oumolilt histoire et patrimoine

tout se qui concerne l'histoire / civilisation et patrimoine culturelle de notre mère lala timoulilt .

المواضيع الأخيرة

» معلومات جديدة في غاية الدقة عن ايت سخمان و ايت علي اومحند ببين الويدان
الأربعاء يوليو 18, 2012 3:29 am من طرف samah moujane

» اسباب فتح الاندلس
الإثنين أبريل 30, 2012 11:39 am من طرف samah moujane

» اكتشاف جيني جديد يؤكده علماء الوراثة كل البشر ينحدرون من جزيرة العرب
السبت أبريل 14, 2012 6:26 pm من طرف samah moujane

» شذرات من تاريخ واويزغت
الإثنين مارس 12, 2012 4:27 am من طرف Admin

» العقـل الأمازيغي: محاولة للفهم
الخميس يناير 19, 2012 3:10 pm من طرف jihad bouzidi

» المغالطات العلمية والتاريخية حول الهوية الأمازيغية
السبت يناير 14, 2012 3:40 pm من طرف jihad bouzidi

» شذرات تاريخية هام هام هام جدا
الأربعاء ديسمبر 21, 2011 5:34 am من طرف Admin

» Bernard Lugan : L’Egypte pharaonique est Amazighe, un séisme scientifique
الثلاثاء ديسمبر 06, 2011 8:13 am من طرف Admin

» عيد مبارك سعيد
الأربعاء نوفمبر 09, 2011 4:41 am من طرف Admin

أغسطس 2018

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
  12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031  

اليومية اليومية

تصويت

دخول

لقد نسيت كلمة السر


    زغاريد الموت: دموع ايزا الجزء الرابع وقائع حقيقية

    شاطر

    jihad bouzidi

    المساهمات : 72
    تاريخ التسجيل : 26/03/2011

    زغاريد الموت: دموع ايزا الجزء الرابع وقائع حقيقية

    مُساهمة  jihad bouzidi في الخميس أبريل 07, 2011 7:33 am

    لفوضى التاريخ المشتعلة هناك في البعيد...

    كان بيبينو مستغرقا في حربه الخاصة مع الذاكرة، غير عابئ بالجوع و العري و الضعف و حرب الآخرين، يجهد نفسه في وصل خيوط متقطعة لزمن هارب، و ترقيع صورة متناثرة و غير مكتملة، لا يعرف هل مصدرها ما يكون قد عاشه أم الخيال؟. عجين من الأصوات والوجوه و الأشياء و الأمكنة المتداخلة، ينطلق من الصورة الأصل التي لاشك فيها سقوطه المفتعل من فوق المنبر. كان يريد أن ينهي بذلك تعلق أعين المصلين الخاشعين بفمه الذي لن يقول شيئا، لكن يديه اللتين كان من المفروض أن تسبقا رأسه لتهيئا له بكفيهما موضعا يمكنه أن يرتطم به بأمان، تعطلتا في التجاويف الصغيرة لزخرفة المنبر، و سارت الرأس إلى الأرض الصلدة وحيدة بلا حماية، شهيدة الخيانة اللامتوقعة لليدين.. تأتي بعد ذلك الصور المشكوك فيها، زليج أزرق باهت تتخلله دوائر بيضاء و سقف خشبي منقوش، و كلام خافت لكائنات غير مرئية. وشوشة متقطعة، و خطوات تنقر الأرض في اتجاهات متعاكسة، يبتلعها بعد حين صمت ثقيل. ألوان متراقصة، دوامة أو مؤامرة تحاك خيوطها في تكتم، دفء الأغطية الصوفية و الرغبة التي لا تتحقق في أبعادها إلى تحت، طعم حساء دافئ حلو. سميدة و حليب، الحلق الجاف و الرغبة في شرب الماء، صلوات، بخور، شئ يثقل الرأس، ثم اصطفاق قوي للباب، و كلام صاخب قريب، و ضربة في البطن و أخرى في الرأس. ألم و بياض، و الصورة القاسية للعراء، الآلام الفظيعة، و الأرض المبلولة بالماء، و البرودة القاتلة، و الأعضاء اليابسة المفصولة عن بعضها، الزحف المرير و الطويل للإحتماء، قطرات الدم المفتتة بالقطرات القوية للماء و الذائبة في السيول الجارية، الزمن الفاتر، و الوجوه المعرضة، و الأيدي الخشنة التي تتحسس الثوب الساتر في الظلام و تسلخه بقوة، العري التام، و المعدة التي تطحن الهباء، و الإحساسات المختلطة في التعاقب المدوخ للنور و الظلمة...

