oumolilt histoire et patrimoine

tout se qui concerne l'histoire / civilisation et patrimoine culturelle de notre mère lala timoulilt .

المواضيع الأخيرة

» معلومات جديدة في غاية الدقة عن ايت سخمان و ايت علي اومحند ببين الويدان
الأربعاء يوليو 18, 2012 3:29 am من طرف samah moujane

» اسباب فتح الاندلس
الإثنين أبريل 30, 2012 11:39 am من طرف samah moujane

» اكتشاف جيني جديد يؤكده علماء الوراثة كل البشر ينحدرون من جزيرة العرب
السبت أبريل 14, 2012 6:26 pm من طرف samah moujane

» شذرات من تاريخ واويزغت
الإثنين مارس 12, 2012 4:27 am من طرف Admin

» العقـل الأمازيغي: محاولة للفهم
الخميس يناير 19, 2012 3:10 pm من طرف jihad bouzidi

» المغالطات العلمية والتاريخية حول الهوية الأمازيغية
السبت يناير 14, 2012 3:40 pm من طرف jihad bouzidi

» شذرات تاريخية هام هام هام جدا
الأربعاء ديسمبر 21, 2011 5:34 am من طرف Admin

» Bernard Lugan : L’Egypte pharaonique est Amazighe, un séisme scientifique
الثلاثاء ديسمبر 06, 2011 8:13 am من طرف Admin

» عيد مبارك سعيد
الأربعاء نوفمبر 09, 2011 4:41 am من طرف Admin

أكتوبر 2018

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
293031    

اليومية اليومية

تصويت

دخول

لقد نسيت كلمة السر


    زغاريد الموت: دموع ايزا الجزء الخامس وقائع حقيقية

    شاطر

    samah moujane

    المساهمات : 61
    تاريخ التسجيل : 01/04/2011
    العمر : 34

    زغاريد الموت: دموع ايزا الجزء الخامس وقائع حقيقية

    مُساهمة  samah moujane في الخميس أبريل 07, 2011 7:42 am

    مقابل ماذا؟ لاشئ، يوم من أيام الله الغفل الكثيرة، في زمن فارغ يتناسل باستمرار، ترعى فيه الخنازير و تشذب الأشجار و توسع السواقي وتكنس الحظائر و تقتلع الحشائش الطفيلية و تحرث الأرض و تزرع... و لكل واحد الحرية في أكل ما يشتهي على أن يتزود بالطعام من داره، و إلا طحنه الجوع طيلة النهار و في أوقات نادرة يصل كرم لافو مداه، فيقدم لهم كأس شاي بلا طعم محدد معد من ماركة الخنجر الرديئة و قطعة خبز ينز لبه الماء و يحوي كل المصادفات الممكنة و غير الممكنة، و ماذا غير فرح العودة الجارف لكل عذابات اليوم الهينة، للافو طاقات القبيلة الصاعدة يستنفرها كيفما شاء؛ له سر الغواية، و شرف القيادة الكاسحة، له طوق قلوب الأطفال و تلويحات الأيدي و ضحكات الإنتشاء و صياح الظفر.



    تركيــــــــب:



    حارب أحمد العزري دوما من أجل إسمه و قانونه الخاص، و عقد الولاء أبدا لمن ينقاد له قلبه لا لمن تفرضه القبيلة. حين تهاوى نازفا تحت دقة و استعجال الرصاصة التي اخترقت صدره، حزنت القبيلة كما لم تفعل في حياتها. سقط أحمد العزري في أحراش الدير القاسية بين بثور الزقوم المنورة، فعرض رفاقه الأمازيغيون أجسادهم لفوهات بنادق القناصة المتحفزين ليهربوا جسده نحو الجبل. و رغم الذهول و الضياع الذي خلفه الدخول الصاعق لجند الإحتلال، لم تتحلل القبيلة من واجب استعادة جسده الشارد ودفنه قريبا قريبا، كأنها تستعيد بذلك مجد تاريخها الزائل. لم يرفع رأسها عاليا رجل من قبل كما فعل، و لم يمرغ مهابتها و شرفها في العفر رجل من قبل كما فعل. كان وعيها الشقي و فصامها. اعترض بصدره الرصاص من أجل قطرة من مائها؛ و خسف بها الأرض في السوق و القبائل مجتمعة حين امتطى حصانه و شهر بندقيته في يده متحديا موافقتها على تزكية المامون بن الشرقي في منصب القيادة. كان يصيح بصوته الـــراعد

    " بأمر من الله

    و بامر من احمد العزري

    راه

    القايد المامون بن الشرقي معزول من القيادة

    الحاضر يبلغ الغايب

    و اللى قال لا أو ما عجبو الحال

    نتحاكمو للبارود"

    و في أيام دجنبر الباردة، سار الدرع البشري الذي شكله الضباط الفرنسيون من رجال القبيلة في المنعرجات الجبلية الوعرة ( كلفة قاسية، دفع بالقبيلة الحانقة في مقدمتها للإمتصاص كثافة أسرار الجبل و غموضه الوحشي) ساروا بعذاب ترقب الطلقات الأولى التي لن يضير الحملة في شئ استقرارها في أجسادهم، تتراءى لهم وراء كل شجرة فوهة متحفزة، و في كل خشخشة حركة غادرة، و الأصوات كلها مغلفة برنين الشؤم و الفجيعة. ساروا بعذاب و حرارة الدماء التي ستترقرق هدرا في لهفة البقاء و غصص القرابة و الإخاء. عزاؤهم الوحيد وسط اختناقات الرعب و العناء و الموت أو القتل اضطرارا تبعا لشريعة الغالب السافلة، هو أنهم استعادوا زوجة أحمد العزري وسط نيران المحرقة العاصفة التي اكتسحت الجبل، و أوصلوا الجنين الذي في بطنها سالما إلى بني ملال، ثم تعهدوه كما يتعهد الإنسان شرارة نار ناذرة في عراء نهب برد فظيع. كانوا يحرسون امتداد الوهج في الظلام المحيق، و يتشبثون بآخر خيوط أمجادهم المنقضية ، لكن الفحل الذي انتظروا ترجله بشرف غامر مسخ في ليلة غبراء عنفت فيها رياح غاضبة الدور بنتا رهيفة التقاسيم، تتناوب عليها الأمراض، سرعان ما انفضوا من حولها، و بقيت أمها تحرس الذكرى، و ترعى زمنا ركيكا لا يدركه البلى و لا ينحطم، و بجانب جدران الطين التي تحميها من اضطراب الحياة، شكلت الغربة و المرارة و عمى لغة القبيلة التي لاتفقهها جدران أخرى أقوى و أمنع..

