oumolilt histoire et patrimoine

tout se qui concerne l'histoire / civilisation et patrimoine culturelle de notre mère lala timoulilt .

المواضيع الأخيرة

» معلومات جديدة في غاية الدقة عن ايت سخمان و ايت علي اومحند ببين الويدان
الأربعاء يوليو 18, 2012 3:29 am من طرف samah moujane

» اسباب فتح الاندلس
الإثنين أبريل 30, 2012 11:39 am من طرف samah moujane

» اكتشاف جيني جديد يؤكده علماء الوراثة كل البشر ينحدرون من جزيرة العرب
السبت أبريل 14, 2012 6:26 pm من طرف samah moujane

» شذرات من تاريخ واويزغت
الإثنين مارس 12, 2012 4:27 am من طرف Admin

» العقـل الأمازيغي: محاولة للفهم
الخميس يناير 19, 2012 3:10 pm من طرف jihad bouzidi

» المغالطات العلمية والتاريخية حول الهوية الأمازيغية
السبت يناير 14, 2012 3:40 pm من طرف jihad bouzidi

» شذرات تاريخية هام هام هام جدا
الأربعاء ديسمبر 21, 2011 5:34 am من طرف Admin

» Bernard Lugan : L’Egypte pharaonique est Amazighe, un séisme scientifique
الثلاثاء ديسمبر 06, 2011 8:13 am من طرف Admin

» عيد مبارك سعيد
الأربعاء نوفمبر 09, 2011 4:41 am من طرف Admin

نوفمبر 2018

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
   1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930  

اليومية اليومية

تصويت

دخول

لقد نسيت كلمة السر


    زغاريد الموت: دموع ايزا الجزءالسادس وقائع حقيقية

    شاطر

    samah moujane

    المساهمات : 61
    تاريخ التسجيل : 01/04/2011
    العمر : 34

    زغاريد الموت: دموع ايزا الجزءالسادس وقائع حقيقية

    مُساهمة  samah moujane في الخميس أبريل 07, 2011 7:53 am

    لم يقربها منذ زمن بعيد؟ لكنه ينتقل سريعا من آكد الحساب إلى عذاب الشك. و هو يرى شرود بيبينو في سكة العذاب الصامت، يرى القناع الحزين المفضوح الذي غطى تقاسيم وجه لم تكن أبدا طيعة للهم و الإستغراق في التفكير، وجدها العلالي فرصته التي لا تعوض لمعاكسته و الهزء منه. كان يهنئه مرارا على مصاهرة الكاتشور، و يسترجع كل المعارك الخاسرة التي خاضاها معا: آه لو كان هناك الكاتشور؛ و يسائله في براءة ماكرة: لم لا تعرض على الحلفاء خدمات الكاتشور؟ يبصق بيبينو و يبدي امتعاضا شديدا، و قد حلا له أن يضلل العلالي بدفعه لنكئ جرح ميت تناساه منذ زمن بعيد: حياة بناته، عذابه الآن و سر تمزقه حازه هذا الذي لم يولد بعد. قديما لم يكن يكثرت بما يطرحه بطن الغالية إلا بالقدر الذي تعبر فيه خطاه موطن خطيئته الأصلية و تمضي، فأنى له أن يحتمل اليوم الوجود مع العار في مكان واحد؟ لقد شاخ القلب و كلت الخطى و لم يعد ما وراء الأفق سوى انطباق بئيس للأرض بالسماء لا غواية فيه ولا عزاء. كان يهم في كل ليلة بالنزول إلى النوالة لإستفسارها و بقر بطنها إذا لزم الأمر، و يجد بعد ذلك سببا وجيها لتأجيل ذلك إلى الغد. حتى سمع و هو مستلق في مجرى نسائم أصيلة عليلة بجانب عين تامكنونت بأن الغالية ولدت ذكرا، لم يسعه المقام و لا استطاع امتصاص كل المشاعر المقوضة التي خنقته، و لكي يحد اللجاجة الكثيرة التي تقوده إليها وساوسه، جرى إلى أقرب بائع خمر، و شرب باستعجال عطشان، لكن العمى الذي انتظره ظل بعيدا. بقدر ما يشرب يتعمق صحوه و تتحجر عيناه على حقيقة بلواه في صفاء ذهني لم يعرفه طيلة حياته، فيشرب من جديد. في منتصف الليل تدبر مطوى دسها في جيبه، و انحدر نحو النوالة. داس القبور مرة أخرى، و قرب الباب تردد قليلا، ثم دفعه و دخل، أسعفه نثار ضوء القمر المتسلل من خروم السقف في رؤية كتلة بناته. و غير بعيد منهن رأى الغالية غارقة في نوم ثقيل تحضن بيدها اليمنى كومة العار، فانحنى وسلها من يدها و خرج. اجتاز النوايل و دخل البساتين المجاورة، هناك أخذت الكتلة الهامدة تبكي. كانت الرطوبة قوية حتى الحد الذي جعل قشعريرة تسري في كل جسم بيبينو، هدهده و استمر يبكي بكاء مختنقا يساير الأصوات الرتيبة التي تصدرها كائنات مملكة الليل في فوضى تزاوجها. اجتاز ستار الصفصاف و السمار الذي يحجب عين داي، و حاذر أشواك الشدير حتى وصل إلى العشب المنبسط قرب رأس العين، وضع الوليد و أخرج من جيبه المطوى و وضعها بجانبه. سار نحو الغيران الصغيرة حيث تضع النساء شموعهن، أخذ واحدة لكنه لم يجد النار ليشعلها، فغسل وجهه بالماء البارد و عاد.



