمد بحركاتها الغريبة، و كلامها المستغلق، و شرودها الدائم، و تعريشة التعب في مشيتها ووجهها، تبديد كل التباس، يخيط الخارق و العجيب نفسه بالواقعي و يصير من صميم الحياة اليومية، يصير في قلب الحياة...

    لو بقيا الدهر كله هكذا ما تجرأ العلالي على أن يخطو الخطوة الأولى. و قامت بها هي. و قفت في دائرة الضوء التي شكلها القنديل المحمول من طرف خادمتها الصغيرة. كانت السطوح الواطئة و المتراصة في تعاضدها و بساطتها ملكا مشاعا للهاربين و المتسللين بحثا عن متعة أو متاع أو ملاذ. لذا لم يكن ذلك توهما و لا تخريفا. عبثا حاول أن يتمالك نفسه. تراجع حتى أوقفه الجدار، و حركت هي باسمة عقد اللويز في عنقها (خشخش... خشخش..) و أخرجت من تحت القفطان رجلا صغـيرة و مخضبة بالحناء. حررتها من المشماق و خبطت بها الأرض. نعم، لم تكن حافرا. لقد استبقت حركة نظرته الباحثة في ثنايا القوام الكامل عن العلامات البهيمية المروعة. كانت تقرأ خواطره و عريه و تتملكه كلية. و بضحكة لاهية و مدمرة تابعت تضاؤله في الركنة معبورا بدوامة ضياع كبير. و حين أوشك أن يطلب الرحمة. استدارت و أخذت ديكا من يد الخادمة و قدمته له. لم تجد و الله هي الوحدانية رجلا ليذبحه غيره. واتته فلول قواه ليقول لها بنبرة ساخرة:'' ذبح في عز الليل لقد نويتم الصيام غدا إن شاء الله''. لم تتفوه بكلمة. في ما يشبه ارتباك خجل ردت بابتسامة، متسترة بذلك عن كل الأشياء التي ينبغي ألا تقال. و في الغد جاءته الخادمة بما سمته حق الذبح: نصف الديك محمرا، و أخبرته بأن سيدتها ستزوره في الليل. قضى النهار مرفوعا يتنازعه الشوق و الخوف. و عند المغيب صرف بيبينو و حسن مزاجه و قعدته ببضعة كؤوس، و هيأ المطوي و السبسي. أخذ أوراق الكارطا و لاعب نفسه طويلا حتى اجتاحه نوم لم يعرف مثله منذ زمن غابر. نوم كاسح يتعذر الإفلات منه. في الصباح أفاق على ضربات يد الخادمة الصغيرة في الباب، كانت تحمل رسالة شفوية بلغتهـا بخجل و تلعثم شـديد " العشـاق لا ينامون؛" و ضربت له موعدا في الليــل القادم. قضى العلالي النهار و هو يؤنب نفسه و يتذوق مرارة الإخفاق في حلقه. و حين نزل الليل تعمد أن يتسكع طويلا في دروب القبيلة. و فرد جسده للبرد القارس حتى تتنبه حواسه. و بعد أن أعياه المشي و آلمته ضلوعه دخل الغرفة ممتلئا بعزيمته على الصمود. هيأ قعدته و خرج إلى الباب يتأمل سطوح القبيلة الغافية، و يشرد مغالبا الوقت المتطاول، ثم عاد ليستريح.. في الصباح أفاق على وجه الطفلة الصغيرة و هـي تتهجى الجملة التاليـة " ما هكذا يكون الحــب"، قلزت له و انسـحبت. كان تحت تأثير أحلام فظيعة و لغة غامضة خاطبه بها رجال كسروا الباب، و صحراء عبرها عطشانا. ثم غمره شعور بالتفاهة و دون أن يفكر في طعام الإفطار سار مرتجفا من الإنفعال باحثا بعيون كليلة حمراء أدماها نور الصباح عن بيبينو، و حين وجده، انتحى به ركنة و اعترف له بكل شئ. اغتم بيبينو و ضرب كفا بكف، و بكلام فيه من اليأس و الألم دفق كبير، أخبره بأن المرأة ليست بغلة قبور كما يعتقد الناس بل دليلة المحتالة. و هي تريد أن تفعل به ما فعلته بعزيز. غيرت محاسنه و هزلت قوامه و تركته هائما تسيل على جفنيه العبرات و يخنقه الإنتحاب. ثم سحبه من يده نحو بن الهمصي شيخ رواة القبيلة. لم يجداه في داره فاضطرا لانتظاره. كان الراوي متعودا على مثل هذه الزيارات. ممن يعز عليه أن يبيت عنترة في الأسر، فيأتي بالفدية: سكر و لحم ليتمم الراوي الحكاية و تنفرج الكربة و تزول المعاناة، و ممن يتخاصمان أيهما أقوى إذا التقيا في القتال عنترة أو سيف بن ذي يزن؟ و من يسأل في خجل لو التقى عنترة بشهرزاد هل سيبقى على حبه لعبلة؟ و من يريد أن يعرف هل شيبوب يسبق السيارة أيضا؟.. و برغم أن ابن الهمصي امتلك موهبة خارقة على نفخ ملح الواقع في الحكايات و إسنادها في أزمنة الجحود بعكاكيز الإستعارات و الصور و المقارنات و الحجج المأخوذة من مجرى الحياة لستر عري الملحمي و غربته في زمن النثر و الوضاعة. هو الذي حكى بأن سيف بن ذي يزن وصل في رحلة مسخه إلى بني ملال و بكى بدموع حارة أذهلت الماء المتلاطم في فضائها و دفعته للتراجع. و هو الذي يقول بأن عنترة حين يلعـب بسيفه يحرك الغبار حتى حدود أولاد إيعيش (إحدى القرى المجـاورة). و عندما يطأ العبد الزنيم زوجـة شهريار يفعل ذلك بذكـر هائل لا جعلـه الله يوما في إسـت السامعين... لكنه هنا لم يقو على ضبط مسافة الوهم في كلام بيبينو عن دليلة المحتالة المرتجلة من رماد الحكاية، كيف تجتاز كل هذه القرون و تنبثق في حي خريبكة؟ لم يملك إلا أن يعيد على أسماعهما الحكاية التي رواها عزيز لتاج الملوك. . فانسحبا، العلالي ضائع في إرادة المشيئة القاسية التي هيأت له مكانا وسط مكائد و خبث و صراع أبطال الحكايات. و بيبينو يؤجج مخاوفه: لقد جمعت دليلة كل كيد النساء. و يقدم نفسه و عن طواعية لحمايته و ملازمته ليل نهار. و في كل صباح كان يرعى رعب العلالي الداخلي: لقد سمعت أصواتا غريبة: ألم تسمعها؟ سمعت خطى تقترب و عندما خرجت لأرى لم أجد شيئا. لم أرد أن أصحيك. سمعت صراخا مخيفا قبل الفجر... و هكذا. العلالي لا يسمع شيئا برغم تمكن الأرق منه و تحجر عينيه طيلة الليل. لا غمضة، لا استرخاء، لكنه يجاريه. كان في حاجة إلى أنفاس بيبينو قريبة منه، حضور يدفئ العزلة و يوقف الخيالات المرعبة التي تتناسل في خميرة الوحدة و الخوف...