    لقد سببت حكايات الدار المقابلة للعلالي في البداية قلقا لا يصدق، و ملأت قلبه بالحنين و الكآبة. و فوق صهوة قصبة يمسكها بين رجليه كان يهاجم على رأس كتيبة من أقرانه في مدى الحواري المفتوح و في الزوايا و فوق السطوح الأعداء الذين غدروا بأحمد العزري و يثخن في أجسادهم بلا رحمة طيلة النهار حتى تأذن شمس المغيب بالفراق. و في الغد و بلا كلل يعاود الكر و الفر و ينصب كمائن وهم غادرة و يهندس خطط الغارات الخاطفة، فوق القصبة التي تدمي فخديه في تجرجرها العصي على الأرضية الحرشاء، و بصيحات ضبط الفرس الجامح بين رجليه، و صيحات تأليب الأقران و صعق الأعداء و الظفر. كان صدر العلالي الصغير ينتفخ بزهو من يستعيد للقبيلة مجد ماضيها. لكن. أكان يلزم كل هذا الحب اليائس، و كل تلك الأشواق القاتمة ليأسر طفولته في النضال من أجل الدار المغلقة، و يرهن كل زمنه الآتي بهواجس و أحاسيس و رؤى تلك المرحلة؟ أكانت تلزم كل تلك الخيالات المعذبة حيث تحضن الأم الأسيرة بنتها وسط العتمة و البكاء و لا قوت إلا التراب، و لا أمل إلا عناصر التفسخ و الزوال المتسترة بخيوط العنكبوت و أدران العفونة، ليبصم بالنظرة المنكسرة و الحزن و الشرود الدائمين لا هو مع الناس و لا هو مع مباهجهم؟ أكان يلزم كل ذلك ليمتلك و هو الغض الغرير رهافة التقاط عناصر المأساة التي تتلبس أشد الأشياء مدعاة للحبور؟ لقد ركب العلالي شاحنة لافو و استشعر حقا لذة غامرة و اشتعل فرحا، كان الركوب يتبدى في تلك الأيام العجيبة التي امتلك فيها الحديد اعجاز الحركة و التصويت ضربا من الطيران يتحرر فيه الإنسان من صفاقة التراب، و يثمل بالخفة التي لاتحد الخفة المحمودة و المأمولة منذ الزمن الغابر. و لكن وبشكل مبهم كان يستشعر أيضا ضيقا غريبا. فقد احس بان قلب الحديد الجياش يستهدف قلبا آخر من حرارة و شوق، و الهدير الخشن و التزمير سيحجبان تدريجيا رنين السنابك و الحنحنة و الصهيل، فيتوارى عالم الخيل السحري، و قد فك رباط الدم و المغالبة و حب البقاء بينه و بين الإنسان، و انتصرت التفاهة. بعد اليوم لن ترى الخيل إلا في مشاهد ركض حزينة تجاه أعداء وهميين، و ترى غلالة دخان الطلقات الحسيرة و وجوه الفرسان المنطفئة و قد هجرها وهج ملامسة حواف الموت. جهد في هباء و عرق في هباء. فانطازيا؛ أو رقصة الحنين المكابرة و جرحه الغائر...

    ذات فجر، و بضربة خفيفة من قدمه دفع الحاج إبنه العلالي للصحو، و لسنوات طويلة سيسير وراء قوافل تجارية في أشد الطرق صعوبة و طولا، و يجوب كل الأسواق، و يجادل في الأثمان، و يذوق حلاوة الربح و مرارة الخسارة، و يعرف كل القوانين المتقلبة لذلك المزيج من المجازفة و الحظ و الدهاء المسمى تجارة. و عرف أيضا مجد المال المتنازع عليه في حروب تخاض بضربات سيوف لا ترى و لاتحدث جروحا ظاهرة؛ بل انكسارات عميقة تأكل النفس بلا رحمة. و برغم أن العلالي ذاق طعم ائتمانه على ثروة كبيرة، و لذة مهر المواثيق و العهود و التعامل بالكلمة وحدها و قد أخذ الزغب بالكاد ينمو في شاربه، فإن كل هذا لم يملأ قلبه و لم يغير الإحساس الذي لم يفارقه: لقد خلق لشئ آخر غير تجارة الحبوب. كم كان يحن أثناء عبوره الزقاق من أو نحو الدار لأيام عنترياته و لجلسات تخيلاته قرب الباب الموصد، و كم حافظ قلبه على انقباضه اتجاه ما يجري بالدار المغلقة. في ذلك الصباح الحاسم، كان قد تأخر على غير عادته في الفراش و صحا بلا رغبة في الأكل، و حين ألقى رجله اليمنى في كسل شديد خارج عتبة الدار، فوجئ بحركة خلف الباب الموصد، ثم بصرير القفل الصدئ و انفراج الباب تدريجيا، و ذهل لخروجها، لم ير التهاب و جهها بحمرة شفيفة و لا الرعشة الباردة التي سرت في كل جسمها. كانت ضربة خاطفة صاعقة. فعد خطواتها السريعة و الرشيقة التي تنقر الأرض، لم يستطع في وقفته الواجمة أن يستعيد ملامحها، فيض باهر من النور تفجر من وجهها و تناثر في الهواء، ‎لم تكن الرؤية ممكنة لكن الجسد و بقوة إشراقية أترع بتجليها، عاد إلى الدار و ساءل أمه عنها، و حاول في ارتباكه التام أن يصفها لها. لكنها كانت غير قابلة للترجمة لا بكلمات و لا بتخيلات. و بوجه باسم تخالطه الدهشة أخبرته بأنها يامنة بنت أحمد العزري.

    جرجر رجليه نحو السوق مجروحا مخذولا، و قد تبددت كل أوهامه القاتمة التي شيدها حول الدار. و الألم الذي أدمى قلبه طويلا كان غير ذي موضوع. و الأيام و الشهور بل السنون التي قضاها مشدودا إلى حبل أشواقه الملتاعة لتخليص الأسرى من تحللهم البطئ راحت هدرا. و إحساس فظيع بالخجل من النفس يحفر عميقا في قلبه. يا التأوهات الحمقاء؛ لن يستطيع استعادة تفاصيل وجهها. نعم. لكنه لن يشكك في كون آكلة التراب الصفراء المحتضرة مضت أمامه تتقطر حيوية و حياة. تمارض و عاد إلى الدار، و من يومها لم يعد يعرف كيف يقضي ساعة كاملة في السوق. و عرف جسده لأول مرة أعراض عياء كبير تفاقم حتى ألزمه الفراش و أفقده الشهية.و صار جسده لا يستجيب إلا للأصوات التي تنبعث من جهة الدار المقابلة، يلقي بالألحفة و يجري كالممسوس إلى عتبة الدار ثم تعيده الخيبة ميتا إلى الفراش. أتكون الحياة من القسوة بحيث تحجبها عنه عمرا آخر؟ بالطبع كانت عين الأم تراقب، و أدركت سريعا سر القوة التي تتملكه، ليجري كهبة ريح قوية إلى العتبة. و في كل ليلة كانت تكلم الحاج في أمر بنت الجيران...