    خــبــــــــــــــــر:



    (أبهــى العيــون..

    وحدها ظلت تحتفظ بإسم المدينة التي تم اجتثاتها في انتقام و شماتة تاريخين لا قرين لهما. فلا غرابة إذا رأيت في خيوط الماء المنسابة على طول المجرى دموع التياع و افتقاد. و لا غرابة أن يوشوش لك الخرير العليل بحكاية شموخ سالف هدته رياح ضغينة مسعورة. عين الغراميات و العواطف الجامحة و التأملات الشاردة و عين الأشباح. إذ ما زالت أم الراوي تقسم بأنها رأت بقربها قطيع ماعز قفز في الهواء و استحال حمامات بيضاء، و حكايات العذارى العاريات في قلب الماء، و الرجال الأقزام، و الفرس التي تنفث النار، و الغيلم المغني، و الضفدع الذي يتنبأ بزوال الإستعمار... و أشجار الصفصاف القديمة ترقب في حكمة المشهد كله الأفعال السرية للبشر و توهماتهم، و حين تهب ريح تصطفق الأوراق ببعضها في شكل صفير استنكار يصدره جمهور غير مرئي ضاق بما يجري..).

    عاد نحوه و فك تلافيف القماط عن وجهه، في العتمة الشفيفة و باليد اليمنى أخذ يتحسس تقاسيم وجهه، و باليد اليسرى يتحسس تقاسيم وجهه هو، ارتاح الوليد للمس فسكت. مرر بيبينو يديه على الأنفين و الوجنتين و الفمين و الجبهتين و الأذنين، و بحث في التضاريس المتنافرة و في اختلاط أحاسيسه و ضبابية رؤاه، عن شبه مأمول. فقالت له يده بحزم: إنه ولدك.أعاد لملمة القماط كما كان و ابتعد منشرحا و تمدد و قد بسط رجليه و يديه و عب هواءا طالما أفسده بهواجسه السوداء. لامست يده شيئا صلبا و باردا، و عندما دفعه بعيدا انتبه إلى أنه قنينة مملوءة حتى النصف بسائل يتلاطم بداخلها. أية مباركة؟ أية رحمة؟ شم بيبينو السائل فوجده حشاشة القلب و الكبد، ذهل عنه أحد السكارى، و وهبه هو ممتنا فمه و روحه، بكى الوليد بشدة هذه المرة، بكاء فاجعا مجهدا، فحمله بيد و هدهده (اليد الأخرى كانت تحمل القنينة) و سرعان ما تحول البكاء إلى بخبخة متلاشية. هزته رجفة النزع الأخير التي نفذت كشحنة كهربائية من جسد الطفل إلى ذراعه. و من روعه بحث برأس القنينة ــ حين أيقن بأن لا شئ عاد ينفع ــ في تلافيف القماط عن وجهه و غرغر له القطرات الأخيرة التي بقيت بالقنينة. آنذاك امتدت له أيد قاسية كثيرة و أخذت الطفل منه و ضربته في كل أنحاء جسمه حتى تهاوى، فامتدت له الأرجل بالركل و هو يصعد دائرة الأشباح اللاغطة و أضواء القناديل المرتعشة، تذكر في ما يشبه الومض، مشهدا كهذا تدفق فيه الضرب و الأطياف و الدوران و الصخب من حوله، و كان هكذا بلا حراك، يتلقى التحامل الوحشي بدهشة يائسة و يغوص في المياه الضحلة للغيبوبة..