    ذات ليلة انتصبت فجأة، كانت الصغيرة و راءها تنير لها الطريق بالقنديل، و كانا يستعدان للنوم. قفطان ملف بلون خيوط نور محتضر و سبنية زرقاء انسدلت سوالفها حتى الكتفين. و الوجه الوضاح الباسم يوزع غلالة البهاء على الرجلين الذين زلزلهما الذهول و الخوف و الغواية، حورية لفظها في وجهيهما غمر الظلام المحيط. صرفت الطفلة و تقدمت مستأذنة و مسلمة. غمغما ردودا لا معنى لها. ظلا واجمين. قالت بجرأة وغنج بأنها تدعوهما للعشاء، عشاء كامل و شددت على الكلمة. أراد العلالي أن يعتذر فلم يقو على الكلام. ما أحس به بيبينو و ألجمه عن الكلام لم يكن خوفا. فقد اخترع حكاية دليلة المحتالة لخدمة أغراض خاصة. و هو آخر من يصدقها. لقد جاب القفار و سهر الليالي الطوال و علمته التجارب أن الشيطان المارد و الجن و كل الأشباح ليست إلا أقنعة يتلبسها الإنسان. ماروعه حقا هو جرأة المرأة و ثقتها بنفسها، و ذلك البريق المتسلط الذي يشع من عينيها. لقد خلقت لتكون سيدة و كل من يحيط بها يخضع لها لا عن رهبة بل عن إقتناع. جاءت الطفلة حاملة طاجينا فوق رأسها و قفة بيدها. بادر بيبينو الذي تحركت شهواته فأخذ الطاجين. و ركل العلالي'' قم إغسل يديك''، فعل ذلك باستعراضية ليذيب الوحشة التي تثقل المكان. لكنه تلكأ و لم يستجب له، فقامت هي و سحبته من يده حتى السطل و صبت على يديه الماء. وخلال ذلك صرفت الطفلة بغمزة، رصدها بيبينو و لم يعترض. و عندما تحلقوا حول الطاجين، أخرجت من القفة خبزا و بحركة فخمة أخرجت ثلاث قنينات خمر و كاغدا بسطته فإذا هو مليء بمسحوق الكيف. أكلتهما الدهشة، فقامت بتلقائية و هي ترفع غطاء الطاجين"قلت عشاء كاملا".