    كان الزواج الأكثر قابلية لضمان حياة هادئة و سعيدة اقتران مجد المال بمجد الشرف. دفع له العلالي دفعا بإصرار من الأم و يقينا تاما بأنه الوصفة الطبية الوحيدة للشفاء من مرضه الغريب. و قبل هو الزواج في اختلاط الأحاسيس الكثيرة التي استولت عليه. لأنه سيمنحه إمكانية رؤيتها مرة أخرى. و إطفاء نار فضوله و أشواقه العاصفة. لذا تعجل كل المراسيم. و في ليلة الدخلة، و قد بقيا لوحدهما، مد إليها يدا متهيبة و لكنها مصممة، و أزاح اللثام الذي كان يغطي وجهها. و على ضوء القنديل الضعيف استطاع أن يرى الوجه الطفولي العريض و العيون الحوراء المنكسة، و الفم الصغير ذو الشفتين المكتنزتين المضرج بحمرة قانية، و الأنف الأشم. و رأى كيف صنع الخجل و الخوف في خديها الأسيلين بقعتين بلون المشمش البلدي و كيف كانت تضغط الثوب بيديها الصغيرتين المخضبتين بالحناء في توتر و تنازع بين النفور و الرغبة في الإستسلام، و كان عليه و حسب وصايا الرجولة الخالدة التي يدجج بها العريس ليلة الدخلة أن يحسم ترددها بتحية عنيفة، صفعها حتى ارتسمت أصابعه في خدها. نهضت من الفراش و الدموع تتدافع في عينيها و هي تشيعه بنظرة وحشية، و بيد جمعت أطراف فستانها (اليد الأخرى كانت تتحسس موطن الألم) ثم فتحت الباب و اجتازت باحة الدار وسط دهشة المدعوين الذين كانوا ينتظرون قربان الدم، و سارت إلى دار أهلها؟ و بتوسلات و بوساطات لا تحصى أعيدت إلى دار العرس. و من يومها لم يعرف العلالي كيف يتصرف معها كرجل. كان عليه أن يحتمل نوبات بكائها الطويلة ونوبات غضبها و أيام مقاطعتها له. كانت جمرة من الكبرياء و الأنفة، يستثيرها الصراخ والنبرة الغاضبة و الفظاظة المميزة المحملة بها لهجة القبيلة، توقيع كل البدو الغاضبين الذين تعاقبوا على المكان. و لم تبدل أي مجهود في تخليص كلامها من هجانة طالما استثقلها إذ كان نصف جملها مكونا من كلمات أمازيغية. ثم إنها و بهوس تام و حكي لا نهائي، تختنق فيه مقاطع كاملة جعلت العلالي يعاشر معها طيف أبيها، يحضر في الأكل و إغفاءة القيلولة و جلسة الشاي بعد العصر و جلسات التأملات الشاردة و عذابات النوم الذي يمزق غالبا بتهيؤات غريبة . فقد صحا العلالي مرارا على صوت صهيل و ارتطام حوافر حصان في باحة الدار وخرج إلى الباب ليراه ملتحفا بظلال غسقية لا ترى منها غير بندقية، و حين يهم بتكليمه يتبخر في الليل الرحب. كانت يامنة تمتح من إرث خوارق لا ينضب. و العلالي ينزلق إلى مهاوي الندم و العذاب. فقد سبر مرارا صورته في تعاملها معه، و لم يجد سوى حزمة من التفاهة. فهرب إلى السوق و قد تآكلت كل مخزونات الإعتبار لشخص أحمد العزري. فترجل من كل خيالات الصبا. و صار فقط حجابا من الحكايات التي لا تصدق تحول بينه و بين زوجته...

    بحث العلالي عن ذاته بقوة في دنيا المال. لم يعد يصل الدار إلا لماما. و بعد أن افتكر الله أباه، دبر تجارته بمعرفته و وسع شرايينها حتى وصلت مراكش و الدار البيضاء. و بحدس غريب خزن في السنة التي سبقت العام الأكحل في كهف دارهم الفسيح مالا يحصى من قمح و ذرة و شعير...



    خبـــــــــــــــــر:



    (مخافة صقيع البرد و لهيب الحر و خصوصا ضربات بنادق و خناجر القبائل الغازية عمد أهل القبيلة في أيام السيبة إلى حفر أنفاق شاسعة و متصلة تحت الدور يهربون إليها عندما تنهار مقاومة السور ذواتهم و بهائمهم و مأونتهم و كلابهم و دجاجهم. و يحتمون بمناعة أبوابها و غموض دروبها و عتمتها الشديدة من إقدام أشد الفرسان جرأة، فتحيا القبيلة تحت أقدام الإحتلال الذي لا يدوم من الملل و الخوف مما يعتمل داخل الأرض. حياة كاملة و سرية كالهوام لاينقصها إلا نور الشمس. و مع أول قذائف المدافع التي صوبها الكولونيل اوبير نحو القبيلة، فهم الناس و هم يرون كيف ردمت الحيطان و نفذت في الأرض حتى كشفت أحشاءها أن عهد الكهوف قد ولى، فهربوا إلى الجبال أو استسلموا، و حولوها بعد ذلك إلى مستودعات للتبن و الفحم و لتصريفات الماء و الفضلات، حتى حق ليونس الرواندي أن يقول في ساعة غضبه: "كيف يرجى الخير من قبيلة تعيش فوق بركة من الخراء و البول؟".)

    و حين كانت تخرج النعوش من الدور تباعا و وراءها رجال يحشرجون من التعب و الجوع، و نساء ينتحبن بلا دموع، حين اقتعد الناس الطرقات، يمنعهم الوهن وحده من افتراس بعضهم البعض، بدأ العلالي يخرج ما ادخره بعيدا عن أعين السلطة و يبيعه في السوق السوداء.فجمع ثروة، امتلك بعد ذلك الترف اللازم لإهدارها في شراء حافلة متداعية، إرضاء لبعض خيالات الصبا و لرغبة معقدة في تحقيق بطولة ما بإمتلاك ناصية هذا الوافد الساحر: التكنولوجيا.









    شــمــيــحــــــة



    لقد فكر شيمون بلولو حقا في صرف النظر عن المغامرة كلها. لكن القوة و الحرارة التي اعتصر بها العلالي يده الرخوة في يده، و البريق المطمئن و الخاطف الذي التمع في عينيه المجهدتين أبدا قبل أن يولي وجهه. دفعوه للتردد. و للحظات أحس بخيبة قاتلة و خواء فظيع، استغله إسو و العلالي فساعدا إيزا و القابلة على الصعود إلى العربة الخلفية للشاحنة، و ركب إسو بجانب العلالي في كابينة السياقة. و حين هدر المحرك، انتفض شيمون في وقفته الشاردة الحائرة، ثم أسلم نفسه للصيرورة التي جرفته منذ بداية القضية كلها و لم يملك الفرصة و لا القدرة على التأثير فيها.

    تهالك العلالي على المقود، احتضنه بصدره و كلتا يديه و حدق في الطريق. و طيلة رحلتي الذهاب و الإياب خلد للصمت، و كأنه يقدم لشيمون بذلك البرهنة التامة على أن سره لن يظل فقط في غياهب بئر بلا قرار، بل لقد ختم عليه أيضا بالكثافة السميكة للصمت الذي جبل عليه. ألهبت الشمس الأرض طيلة النهار بشواظ من نار. و ها هي الأشياء قد دأبت على التحرر من الصهد. لذا لم تنجح الإندفاعة المتعثرة للشاحنة في المسرب الحجري إلا في تحريك هبات ساخنة بالكاد استطاعت أن تنفخها الريح الراكدة. غرق شيمون في الإختناق الذي تظافر على تأجيجه الحر و الهلام المعتم الصامت الذي كانت أضواء الشاحنة تشق فيه بصعوبة بالغة خطين رهيفين للرؤية و خصوصا سخرية الحياة، التي اقتضت أن يأتمن على سره الرجل الذي تحارب معه طويلا و ادخر له في أيام خلت أشد النوايا سوءا. و برغم أن هذه النوايا قد استحالت فيضا عارما من الشفقة و إحساسا أليما بالمشاطرة، لما انهار أمامه و رفع راية الإستسلام، فإنه لم يتحرر طيلة الشهور التي شغل فيها العلالي كمنادي بالوكالة من أفكار و هواجس دعته دائما للحذر. و احتفظ قلبه أبدا حين صفا ذهنه تماما تجاهه بحبكة عصية من الثقة تخامرها من حين لحين ريبة قاتلة. كتلك التي تحفر في قلبه الآن . فيحدج إسو بنظرات حانقة لا امتداد لها في العتمة الثقيلة التي احتلت الفجوة الحسيرة التي تفصلهما. لذا يمضي إسو غير مقدر للعذاب الذي سببه لأبيه باختياره ذاك، و غير شاعر بالنظرات القاسية التي تتابع حماسته المفرطة في تتبع الطريق المتعرجة و التي كلما ازدادت ارتفاعا ازدادت سوءا و خطرا. يقبل بكل حواسه، بغضاضة قلبه، بحرارة فتوته على المغامرة كلها، منذ أن لم يجد والده في ارتباكه الأقصى غيره ليشركه مخاوفه و قلقه المرضي. لم يكن يريد أختا تؤنس وحدته (لم تواطأوا على أن المولودة ستكون حتما بنتا؟) و لا كان يهتبل بكل كيانه أول فرصة تحرره من جلد الصبا و غشاوة الغرارة. أراد فقط أن تتوقف سنوات البكاء الأليمة، فيرى وجه أمه بلا جفون متقرحة ندية و لا تجاعيد و قروح خذلان تام، و أن تستوي الدار على إيقاع آخر غير إيقاع النشيج...