    كانت قافلة التحرير التي استنفرتها الغالية و بناتها بأنكر الصراخ و العويل تشق طريقها بين البساتين، حين قال أحد الرجال ببهجة و مكر:

    ــ " كان سيقتله لو لم يفده الله بقنينة الخمر"

    شقت الظلام ضحكة متوهجة و سرت كالعدوى، انثال الضحك هادرا و هامسا و مكتوما كأنه في فوضى دورانه يسبر الجهة التي بإمكان الليل التجاوب معها. أردف آخر بصوت عميق:

    ــ" لنسمه إسماعيل"

    هلل الجمع مباركين، و تسابقوا لرتق ما تمزق من نومهم العصي..















    الــصـيـــــــــــرورة

    هتلــر و الحـــزب و أشيـــــــــــاء أخــرى





    انقضت سنوات الحرب كحلم بغيض، نفق مظلم اجتازه المعمرون بتبلد و خواء خطى مسرنم. و أفاقوا تتجاذبهم مشاعر الزهو و الحمية الوطنية من جهة، و مشاعر الغيظ و الخوف من جهة أخرى. ففي أعين الأهالي و حركاتهم و نبرات أصواتهم رأوا اختلالا ما في الصورة الخارقة التي كانت لهم قبلا. تلك الصورة المشكلة بمثابرة و أناة و بمزيج متظافر من الإبهار الحضاري السلمي و إفحام الحديد و النار، و في الإصطبلات و الأبواب و الجدران المقابلة للنوافذ و في زجاج السيارات و الشاحنات المغبر و في كل شئ تستقر عليه عيونهم، أخذوا يرون بتقزز و حنق صلبانا معقوفة، تنمو كعشب وحشي فوق المرئيات، و لم يستطع العذاب الشديد الذي أنزل مرارا و اعتباطا ببعض المشتبه فيهم أن يوقف اليد الآثمة عن تطريز الفضاء هكذا. و خلف سيدة فرنسية و قورة تتعثر في سمنتها داخل حارة ما، صار من العادة أن تسير خلفها جوقة أطفال صاخبة تضبط إيقاع خطواتها ب: "Vive Hitler". و بقدر ما كان المعمرون يفقدون صوابهم و يتطاير الزبد من أفواههم المزدحمة بالوعيد و الشتائم، كان احتفاء الأهالي بجلاد أوروبا يتأجج و قد قيد للرجل الذميم الغاضب ذي الحركات العصبية و تسريحة لوطي، الرجل الذي نفته أوربا إلى أقصى و أقسى تخوم تاريخها: صحراء الإحتقار، قيد له أن ينبعث هنا من ذرع القمامة الذي صار يراكم حوله، و يتألق في عيون الأهالي في مجد و هالة العادل الذي أذاق المستعمر كل ألوان الذل و المهانة و الجوع و الرعب. كانوا يحكون بلذة و بلا ملل عن الجيش الفرنسي العتيد الذي لم يصمد سحابة نهار. و عن أكل القمامة و أوراق الجرائد في باريس. و عن اغتصاب الآنسات الشريفات المترفعات، و عن السجون و بطولات المغاربة في نابولي و مارسيليا و بافاريا. وعن صيحة المرارة التي ختم بها هتلر أفوله الدامي" لـو كان لي سلاح أمريكي و جنود مغاربة لاستعمرت العالم". آه.. أولئك الشجعان الذين و بعد أن عـادوا من دار الحرب بعاهاتهم و كوابيس لياليهم و تخاريفهم و فرنكاتهم و كلماتهم الفرنسية التي التقطوها وسط غبار المعارك شظايا، و شح بدلاتهم الخضراء المهلهلة، و مشيتهم الموزونة، تكفل المراقب المدني و الضباط و المخازنية و المعمرون أنفسهم بتجفيف ينابيع ذلك البريق الذي يشع من عيونهم و كسر أصواتهم و ضرب الذلة عليهم من جديد حتى ينسوا أيام رفقة السلاح، و اليد في اليد، و أمجاد التحرير، و كل بلاغة الإستنفار التي رافقت رميهم في مطحنة القتال. و إمعانا في محو آثار الحرب فرض المراقب المدني على الأهالي و بدون استثناء أداء التحية العسكرية لشخصه حين يمر. آه.. ذلك الهيجان الإستعراضي الذي جندلت فيه الكلاب التي تجرؤ على النباح خلف ذيول الموكب. و وقف فيه الناس بجنبات الطرقات منتصبين و أيديهم المبسوطة ملتصقة بأذانهم مختنقي الأنفاس كتماثيل جنود ارتجلت لتوائم خيالات المراقب المدني في تحويل القبيلة إلى ثكنة عسكرية مثلى.