    من باب الإحتراس لم يشرب العلالي في الأول إلا بضعة كؤوس، و بقي متماسكا. شربت هي استجابة لإلحاحهما الشديد كأسين مخلوطين بالماء، و شرب بيبينو بلا حساب حتى لم يعد قادرا على الإستواء في قعدته، كان يقول لها برغم وخز أصابع العلالي في جنبه:

    ــ '' أنت لست دليلة أنت أميرة".

    تعطلت لغة الكلام. خف توتر العلالي تدريجيا. و في وهج اللحظة التي خلقتها حين انبرت للغناء و صاحبها للتو بيبينو عازفا بكأسين فوق الصينية، تخلى عن كل تحفظ و بصفاء سريرة كامل، و في ذروة الانسياق لنداء يعلنه حضورها المتملك، انتصب واقفا و أخذ يرقص مشكلا دائرة حولها، كان يخط إيقاع الغواية و يسبح في ملكوت الشهوة. و كانت هي -يحس ذلك بكل تفاصيل جسده- كينونة فاتنة و مجردة من كل توهمات تناسخاتها المريعة. رقص كالفراشة، تلك التي يكون حتفها في المكان الذي تنقاد لوهجه، لكنها تستنفد لحظة الإنخطاف التي هي فيها، لا قلق، لا توتر و لا تفجع على مصير قاتم مرتقب...

    في ماتلا تلك الليلة من أيام جاءت دائما في مواعيدها. و في قلب الليل و عز النشوة كانت تدعوهما لإتمام الشرب في رأس عين أسردون، أو في القصر، أو تدعوهما للتيه في الجنان، تتنكر في جلباب رجالي و تستحث خطاهم. كان الخوف في البداية يطير السكر من رأس العلالي و يخنق أنفاسه، لكنه لا يستطيع أن يرفض لها طلبا. و مع توالي الأيام تعود نزواتها. و لم يعد يقرأ فيها و بريبة علامات منذرة بالشر. كان يتبادل معها نظرات محمومة و لمسات ملتهبة لكنها تعرف متى توقف تيار اضطرام الشهوة عند حده.. حاول أن يتخلص من بيبينو، وحدها الخلوة تذيب التحفظ و تبدد بقايا الخجل، لتقول له أخيرا '' هيت لك '' كان يوشوش لها مواعد، سيضلل في أوقاتها بيبينو في إحدى الحواري أو يشبكه في مشكل أو خصومة أو كلام ما و يهرع إلى مكان الموعد لكنها لن تأتي. و لا تكلف نفسها حتى عناء الاعتذار عن ذلك حين يلتقيان. و مع تكرار الأمر، فهم العلالي أنها تصر على أن يكونا دائما معا، فتقبل قدر حبه و قد كتب عليه أن يحمل فوق عذاب الشوق و اشتعال القلب و سيل الزفرات و الأرق ثقل بيبينو أيضا، كما يحمل ساق في ممشاه ورما فظيعا و معذبا.









































    فـــريــــــــــــق الإنبـــــــعـــــــــــــاث





    أكلته رجله، لم يقو على مقاومة تلك الرغبة العارمة في الإنطلاق التي استولت عليه، خلع الجلباب الأسود ثم طواه و وضعه فوق البلغتين، و جرى وسطهم ملاحقا الكرة المخاتلة، ينفخ الصبا سرواله القندريسي فيدافع الريح، خفيفا، مرحا، سابحا في ملكوت حريته، لا يعبأ بالأحجار التي تدمي رجليه و لا بالعرق الذي رشح غزيرا و بلل كل ثيابه، و لا بالوجوه المأخوذة بصعقة ترجله المفاجئ من علياء رصانة الفقه و كآبة البلاغة و ثقل هيئته المسكينة المنهكة. كان يجري، أصم عن الضحكات و عن التعاليق الساخرة، يؤوي لجسده كل ما هربه به الورع الزائف و خنقته الفضيلة، يجري، و يتحرر الغراب الكئيب من ريشه'' هل هناك ساعة أنسب للمرح من هاته؟''.