    لكن أتكفي بضعة كلمات لردم الهوة السحيقة التي تفصل اللحظات التي تركنا فيها شيمون و قد تحرر لتوه من الخبيب المذل و راء مدام لانسو، وركوبه المعذب الآن داخل كابينة السياقة بجانب إسو و العلالي، لتتبع خطى الزمن الرشيقة و المتحررة من كل تعاقب بليد؟ أتكفي بضعة كلمات لتتبع القدر العجيب الذي نصب الرجل الخجول الغريب الذي يلتصق بالحيطان في سيره لكي لا يرى، و يلبس ثيابا قسيفة و مشمرة كأن القبيلة غارقة أبدا في فيضان، فوق إحدى أكبر الثروات في البلاد، ذلك القدر الذي كان فيه الجهد و الدهاء و حسن التدبير نوافل أمام تدابير القوى الخفية و فخاخها التي دفعت شيمون رغما عنه إلى الواجهة؟...

    في السنة التي سقط فيها شيمون من فوق الشجرة، و هجر الضيعة، عين ضابط شاب للشؤون الأهلية بالمنطقة كان يعنى بشاربه و حذائه. لايعرف من الأدب إلا بعض خرافات لافونتين لكنه و من أجل عيون المدام (كان قد صعق بجمالها في أول زيارة استكشافية للضيعة)، أخذ يحفظ عن ظهر قلب بعض المبالغات الأدبية من هنا وهناك يفاجئها أبدا باستظهاره لها دون مراعاة سياق الكلام و لا مقتضيات الأحوال وفق فكرة عسكرية متصلبة تتصور الأدب عبارة عن حشد من الكلمات الطائشة و الملقاة على عواهنها. حرر الضابط المدام شيئا فشيئا من هوسها العلمي. و بعد شهور هجرت موسوعاتها و تجاربها و اكتشافاتها و تركت الحشرات و النباتات المجاورة لبلادة مصيرها العضوي. و صارت لا تخرج في الأصيل فوق حصان أبيض إلى الطبيعة حيث يلتحق بها الضابط، إلا لإستراق القبلات و الآهات. و كان المزارعون و الرعاة و الفضوليون من وراء الأشجار و من خلال النباتات يرون مشاهد تتكرر يوميا كأنهم أمام فيلم من أشد الأفلام العاطفية سوءا و اختناقا بالعتاب و الدموع و التوسلات و الجثو على الركب و الحركات العصبية. الضابط في احتدام هواه يدعوها للهرب. و هي تبكي من فرط التمزق... و في الليل تعود لتنتقم لعجزها من الخادمات الصغيرات و من السيد لانسو نفسه. فتطرده من حجرة النوم و ترميه بما اتفق. و الرجل الطيب يلقي بوحدته في الليالي الطويلة و بضربات الغيرة و نظرات الإحتقار الذي صار يشيع بها حيثما حل، و وشوشة العمال خلف قفاه، فوق براميل خمر اعتصرها لتفي بالواجب في المناسبات. يمد قصبة خرمها من الداخل و يمص حتى لا تعود رجله تسعفه فينام هناك غير بعيد من الخنازير...

    استغل شيمون الضابط استغلالا كاملا، إذ لم يكن بمقدوره رفض توسطات السيد، فمضى في عالم التجارة مدججا بعين و يد السلطة و حشد من التصاريح و حقوق احتكار معظم المواد ذات القيمة في السوق. و كلما فاض المال عن مجال نقله إلى مجال آخر حتى وصل إلى دنيا النقل. فأسس شركة صغيرة سماها" شركة شيمون بلولو للنقل" بدأت بحافلة واحدة تسير بين بني ملال و الدار البيضاء. ثم نبتت الحافلات في كل الخطوط الأخرى. و ضجت بعناقيد البشر فوق المقاعد و في الممرات و فوق الأمتعة. و حين يضيق الداخل يثبت البعض رجله و يده حيثما وجد ليسافر بباقي جسمه في العراء. و في مقابل هذه المراكمة الحثيثة للمغانم في الحياة العامة، كان شيمون بلولو يراكم الخيبات و البؤس في حياته الخاصة. لم تكف كل هذه السنوات الطويلة لتذيب ملح حكاية العودة في فم إيزا؛ و لا جعلها كل الخير الذي تدفق تقبل على الحياة. و يئس تماما من إسو إذ لا مكان لسذاجته و طيبوبته في دنيا المال. و لكن هل هناك نذر لم يف به شيمون؟ أو وال صالح لم يسر إليه محملا بالهبات؟ وهل هناك دواء وصفته إحداهن و لم يبعث في طلبه و لو كان في جبل قاف؟ و لقد أدى الصلوات و انفطر قلبه من شدة التخشع و الدعوات، و فتح باب داره لكل عابر و خصوصا الأحبار الرسل الورعين و الزهاد منهم و النهمين و الشهوانيين، الثقاة منهم و المزيفين، الداعين لأرض الميعاد و الداعين لأنفسهم، الذين تلهب خطواتهم نصوص الثوراة و الذين يلهبهم رنين الفرنكات. و أعطى لهؤلاء و أولئك بلا حساب. احتمل كل شئ سنوات و تغافل و هم ينتفون ريشه، عسى أن يحتمل بطنها الجنين تسعة أشهر فقط لكن البطن الجاحد المخاتل القاتل لفظهم واحدا واحدا و هم بالكاد يتبرعمون. و بعد كل خيبة تثور في وجهه و تدعوه للعودة من حيث أتوا و لايجد شيمون الرغبة و لا الشجاعة لتكرار نفس الأسباب التي طالما تذرع بها فيخلد للصمت أو يغادر الدار حتى تهدأ...





    نصــــل الــشــــرف:





    لعله الحمل الأخير، قالت القابلة هنو، بعده لن تتحرك أحشاء إيزا أبدا، سيصبح بطنها كالأرض البوار الميتة لا تفلح فيها قطرة ماء. و فيما كان الناس يقفون مصطفين أمام الخيرية أو منتظرين قمامات المعمرين، كانت إيزا تصارع ما هو أقسى من الجوع و الوباء: الموت الرابض في رحمها و كأنها تخوض غمار جولة أخيرة و حاسمة. لذا لن تقنع هذه المرة بزيارات هنو القابلة المتفرقة. ستستبقيها عندها حتى يفرج الله عقدتها. و هنو إمرأة تلتحف السواد أبدا كالخفاش. جاوزت المائة بكثير لكنها احتفظت بكامل قواها و حيويتها، وحده فمها أقفر، و هي تنتظر نبات الأسنان الصغيرة البيضاء كأسنان الحليب، ذلك الإنبعاث الساحر الذي ترمم به الحياة بعد المائة كل ما أفسده الدهر. تراث متحرك، حكايات، تواريخ، طب أعشاب، سحر، إرشادات في أمور الدنيا المختلفة، دسائس و مؤامرات. الوجه الأكثر إطنابا في التواجد بالبيوت اليهودية و حتى بعض منازل المسلمين، هنا و هناك تضرب هنو بسهامها إما حلالا أو حراما، حتى أحكمت في فضاء القبيلة نسج شبكة مترامية ذات خيوط رفيعة ظفرت من أسرار و خفايا و حاجات، أعمال إنسية و أخرى شيطانية جمعتها في يديها و صارت كالعنكبوت تستجيب لأدنى تردداتها. كان بعضهم يعاكسها" هل أنت يهودية أم مسلمة؟'' فتمصمص فمها و تمطه: ''يهودية و مسلمة و من كان معه الحق يوم الحشر تبعته" و تمضي و قد خلفت قهقهة ساخرة تتدحرج وراءها.