    في خضم ترويض القبيلة على الطاعة و إدخالها في خدر نوم شتائي طويل، عاد فتى غر من رحلة طلب علم طويلة ورج لحين الفضاء القانط بهباء نواياه و نار خطبه و حجاجه مع إمام المسجد الكبير. ثم اعتزل الناس مذعنا لحزن عميق و زفرات ملتهبة يصرفها في نزهة الأصيل على طول ساقية تامكنونت. و قد لوحظت فيه بعض أعراض المرض الخبيث: " داء المثقفين المكسورين"، إذ كان يكلم نفسه و يسير ساهما مستحث اللون لا يرد تحايا الناس و لا ينتبه للحفر و الأحجار أمامه حتى تعرقبه... و ألقت الحافلات تجارا حاذقين يكلمون الناس في كل شئ إلا التجارة، و يديرون رأسمال نزق، لا يرى، و لا يكثرت بقانوني الربح و الخسارة، تجارا بضاعتهم الكلام المتفنن في أساليب المخاطبة. و المراوح بين الهمس و الرقة و الفظاظة، ربحهم الوحيد الصداقات العميقة التي كونوها داخل القبيلة و التي دفعتهم فيما بعد في لحظات بوح صادقة إلى إخراج كل مخزونات و أسرار أنفسهم المتكتمة. بعدها نزل ذات يوم شاب وسيم يدعى عبد الرحمان اليوسفي، و اتجه سديد الخطى نحو البيوت التي أنضجها أولئك التجار لتقبل كلامه الدافئ الخجول. و لم يرحل إلا بعد أن أشرف في سرية قصوى على تكوين مكتب الحزب المحلي، و استمع لأداء يمين الإخلاص، و لقن مبادئ الرزانة و التحفظ و أساليب المناورة. و في صخب السوق، و على أبواب الحوانيت التجارية في زنقة القصب بدأ يقف تجار وصلوا لتوهم من مدن نائية و يستلون في خفة البرق و بأعين زائغة كومة مناشير من وسط رزمة ثوب، أو من داخل حبات شاي أو قوالب سكر، أو من داخل بقاريج و أواني طبيخ، و يبلغون التعليمات بكلمات مقتضبة يسترها اللغط العام. و انتظر الناس في المحطة جريدة "العلـم"، تغويهم البقع البيضاء الصامتة، الأرض التي أحالتها الرقابة إلى بلقع يباب، الجراح التي يزهر فيها الصمت الناطق و التي تفصح في بكمها عن بحر المقاومة و الإحتجاج و الحرارة الذي يقف الكلام البارد المهادن على ساحله...