    كان يونس و بعد أن ينهي حصة المساء في المدرسة المحمدية الحرة، يلقي بالكراس الذي يثبت فيه أسماء التلاميذ في قب جلبابه، و يشبك يديه خلف ظهره. و يمضي ساهما بمحاذاة ساقية تامكنونت حتى السلخانة. ثم يدخل القصبة الكبيرة من زنقة الحناجرة. هناك تتنبه حواسه، فيثقل خطواته و يملأ تقاسيم وجهه بالصرامة و التقوى، لكن طرفي عينيه يرفان بلا توقف فيفضحان هيئة الجندي التي يتلبسها. عند المارشي يعود لشروده الحزين لقد خزن الخيالات الفتانة و هو الآن يستسلم لتجريدهـا من الثياب، وسط البخور (لماذا؟) ثم يستسلم لمشاهد متهتكة. يعبر ساحة فرنسا غير عابئ بفرجة الحلاقي. و ينعطف عند ساحة الكركور نحو داره. بعد صلاة المغرب يدفن بؤسه في كتبه و تأملاته. لقد قبل أن يقدم دروسا في اللغة العربية بالمدرسة الحرة التي فتحها الوطنيون بجهد جهيد، لأنه لم يعرف كيف يتدبر الوقت، مل الرهبانية، و حلم الرحيل عن القبيلة الجاحدة بالكاد يجمع فلوله في صدره:" متى يقيئك الحوت يا يونس، متى؟".

    في أيام الربيع حيث يكون هناك متسع من الوقت بين خروجه من الفصل و آذان المغرب، كان يتسلل بين أشجار الصفصاف المحاذية للساقية. يتابع بشغف كبير، و عن بعد، مقابلات كرة القدم الدائرة في ملعب التنس، و كلما مر بجانبه أحد أشاح بوجهه عن الملعب، و افتعل أشياء تليق بشخصه و وقفته تلك. لكنه ذلك اليوم كان يحس بتوتر كبير، استشاط غضبا في وجه التلاميذ و لم يفكر في الأكل طيلة النهار. حين خرج في الخامسة حاول تبديد احتقان قلبه بمتابعة انطلاق الكرة بين الأرجل من خط الشرط هذه المرة. كانت مباراة غير متكافئة بين فريقين، لأن الفريق الضعيف ينقصه لاعب، فدأب لاعبوه يطلبون من كل مار أن يتممهم دون أن يتجرأوا على يونس. ضرب الحصى الذي أمامه برجله، و حاول الإبتعاد لكنه لم يستطع. كانت الرغبة هناك، في أعمق أعماقه. دافعها، ابتسم ساخرا في وجهها، لكنه استسلم في الأخير...

    كانت فضيحة كبرى، حتى أن مدير المدرسة المحمدية الحرة بن المدني جاءه إلى الفصل في الصباح، و استنكر الطيش الذي استولى عليه، و تكلم الناس الذين نسوه حول النفس الأمارة بالسوء، و وجد الذين سدوا باب الإمامة في وجهه فرصة للنيل منه ثانية، لكنه لم يسكت للمدير أو لغيره. أقسم أمام التلاميذ أن ينقل القضية من كلام النسوان إلىميدان العلم، فذبج في تلك الليلة رسالة عجيبة، قضى بعد ذلك ليالي في نسخها إلى عشرات النسخ ثم أخرجها للعموم...

    لقد بحثنا عنهاــ بعد سنوات من ذلك ــ كانت قد تلفت بين الأيدي الكثيرة التي تناقلتها للتفكه على مرشهور. ابتسم يونس و لم يرد أن يتذكرها. و بعد بحث مضن و يائس عثرنا عليها و بشكل غير متوقع قابعة في صدر ذاك الذي آمن حقا بيونس. لم يستظهرها أمامنا فحسب، بل منحنا بهيئته و صوته و هج الحماسة و الثقة التي صيغت بها. عمدنا توا لتطهير الرسالة من لواحقها العراكية و السجالية، محتفظين بما يمثل في نظرنا قيمة علمية ينبغي أن يتجدد نقاش مسؤول حولها:



    مختصــــر رســـالـة الإفحـــــام فــي الرد علـى مـن يحرم كرة القدم .





    ( ينطلق النص من قاعدة فقهية عامة. و هي أن الأصل في حكم الأشياء الإباحة ما لم يرد هناك تحريم، و لا مراء أن القرآن الكريم و الأحاديث النبوية الصحيحة تخلو تماما من كل ما يفيذ إن تصريحا أو حتى تأويلا بتحريم اللعب عموما و كرة القدم خصوصا. بل أن الرسول الكريم يحث الآباء على تعليم الأبناء رياضة الجسم:'' علموا أبناءكم الرماية و السباحة و ركوب الخيل''. لأن الرياضة تمنح الجسم القوة و المناعة و تروح عن النفس. فالنفوس إذا كلت عميت كما قال سيد الأولين و الآخرين.


      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة نوفمبر 16, 2018 5:49 pm