    تعهدت هنو الجنين بكل خبرتها، هندست حركات إيزا و حفظتها أدعية مولهة تذيب قلب الحجر، أكلتها مساحيق أعشاب مرة، دفعتها لشرب دم سحلية استوردت من بلاد السودان، طافت بها سبع عيون شربت ماءها، و جمعت تراب سبعة غيران نمل، و علقت صرته بالباب. لكن الجنين سقط في شهره الثامن. أوشكت إيزا أن تجن، نتفت شعرها و حفرت في وجهها بالأظافر ينابيع دم فوار. و في لحظة نادرة في حياة هنو، تلبد و جهها بغيوم حزن عميق. و بكت بدموع جافة و انسحبت. و في الليل عادت تسأل إيزا بأمومة حانية، هل عرفت إحداهن بسقوط الجنين. و لما اطمأنت للجواب دعتها لكتمان الأمر، و صنعت لها كرة من الشراويط على هيئة بطن منتفخ أمرتها بشدها على بطنها، ثم حكت لها بصوت خفيض عن الفتاة بنت العائلة الكبيرة، التي كانت تنام في سطح الدار (على عادة أهل القبيلة حين يشتد الحر). و في الليلة التي ينشغل فيها أبوها و إخوتها بأمر الماء، البعض يسقي الغلة و البعض يجاري و يحرس مفاصل السواقي، و لا تحتمل أمها تأثيرالنجوم و برد آخر الليل فتهبط، تمتد إليها و هي في عز النوم يد إبن عمها القوية، تعتصر نهديها، تشدها إليه بقوة، و تلقم فمها الذي هم بالصراخ شفتاه الغليظتان. هربت جسدها نحو كل الجهات و دفعته بكل قواها و هي تستغيث بصوت مخنوق، لكنه بقي ملتصقا بها كأن لحمه خيط بلحمها، و ساقتها آلام في أحشائها و مشاعر غامضة و متناقضة، و بعد أن ضاع كل شئ، لغيبوبة طويلة لم تكسرها إلا أشعة الشمس الأولى التي ترقرقت فوق وجهها و فوق بقع الدم الناصلة التي زاحمت ألوان ثوبها.

    بعد خمسة عشر يوما بلغ دور الأب و الإخوة في الماء. و هبطت الأم كالعادة، فامتدت نفس اليد لنهديها و هي تتظاهر بالنوم. هذه المرة لم تقاوم، لكنها و هي تفتح رجته أن يكون رجلا، فوعدها بأنفاس لاهتة و متقطعة أن يتقدم لخطبتها قريبا. لكن الوباء كنسه و معه وعده. انقطعت العادة الشهرية عنها. ثم نمت في رحمها حركة غريبة. ترددت طويلا قبل أن تنهار أمام أمها و اعترفت بكل شئ بعد فوات فرصة إسقاط الجنين بلا مخاطرة بحياتها. و لأن الغلبانة لن تنجو لو افتضح أمر بنتها، فقد دبرت مخرجا لائقا: أخذت تنتاب البنت من حين لحين جدبة شديدة، تلخبط في الكلام، تمزق كل ما حولها ثم تفقد الوعي. قرأ فوق رأسها أشد الفقهاء معرفة و حماسة، و اختنقت الدار بأنواع البخور، علقت مالا يحصى من طلاسيم و أحجبة و لكن بدون جدوى. فلم يعد هناك بد من أخذها إلى الولي بويا عمر حتى يفك سراحها. بالطبع لم تأخذها أمها هناك مخافة مرور أحد أفراد القبيلة بالمكان. و سارت بها الى قبة ولي مغمور ضائعة في الجبال المحيطة بأزيلال، لا يكاد يعرفها أو يصلها أحد. ثم و قد تغيرت نبرة هنو الحانية: البنت ستلد بعد أيام، هبة الرب لك. ستأخذين المولود، و لن يشكك مخلوق في كونه من صلبك. فالكل يعرفون أنك حامل و على وشك الوضع هذه فرصتك التي لا تعوض يابنتي. فلن تجرؤ في يوم من الأيام أن تطالبك به. أنا أضمن لك ذلك.

    في تلك الليلة التي طلبتها إيزا مهلة للتفكير، لم تعرف النوم. تحرقت فوق نار مزيج من الرغبة و التردد، قاومت بقوة ضربات كبريائها و لم تستطع إخراسه. لن يكون لها ما تفاخر به. لقد انتظرت كل هذه السنين، غمرتها الأيام الحالكة و أذابها رماد الكآبة. و في ظلمة قلبها ظل يخفق أمل في لحظة انتصار تستعيد بها إيمانها بقدرتها على العطاء. إن المولود الذي ستتبناه سيعزيها قليلا لكنه لن يحررها من عذاب الفكرة التالية: حرمانها المطلق من تلك اللحظة المجيدة المليئة بالشوق و الأنين و المباهاة الأليمة، التي تتحرك فيها الظلمة الأبدية و تقذف في وجه العالم صراخا مهيضا، لكنه يعلن بتصميم ها أنذا،لا، ليست فظة و لا قاسية القلب حتى لا تفكر في آلام البنت. لكن ما مصير المولود؟ فحتى إذا ما نجا من الموت خنقا فإنه سيعيش لقيطا يأكل القمامة و يخاطب بأقبح النعوت...





    آيــــــة التـمـــــــــــزق:



    تكاثفت الظلمة، انتصبت صلدة منيعة. تخدشها أضواء الشاحنة بمشقة بالغة، و في المرآة الإسترجاعية يرى العلالي كيف تلملم نفسها على جرحها و تخفيه، صار الصعود أكثر صعوبة، و في كل عقبة يمر المحرك من مخاض عسير لا يلد استمراريته في الحركة إلا بعد أن تنحبس أنفاس الراكبين و تنقبض قلوبهم من الخوف. فمن حولهم غابة العرعار كالبحر الغويط صامتة و محايدة لكنها متحفزة و منذرة بكل الشرور. مد العلالي يده إلى الخارج، أراد في الإصطفاق الشديد لهبات الريح بها تلمس تلك البرودة التي أخذت تتغلغل داخل كابينة السياقة. كانت الأشجار تروح عن نفسها و تزفر بقوة رطوبة عذبة رحيمة. انشغل شيمون باستعادة ذكريات و أهوال رحلته القديمة جدا. استعرض ذبالات صور هشة و هاربة، و توقف عند ذلك الوجه الوضاء، تذكره بوضوح و صفاء، كأنه فارقه لتوه، وجه الفارس الحزين، الزطاط، و هو يودعه بنظرات أسيفة متقدة و متعالية ثم يعدو نحو حتفه.