    لقد ترجل التاريخ في حواري و ساحات و دور و كهوف القبيلة. لم يعد مرورا عاصفا لجند متعب و ظهائر توقير و قوادا يتأرجحون بين رضا و غضب القبيلة، و مخزنا يرعى المهابة بحملات اعتباطية تجدد فظاظتها بتجدد أخلاق التسيب و الفوضى. لم تعد للتاريخ رائحة الحرائق و لا طعم فاكهة مرة تأتي في غير أوانها. و لا أحاسيس جرح دامي لم يعرف كيف يلتئم. ذاك التاريخ الذي تحرسه اللحي و أشجار النسب و ادعاءات التقوى و الولاية. و كفت العواصم عن أن تكون رحمة و عذابا، سكرا و شايا و أثوابا و بلاغي و سروجا، و سيوفا و بنادق و غلا لايوصف، و عن أن تكون تلك العربدة الملغزة و الدامية لرجال يمرون هاربين يجلل الخوف و العار و جوههم، و يعودون متوجين مختالين. رجال لا يعرف كيف يتدبرون جندهم و عتادتهم، و لا كيف يبتدعون شرعيتهم للحكم، عواصم يقتل فيها الأخ أخاه، و الإبن أباه، و الجارية سيدها من أجل مالا يستقر تحت الجالسين، و لايطوع في أيدي القابضين: مجد السلطة المخاتل.

    صارت العواصم وصية على الهبوب. إخوة يعرفون أكثر، و يغزلون في هدأة كليلة رداء سحريا يوحد نبضهم بنبض الأقاصي و أماكن العبور، و يدلقون كلاما جسورا يعصف بفلول الخوف و النكوص، و فقراء كجميع الفقراء يقدحون في عمى الفاقة و ظلمة المصير زناد أيام عصف تبعثر الكون.



    الـملحـــق:



    قــبيلــــــــة الـضغينــــــــــــة



    هو يونس الرواندي إبن العلامة العدل الثقة المرحوم علي الصومعي الذي راح هدرا في طريق وساطة نبيلة لفض تناحر بين قبيلتي أولاد إيعيش و الزواير. عثر عليه أحد الرقاصة طافيا في مياه وادي درنة و قد خرمت الأسماك كل الأماكن الرخوة في جسده. ورث يونس عن أبيه طول قامته و نحافته و حبه للعلم و توقد إحساسه بالواجب. و تميز عنه بسيماء العذاب التي تطفح من وجهه، و جيشان صدره أبدا بالتنهدات و خصوصا تلك البلايا التي شغف بها، لعبة الورق و منها أخذ لقبه (الرواندي)، و لعبة كرة القدم. قضى سبع سنوات بفاس عاد منها بشهادة "عظيمة" حسب زعمه. عاد، تعلوه صفرة المكابدة و الحرمان، محملا بأكياس من الكتب، ينقر الأرض بخيلاء المستكبرين، و يشيع الأشياء بطرف عين تملأها الرفعة و وحشة الغرباء. و حين يكلم أوائل المهنئين يفعل ذلك بعربية فصحى مستغلقة، فيسود الصمت، و تتبادل العيون إيماءات ماكرة. فرحا بصيته المفاجئ، كان يونس يرتع في ذهول الجالسين، و يبحر بهم في مدارات العلم، مبتهجا بحركات العيون و مط الشفاه التي كان يرصدها، لكنه يملك طيبة النفس ليسيء فهمها، فتستثير نرجسيته كأي علامات افتتان و تعظيم. صارت داره قبلة لحشود من الفضوليين. كان يقف بينهم مسرورا ليحدثهم لأول مرة في التاريخ الثقافي للقبيلة عن الترقي و التنوير و سياسة المجتمع و سياسة النفس، و تصل به الحماسة إلى درجة دعوتهم لخلق خلية للتفكير في تكوين'' جمعية بني ملال الفتاة''... و القوم لا يفقهون شيئا و لا يملكون إلا أن يتظاهروا بالتمعن الشديد في موكب الإستشهادات الكثيرة التي تسند كلامه: القرآن و الأحاديث النبوية و محمد عبده و فولتير و جان جاك روسو و الكواكبي و طه حسين... و يخرجوا متفكهين. لقد دفع هذا الإقبال الجماهري الكثيف الفتى إلى تغيير مشروع حياته، فاستبعد تماما القضاء و العدولية، و أصبح لا يفكر إلا في الإمامة. لن يرضى بغيرها رحمة بقومه، سيشنها حربا ضروسا ضد الجمود و الخنوع و التواكل، سيكسر الأوثان و يذرو طبقات الغبار و يزيل الغشاوة و ينزع عن القلوب أقفالها. بدأ يتخيل نفسه فوق المنبر يلوح بالعصا و الحشود الممتنة تحته تلتقط الذرر التي يلفظها، و تتطهر من أدران التاريخ، و يتخيل نفسه وسط حلقة المريدين الخاشعين و هو يبحرهم في غياهب العلم... لكن شيوخ القبيلة الذين انتظرهم طويلا ليقلدوه إمامة الجامع الأكبر تلكأوا فحزم أمره ''رب إرحم قومي فإنهم لا يعلمون''، و أعد في ليالي أرقه خطة محكمة و سرية للإطاحة بإمام المسجد الكبير، تركزت بنودها كلها في عملية واحدة هي ضبطه أمام الناس متلبسا بشنيعة الجهل. و الإمام رجل بئيس بلا تطلعات، نسخ خطبه منذ زمن غابر من كتب صفراء. و منذ ذلك العهد دأب كل جمعة على مد يده إلى صندوق خشبي حيث الخطب مرتبة بحسب المناسبات الدينية و الوطنية مع بعض التنويعات الوعظية.