    دفع المروق الخاطف لحيوانات فزعة و مذهولة أمام الإندفاعة الكاسحة للحيوان الرهيب العلالي للتفكير في الخطر الكبير الذي يمكن ان تتعرض له إيزا و القابلة، إن كان بالقرب من الطريق فهد جائع، فضغط دواس السرعة بقوة. ضغط فوق قدرة محرك الشاحنة و فوق قدرته على التحكم في مقودها، بشراسة و استعجال من يهرب روحين من لهوات وحش عادي. أدمت الإهتزازات العنيفة و المتلاحقة جسد شيمون، و أصابه هدير المحرك بالصمم. لم يجرؤ على مخاطبة العلالي ليخفف السرعة لكنه أبدى امتعاظه الشديد بسيل من التنهدات و التأوهات...

    فجـأة انعطفت الشاحنة و في الوقت الذي بدت فيه الطريق الغامضة الرهيبة بلا نهاية، كان بواب القبة يمنحهم بضوء قنديل يؤرجحه في يده إشارة و نعمة الوصول. ترجل العلالي و إيزا و القابلة. و فضل شيمون أن يبقى هو و إسو في الشاحنة. اجتازوا امرأة تئن قرب باب القبة. و ساروا إلى الدار المجاورة. كانت في ركنة قصية ممددة فوق حصير، من فظاظته للحمها تحضن بيدها اليمنى وليدها و تصعدهم بنظرة ينكسها الوهن و ثقل الشعور باقتراف الخطيئة. انكبت هنو على الوليد مهللة و حملته في يدها و هي تردد" مباركة مسعودة". و في عيون إيزا تكاثف حزن عميق و شفقة جامحة. كان العلالي يتأمل الغرفة الخالية من كل مظاهر الرقة و الدعة، كالغابة التي عبروها موحشة، كالمهمة التي جاؤوا من أجلها قاسية. و حين ثبت عينيه في وجه البنت ارتج قلبه كأنه وخز بحديد ملتهب. من فم إسو جمع كل التفاصيل اللازمة، و استدرج الفتى الطيب، حتى نفض أمامه مزود الأسرار كله بما فيه حكاية البطن الكاذب الممتلئ بالشراويط. و لم يخدش البداهة بشك أو غيره في أن البنت يهودية بئيسة انزلقت لدائرة الحرام الشنيعة. و قبل المهمة لأنه سيغتسل أخيرا من كل الذل الذي جلله به شيمون. كيف فكر فيه هو بالذات؟ و كيف يمنحه هو الذي حاربه أياما سر أسراره؟. في كل تفاصيل الرحلة لم يفكر في البنت إلا قليلا و بمشاعر إزدراء قوية لكن و هو يتفرس في وجهها و يعرفه، رغم سيماء المرض و الخوف و الفاقة و ثقل مشاعر القهر و الخذلان. كانت تصعدهم بنظرة استغاثة، و وقفوا هم شامخين كملائكة عذاب يوقعون قصاص حرمانها من ثمرة الخطيئة، إذاك أرسل العلالي تنهيدة حارة. لقد روعه واقع أن البنت من أحد بيوت القبيلة المسلمة، اجتاحه إحساس بغيرة رهيبة. امتزج فيها، ماذا نقول؟ دوار الحمية الدينية و الأخلاق بالعصبية، فببرودة متآمر، هتك شرف القبيلة و مبدأ مغالبتها و عزتها، تكثير سواد الأمة. الإنجاب للكر و الفر و زوابع الغبار، فهذا اللاشئ الذي تحضنه القابلة، نأمة الروح قد اثقلت منذ المجامعة المرتجلة في هول الليل و الخوف بذاكرة و أحلام و أحقاد القبيلة، و هم يقودونها للنفي خارج ذاتها، نحو الإزدواج و حياة مجروحة متنازع عليها...

    أرادت القابلة أن تخفف من التوتر الذي خنق الجو، فوضعت سبابتها في فمها لتزغرد لكن صوتها خرج مخنوقا في ما يشبه صرخة ألم. أخذت البنت وليدتها لترضعها لآخر مرة، وسقتها حليبا و دموعا و لوعة. لقد هم العلالي بطردهما و تدبير مخرج آخر للبنت. لكن النظرة اليائسة المستسلمة التي شيعتهم بها، و هي تعيد الرضيعة إلى القابلة، بددت عزمه فاكتفى بانتزاع البنت من يد القابلة، و بصوت متهدج تعمد أن يكون مسموعا، و بسحنة غاضبة، كرر في أذنها كلمات الآذان. على الأقل في الصفحة البيضاء لقلبها و ذاكرتها، سيوشم نداء الإسلام، و ستختلج مبكرا خطى الشريعة المحمدية. ارتحال قصي لكنه محكوم بالعودة للبدء. كان السلام الداخلي الذي غلف العلالي و ليد إحساسه بأنه مهر للبنت السياق الذي لا فكاك منه. و منح وجهه رغم استعصاء تقاسيم وجهه على البشر بسمة ساخرة. كل الأقنعة الزائفة التي ستحملها قيد لها سلفا أن تنقشع كسحائب الغبار ليظهر يوما ما الوجه الحقيقي.

























    الــــــــــــــــــذبيـــح





    النزول إلى الجحيم:



    في آخر كل ليل، كان صمت المقبرة العميق يكسر بالخطوات المتعثرة و بالغناء المنفلت و بالصياح و السباب و بالكلمات التي لا معنى لها، فلكي يختزل الطريق إلى نوالته، كان يخترق المقبرة، يدوس القبور في غالب الأحيان في صخب و أبهة الحي الوحيد وسط عالم من الموتى، يعرقب الشواهد و يخط وقع خطاه فوق التراب الحي للقبور الجديدة، و قد يبول و يتبرز فوقها بلا حرج، بخفة و شهادة كائن سرمدي لن تستعيده الأرض يوما و تطويه بداخلها. و في ليالي أخرى يجتاحه البكاء، تسند خطاه موعظة الموت القاسية فيحاذر القبور واحدا واحدا في وقار و احترام كبيرين، أو يتهاوى فوق أحدها فيحضن رأسه بين فخديه و يبكي بدموع مدرارة أمه التي تركته؛ كان يستغرق في نواحه حتى يكفكف دموعه و ينبه حواسه برد الصبح القارس.





    خبـــــــــــــــــر:





    (كانت القبيلة تدفن موتاها حيثما اتفق: في السوق القديم و المديولة و قرب عين سيدي بو يعقوب... كل الأمكنة مشرعة لاختلاط قوى الحياة بقوى الموت، مشاعية عادلة للمجال. يأخذ معها الموت كامل حقه في المشهد اليومي، ففي زمن الحرب الطويلة حول الماء و سلاسل القتلى المراق دمهم يوميا، يكف الموت عن أن يكون أمرا مرعبا يجب إخفاء و طمس آثاره و تركيز حضوره في فضاء مغلق منيع، تنثر القبور هنا و هناك و بعد حين تضيع معالمها تحت الأقدام و الحوافر في صخب و ابتذال الحياة. محو جذري لكل العلامات و الرموز و التمظهر البصري للفقدان. لكن ذلك ليس أبدا إنكارا للموت بل تذويبا و استعادة للإنقطاع المؤلم، كتابة في بياض، ورتقا للإنفصال السحيق؛ وحدها الذاكرة تداوم على مقاومة التلاشي و حراسة الحضور. حلت القبائل يوما تستجدي بقاءها من الخيرية، من فضلات الدور، من وهم الخصب الذي تخلقه كثرة عيون الماء. و صفت خيامها بجانب السوق تقتات هباء الإنتظار، و تتلقى الضربات الصاعقة للموت. و لا يقو البدو على نقل موتاهم بعيدا. فيدفنونهم حيث قبضت أرواحهم، داخل الخيام و بين الأوتاد و في المسارب. و حين رحل من عافهم الموت منهم، و جمعت الخيام، تكشف الفضاء المائل الكبير مطرزا بنتوءات كثيرة، قبور نكرة بلا شواهد، لن تستوقف أحدا للبكاء يوما، علامات إدانة قاسية. فكثيرا ما تبدد التراب الذي يستر الجثث. فانبثقت النتانة و الجماجم و العظام الرميم. لا، لم يعرف أبدا قابيل كيف يواري سوأة أخيه؟. اضطر المراقب المدني لتسوير المكان بحائط صغير. كان يتفتت بفعل هبات الريح وحدها و نواح اللوعة الذي ترسله الثكالى. و رغم ذلك صار للقبيلة مقبرتها الرسمية..).