    لم يملك الرجل إلا أن يستعيذ بالله بلا انقطاع، ويحتمي بكل الذين يسبغ عليهم نعمة مرافقته إلى الولائم. حين نقل إليه أول سؤال من الفتى، تكفل بذلك بعض ممن وجدوا أخيرا قضية تشغلهم. ما مقدار المد النبوي؟ أجاب الإمام بما فتحه الله عليه، و استطاع يونس أن يطعن في الجواب، و يبين اعتماده على ضعيف الفتاوي. ثم و هو يقطر الكلام تقطيرا كأنه متحلب في فمه: مقداره من الحبوب الشعير الوسط المقطوع الأطراف أربعة و ثلاثين ألف حبة و ستمائة حبة و حبة واحدة و ثلاثة أخماس الحبة، بتحقيق و معرفة العلماء لا تخاريف الجهلة. و برغم أن الإمام رد بأن الأمر إذا كان كذلك فسيقتضي الناس الحول كله يحصون الحب الذي سيخرجونه للزكاة، فعن أي تقدم يتكلم بعد هذا؟ فقد احتسب يونس الجولة لصالحه. و عاجله بأسئلة أخرى رد الفقيه عن بعضها و تجاهل البعض. طال الأمر أكثر مما توقع، حتى أيقن في الأخير بأن خلافه مع الإمام اتخذ مجرى غير الذي رسمه، مجرى اختلاف العلماء الذي فيه رحمة للمؤمنين. بادر إلى مهاجمته في عقر داره، سار إليه عند أصحابه الخياط و الحجام و اعترضه بعد الصلاة و في السوق و دعاه للمبارزة بالحجة و البرهان، و الرجل يتملص و يستعيذ بالله من هذا البلاء، و يقاطع كل الأماكن العمومية و حين يفرغ من الصلاة يطلق ساقيه للريح. و في يوم جمعة مشهود، و بعد أن استعصى الإمام عن الضبط و قطع يونس كل حبال الصبر و التعقل، و شجعه إيمانه بأن القبيلة في صفه، وقف وسط المصلين المطرقين برؤوسهم، و قاطع خطبة الإمام بخطبة قضى ليالي في إعدادها. أطلق صوته الجهوري بالحمدلة و السلام. كان سيسأل قومه كيف يقبلون أن يأمهم جاهل رعديد لا يملك لنفسه ضرا و لا نفعا. و كان سيقول للإمام: إنك أخذت علمك ميتا عن ميت و أخذته أنا عن الحي الذي لا يموت... لكنهم لم يمهلوه، تناوبوا عليه بالركل و الضرب صامتين لأن من لغى لا جمعة له. و حملوه فوق الرؤوس حتى باب المسجد، و رموه كالخرقة بالقرب من سلسلة العميان و المساكين المنتظرين. اقترب منه أحدهم، تحسسه بعكازه ثم انحنى هامسا بنبرة تعاطف عميق :

    ــ '' إنك يا إبني تتحلب في سطل مثقوب"

    رفع يونس في وجه العالم من حوله نظرة ذات بريق وحشي. تحامل على مواجع جسده، و مسح بكمه الدم الذي سال من فمه و أنفه، و سار مترنحا و هو يتمتم بصوت كالعواء

    ــ'' آه يا قبيلة الضغينة، آه.."

    منذ ذلك اليوم احتجب في داره، و نسيه الناس إلا الجيران. كانوا في صمت الشتاء الطويل يسمعون نواحا و ابتهالات مولهة و مرعبة، ولم يجرؤ أحد منهم على الإقتراب من موطن الشؤم و الفجيعة. مع نسائم الربيع بدأ يخرج في عز الليل و يذرع الحواري بخطى انكسار و استسلام حزين. ثم خرج ذات صباح و استقبل الحياة والنور و عيون الناس بإبتسامة هازئة، قال لأول من صافحه و أراد نكء جرحه:

    ــ '' لقد شفيت تماما من داء الخطابة ''، و ابتعد...

    وقال لفتى آمن به حقا و جاء يجادله في أمر عزلته و انكساره:

    ــ'' سأل ذو النون المصري عبدا صالحا معلقا في الهواء، '' كيف بلغت هذا؟ '' فأجابه '' تركت هواي لهواه فأسكنني في الهواء''، و ربت على كتف الفتى بحنو و ابتعد...

    و ما شوهد بعدها إلا و هو يتنهد و يضرب كفا بكف ويقول ''متى سيقيئك الحوت يا يونس، متى؟''.

















































    مـــــــرآة الشيطـــــــــــــان



    طبائع الإستبـــــــــداد:



    " ارتمى على طاولة النعناع و سب ربي و رب الحاكم"...

    هو ذا المقتطف من نص الإتهام الذي تلاه الكاتب أمام الحاكم بالنيابة عن المدني البقال و عضده أ ربعة شهود، احتمى العلالي بالإنكار الشديد لقضية السب، و أقر بجنحة سكره العلني. أجبر على ذلك و قد تصرم من بين يديه الشاهد الوحيد الذي أراد أن يواجه به كتلة الإدانة المتراصة أمامه. لقد استرضى بيبينو منذ أن تسلم ورقة الإستدعاء تدبر له الكيف و الخمر و الأكل و تنازل له عن فراشه. و نام قرب الباب معرضا لهبات برد آخر الليل، و منغصا بمخاطر الغد و فظاظة الحصير الذي يؤلم أطرافه. و في الصباح خرج بيبينو من الفراش الأثير على مهله و ربت على كتف العلالي مشجعا و غسل و جهه و تناول الفطور بتمهل شديد، كان يقطر لحظات الإستعلاء التي صنعتها حاجة العلالي له تقطيرا، كأنه يريد أن يحفر في مجرى الزمن هذه اللحظات الفذة التي أصبح فيها مصدر رجاء و تعلق حميم. و في الطريق إلى البيرو أبدى تفقها كبيرا في القانون، و من خلال الدخان الذي يحجب و جهه الباهت كان يكرر نصائحه القانونية للعلالي التي احتبست أنفاسه و سابت ركبه. و في آخر انعطافة العقبة التي تؤدي إلى البيرو لاح المبنى البارد الغامض و المخازنية ببدلهم الخضراء و أزرارها الصفراء المتألقة في شمس الصباح المنكسرة، و لاحت البنادق و الجيبات السوداء و حشد المنتظرين في ظلال الخوف والصمت المسكون بالهواجس القاتمة. توقف بيبينو عن الكلام و علت وجهه المنهوك صفرة خفيفة و تلكأت خطواته. ابتسم في وجهه العلالي و طلب منه أن ينتظره حتى يقضي حاجته. دخل البستان المجاور و تصرف كأنه يبحث عن كاغد ليمسح به مؤخرته. قاده البحث إلى الجهة الأخرى. فرأى العلالي بلا غيظ و لا أسى كيف قفز حاجز الشدير الواطئ و جرى حتى اختفى بين أشجار الصفصاف و الميموزا..


      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة نوفمبر 16, 2018 5:26 pm