    و بدافع السكر أو الإشتباه أو لأنه لايريد أن يطول الطريق أكثر من اللازم، كان بيبينو يعتبر أول قطعة صفيح تقابله باب نوالته. فيخلخلها بيديه أو يسويها مع الأرض بضربة من رجله. في الأيام الأولى كانت الجلبة الكبرى التي تحدثها مداهمته المروعة بين بناته و زوجته، تمزق نوم الناس جميعا بحي نوايل المخزن، و تدفعهم للخروج و بأصوات مبحوحة و غاضبة و وجوه معذبة. أخذوا في كل مرة يستنكرون البلاء الذي أصابهم. لكن يوما بعد يوم أخذ ما يجري في النوالة القصية يندرج في المشهد اليومي الإعتيادي. و صار صخب آخر الليل قدرا لا مفر منه، كصياح الديكة، و آذان الفجر في قلوب معرضة. فأسلم الناس البنات الأربع و الزوجة لمزاج الرجل القصير الذميم، يرفسهم مرة أو يقيء عليهم بل إنه كثيرا ما يلصق عضوه المنتعظ بمؤخرة إحدى بناته في الإلتباس التام الذي تخلقه شدة العتمة و عمى الرغبة أمام الأجساد المهراقة تحته...

    كانت أصوات الإستغاثة و العويل الحاد و البكاء الفاجع الذي تنتهي به الفوضى، تخلق لدى الناس تصورا يخالف تماما ما يقع. ففي كل مرة تطأ فيها رجل بيبينو النوالة سكرانا، كان يتعرض لبهذلة كبرى، تتناوب عليه فيها الأيدي و الأرجل الكثيرة بالدفع و الضرب، و يحفر و جهه بالأظافر أخاديد، و تمزق ثيابه أشلاء، إذ كان يستثير كتلة بشرية متراصة و متحفزة تؤججها أحقاد دفينة. و أمام هذا التكالب العائلي المحموم الذي تعضده في الصباح النظرات الحانقة و المكتئبة التي يشيع بها في خطوات انسحابه المخزي من طرف الناس جميعا، منح نفسه هدنة طويلة لم يقرب فيها النوالة. و لم يغفر لمدام ماري ـ أنطوانيت أثناءها الضغط الذي مارسته عليه، حتى جاء بهم من كازا.

    كانت تنتابه من حين لحين رغبة قوية في النزول. إحساس لم ينسجه لا الحب (لم يحس به نحوهم أبدا) و لا الحاجة إلى الدفء العائلي (لم يحتجه أبدا) بل الفضول، لكن الكدمات الزرقاء في أنحاء جسمه و الجروح التي لم تندمل بعد و التحامل العام يتكفلون بإذابة نهمه لمعرفة كيف يتدبرون حياتهم بعيدا عنه. و في اليوم الذي أقسم فيه للعلالي على أنه لن يقربهم أبدا، و بعد أن طوح بسلسلة من كؤوس ماحيا، انحدر كالعادة، و اخترق المقبرة، و بحث عن الباب هذه المرة، رغم تحديقه الشديد في العتمة، بالحظ وحده استطاع أن يتمدد قرب جسد حاجته، في النهاية لم يقده لا الفضول و لا الأشياء الأخرى و إنما الرغبة النقية و الخالصة في الإلتصاق بأنثى كيفما كانت. لكنها لم تستجب له، و بعد مناوشات طفيفة رفعت رجلها و ضربته مباشرة في صدره فعرقبته بعيدا، يدفعها الكبرياء لذلك ضد الرجل الذي اتخذها مبولة آخر الليل، و الرائحة الخانزة التي تستصحب أنفاسه، و لا جدوى وطئه المتسرع، و خصوصا يقينها بأن العملية المعلومة ينبغي أن تكون خاتمة تسويات عديدة يدأب بيبينو على التهرب منها. فمنذ أن جاء بهم و ضبط نفسه أياما معدودات، أرسيت فيها دعائم النوالة، تركهم ليتدبروا حياتهم كيفما اتفق، فاتخذت زيارات آخر الليل المتفرقة مع تكرارها العجيب فرصة مواتية لكلا الطرفين. هي و بناتها ينفسن عن ضغينتهن المكتومة، و هو يتطهر بالقصاص المرير من عقدة الذنب و تبكيت الضمير، لذا كان العلالي الذي يطلع في كل مرة على مخلفات المحنة في جسد بيبينو الضئيل، يكبر فيه القلب الجسور الذي يأخذه إلى هناك.

    لكن كيف تأتي للرجل النزق المراوغ الذي فيه شيء من خفة الطيور، وشئ من مكر الثعالب، و كل كراهية العناكب للحياة الزوجية، أن يقدم في يوم ما على ربط مصير إنسان آخر بمصيره، و يتحمل الثقل الذي لا يطاق للمسؤولية و لو قلصت إلى أقصى حد ممكن، زيارات آخر الليل المتباعدة، و لعنة الإنتساب لدمه الذي تلاحقه بها الأرواح الأربعة؟ يحكي بيبينو في كل مرة يطفح به الغضب كيف أن كلمات طائشة في ليلة سكر مشؤومة دأب فيها ندماؤه على التنافس بكثرة التجارب الغرامية و بأسماء الحبيبات فدفعوه هو الآخر إلى ابتداع حكايات مثيرة تخللها بمحض الصدفة الماكرة إسم الغالية بين أسماء عديدة، و التي كانت قد عادت إلى بيت أبيها لتوها لأن زوجها لم يجد قلوش الدم بين فخديها، فيكسره. و من مساء اليوم الموالي رأى بيبينو أخاها غليظ القلب يترصده في رأس الزقاق بشاقور تحت قميصه. و أمام الخطر المحذق و مناعة الحصار لملم المسألة بأن حمل السكر ذات مساء رفقة فقيه الدرب، و في الغد كانت غلطة عمره تدافعه فوق الحصير الصغير، و تنازعه اللقمة و تملأ حياته أسئلة و سبابا. و الغالية إمرأة مديدة القامة و بدينة، سمراء تلك السمرة التي تجاوز لون النحاس إلى لون آثار الحريق. وبرغم الزغب الظاهر في ذقنها و شاربها، و صوتها الغليظ الذي يشبه في بحته صوت رجل يخنقه الشجن، فإن حروف وجهها تشي بأنوثة شاردة لم تجد من يفك سرها و يحرر سحرها. بل أنها لم تجد الوقت لتكون و لتتصرف كامرأة. فقد استغل بيبينو ــ كما يعترف ــ أول ذريعة ليتركها بجنين في بطنها بلا سند سوى رحمة السماء. و بعد أن تضاربته حيطان الأزقة زمنا طويلا، و أدمت رجله الطرقات، و كل بصره من التطلع لأشياء لاتدرك، عاد ليجد بنته الأولى تسير على قدميها. و كم كذب سندباد الخيبة، و كم سيكذب ليبرر غياباته الطويلة؟ و كم تمسكن ليتحاشى انفجارات غضبها و بكائها؟. و كانت الغالية في فرح عودته الأولى على استعداد للمسامحة و النسيان، لكنه غاضها بإعراضه المقصود عن السؤال الأهم في سيل الثرثرة التي يملأ بها مسافة الوحشة و المعاتبة التي تفصلهما. فهو لم يكلف نفسه عناء سؤالها عن الكيفية التي تدبرت بها بقاءها. و بالتالي لم يمنحها فرصة و شرف استعراض حكايات المكابدة و الحرمان، و حكي مرارة انتزاع اللقمة من بطن التفريط القاسي. بعد ذلك تعلمت الغالية كيف تتحرر من كل وهم تعلقه على بيبينو، و أصبحت تفتح له الباب بعد غياباته الطويلة فقط لأنها تحتاج لشماعة تعلق عليها نسب بناتها أمام أعين الجارات، و بعد زهرة جاءت مينة و رقية و عائشة، و عرف بيبينو دائما كيف يهز كتفيه و يمضـي بعيدا، بنفس الصلافة التي أسلم بها آدم البشرية من بعده لفداحة مصيرها، و قد أرعبته السرعة العجيبة التي تتحول بها النطفة الحقيرة في ظهره إلى علقة فمضغة مكسوة عظاما ثم إلى فم و حاجيات و مطالب لاتنتهي. كانت الحياة شديدة القسوة على الغالية في السنوات التي كانت فيها بناتها زغب الحواصل، أفواها مفتوحة في انتظار الطعام و لا معين، تنقلت بين أشغال لا حصر لها و استقرت في النهاية بمعمل لتصبير السمك. كانت تقف طيلة النهار وسط الماء البارد و الرائحة النفاذة تقطع الزعانف و تستخرج الفضلات حتى تتصلب يداها، و ترى الأشياء من خلال غلالة بيضاء، تدفعها لإحتمال العذاب المميت، فضيلة العمل الوحيدة: ديمومته بالمقارنة مع كل الأشغال الناذرة التي انتزعت من رنين بؤسها لقم بناتها..



    إسمــــــــــاعيــل:



    كل وفرة النوايا الطيبة اتجاه زوجته و بناته التي حبكتها ماري ـ انطوانيت في صدر بيبينو بصبر و أناة طيلة شهور، لم تكن كافية إلا لمنحه طاقة السفر إلى الدار البيضاء. و الإقدام الجسور على طرق الباب و النظر في وجه الغالية من جديد. ثم إلقاء الخطاب الذي نمقه في لحظات سكره و صحوه و رعاه بالتشذيب و التهذيب في خضخضة الحافلة، لكن جهده تكشف غير ذي معنى. كان الروماتيزم قد هد صحة الغالية فأضحت بالكاد تستطيع رفع صوتها و رجلها، و صعدته بعيون منكسرة و ضارعة، أنذاك واتته شجاعة و شفقة ناذرتين في حياته ليلملمهم و حاجياتهم في نفس اليوم الذي وصل فيه و يعود. ثم قاوم التبدد السريع لنواياه في تلك الأيام التي شيد فيها النوالة و أقلع عن شرب الخمر و فكر في الصلاة و البحث عن عمل، و كاد أن يختنق بكثرة المطالب و ثقل الإحساس بالمسؤولية. فتناسى كل شئ و أعاد لشرع الفوضى سطوته على حياته.

    في الليلة الفاصلة قطع بيبينو دندنته بأغنية مرساوية للمارشال قبو ليخبر العلالي بقراره: في النهار سأكون لحاجياتهم بالمرصاد و في الليل بالمرساوي... لكنه لم يلتزم إلا بالشق الثاني. و لم يستطع أي من الهواجس الكثيرة التي قادته في آواخر الليل مرارا إلى النوالة أن يختلج بصدره في نور النهار. كان العلالي في أشد الحاجة لمن يؤنسه في ليالي أرقه و مرارته، و في وحشة و عري الغرفة التي اكتراها فوق سطح دار بحي خريبكة، الغرفة المطلة على وجه المقبرة الحزين، و المجاورة لصناديق حمام ما تنفك في هديلها تحكي عن ضيق الروح. لذا تقاسم فراشه و لقمته و دخانه و خمرته بأريحية لم يشهدها بيبينو في أي فرد من أفراد القبيلة، و استعذب معه التيه ليلا في دروب القبيلة متحررين من كل السعارات المثقلة للإنسان؛ أو صلا نساء يسترقن متعا محرمة في شح و غفلة ليل القبيلة؛ و اعترضا لصوصا يتربصون ببعض الدور أو الحوانيت فصرفوهم أو ابتزوا بعض فرنكاتهم أو طلبا لهم العون حين تتخلل الحوار الدائر بينهم نبرة حانقة أو تلويح منذر بقبضة أو مطوى؛ و خاضا مع المجانين و المشردين و عابري السبيل مناظرات عجيبة في قضايا كونية خطيرة؛ و اعتقلتهما كل الدوريات و أفرج عنهما في الصباح؛ و تبرزا و بالا فوق عتبة أكبر و أشرف البيوت؛ و خاضا شجارات لم يصمدا فيها لضربة واحدة؛ و تحايلا على كل المغفلين بالقبيلة و على البدو الذين يأتون يوم السوق، باعاهم حميرا و أبقارا شاردة و تركاهم في خصام مع أصحابها، و قبضا منهم ثمن قنينات خمر و تبخرا في متاهات الأزقة المتداخلة، أو ثمن وصال مع قحبة ودفعاهم لدفع أبواب دور محترمة يتكالب عليهم أهلها بالضرب و الصياح. وحين تضيق القبيلة في وجه شطارتهما يسيران إلى قرى الجبال المجاورة، فيشهر بيبينو في وجه الرعاة و صانعي الفحم الخشبي المتلبسين بسرقة حشائش و خشب المخزن بطاقة بوغابة التي ليست أكثر من ورقة من لعبة الورق (الكبال) تذهلهم و تدفعهم لتقديم الدجاج والبيض و السمن و العسل و الجوز...

    في يوم من شهر دجنبر من السنة التي استبدل فيها المراقب المدني بآخر، بقي العلالي يذكره لأنه رأى فيه بيبينو مكتئبا على غير عادته، يدير في صمت حربا داخلية، و يبدي انقباضا اتجاه كل الملذات التي كرس حياته لها، ليلتها لقي بنته الكبرى زهرة، اليد في اليد مع فتى نحيل الجسم و صفصافي الطول، ابتسم في وجه بيبينو ببلاهة يخالطها غير قليل من الزهو. فكاد بيبينو أن يبصق في وجهه. إذ بدا له بلا ميزات، فخره الوحيد هو العضو المتفاخم في السروال الملتصق بفخذيه. قدمته زهرة على أنه زوجها. هكذا؟ و أعاد هو الإبتسام و كأنه يسبر في وجهه سيماء الخبر السعيد، و قدم نفسه من جديد:" محماد الكاتشور". حول بيبينو نظرته عن القصبة الخاوية و وجهها نحو العلالي، ساءله في الصمت عن الصيغة التي يواجه بها الموقف، لكن هذا الأخير دارى ضحكته و أشاح عنه وجهه. و لأن المصائب لا تأتي فرادى، أخبرته زهرة بأن أمها حامل، في شهرها الرابع. مد يده و صافحهما مودعا بسرعة، منهيا بذلك الموقف السخيف، و استسلم بعد ذلك لتعنيف شديد للذات، أحصى ذهنيا ثم بأصابع يده الشهور التي لم يصل فيها النوالة، و أجهـــــد

    ذاكرته كيف تكون حاملا و هو

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أكتوبر 16, 2018 3:41 am