    لم يكن البياض الفاصل بين لحظة سقوطه من المنبر، و حمله فوق العربة من طرف ممرضين غليظين قاسيين بإتجاه دار الدراويش. ثغرة لا تحتمل في بيوغرافية مجيدة، يدأب بيبينو على رتقها فقط، كان يريد أجوبة عن أسئلة محددة: كيف تم الإنتقال من الإحتفاء العام و الرعاية الباذخة في البيعة إلى البهذلة الكبرى فوق العربة؟ و أين اختفى ولد الحرام الذي قاده إليها؟ و ممن يأخذ ثأره لشرف تجربة حافلة في الحذق و الدهاء داخل المدن الكبيرة المهذرة في هذه البصقة الصغيرة المسماة بني ملال؟



    ذو الــقــــــــــــــروح:



    كان تأسيس دار الدراويش، الإسم الشعبي لما كان يعرف في السجلات الرسمية الفرنسية بمؤسسة الدكتور بلون للحجر الصحي، فكرة تفتقت في ذهن طبيب المركز الصحي الصغير بساحة المطلق القديم مسيو برينو في أول لحظات استسلامه أمام عتو مد الوباء. و تحمس لها المراقب المدني كثيرا، فأمر في يوم ميلاد الفكرة نفسه بإخلاء المخدع القديم قرب أحجار لالاناقة و غير بعيد من قبة سيدي عبد الحليم، من جيبات الجيش المعطلة و الشاحنات المفككة و الإطارات الفاسدة و قطع الحديد التي لا بأس شديد فيها و لانفع، و من صبح اليوم الموالي أخذت ما أصر مسيو برينو على تسميتها بمؤسسة الدكتور بلون تكريما لأستاذه مدير معهد باستور بالرباط، تستقبل هياكل آدمية نخرة لا تقل مواتا عن الهياكل التي أفرغت منها، في مهمتها الغريبة، فإذا نسينا كلام المراقب المدني الذي عرج عليها في ذلك الصباح مرفوقا بالباشا و شيوخ القبيلة و بعربية صافية و اقتضاب معجز و ملغز و سخرية براقة خطب قائلا:" لعل هذه المؤسسة ترضي ذلك الكائن النهم المسمى المصلحة العامة" و انسحب؛ فإن دار الدراويش كرست لخدمة الموت، وتنظيم عمله: إذ كانت تجمع كل الأرواح الآيلة للرحيل، حتى إذا جاء عزرائيل رسول الموت الكئيب، وقع صك الخلاص الجماعي، دون أن يعفر هيئته المهيبة في الطواف المرهق بين الحواري الضيقة والمتداخلة للقبيلة المنكوبة. و بإستثناء برميلين متفحمين كانت تغلى فيهما ثياب المرضى مخلوطة بالكبريت، كانت برودة الإسمنت مشرعة للجميع في إفراط العري القاسي الذي قامت عليه الدار، صامتة من الخارج تعج بالأنين المكتوم و المعلن في الداخل، مرعبة، الداخل إليها مفقود و الخارج منها مولود. و تحت ثقل أوامر صارمة من الدكتور برينو تجند مقدمو القبيلة لتصيد كل من ترتفع حرارة جسمه أو يصدر أنينا مجهدا أو يمشي متثاقلا متعثرا وكل من يمتقع لونه أو يشكو من أي شئ، تصيد كل الإختلالات غير الطبيعية و الطبيعية في جسم القبيلة الضعيف. و الزج به و لو لفائدة الشك داخل الدار، و خوفا من الحجر عاشت القبيلة وسط زمن الإنهيار العام زمنا آخر من التظاهر بالتماسك و الإدعاء. فهربت أناتها إلى البساتين المجاورة و الكهوف، و تكلفت أرجل القبيلة الوهنة العناء الرهيب للسير بثبات في مشية عسكرية منضبطة لا مخاطر بعدها، و عند كل صباح و كل مساء كان الدكتور برينو يتفقد المرضى عن بعد ليستطلع مناورات الوباء، و قد قنع أخيرا بأن رسالته أصبحت تتمثل فقط في إبعاده بكل الوسائل عن الفرنسيين، و يأمر لكي لا تمر زيارته بدون هالة الرحمة و الأمان التي تمنحها هيئته الملائكية، بمحاربة القمل والبرغوت لتعم السكينة المرضى في لحظاتهم الأخيرة، و بمضاعفة حصة حساء الذرة، الوجبة الوحيدة التي كانت تقدمها الدار. لكي يموت من يموت بلا مرارة الجوع و لا مشاكل هضمية، و يمضي مخلفا المرضى تجري من تحتهم سيول البول و البراز المائع...

    في حمى نشاط المقدمين لكشف الحالات الخبيئة، كانت حالة بيبينو الممدد في ساحة المطلق القديم عاريا تماما وبلا وعي، غير قابلة لأي لبس لذا جمعته عربة الدار في طريقها لأخذ ضيف نزل بإحدى الدور، كح طول الليل فوشى الجيران به مع آذان الفجر. و قيد بيبينو في صمت غيبوبته بسجل الدار مجهول الهوية و مقر السكنى، يعاني كل أعراض الوباء و الجنون، لم يكن الممرضان اللذان كانا يشرفان على الدار يفتقدان الخبرة في شؤون التمريض فقط بل يفتقدان أي إحساس له علاقة بالمهنة، و لا يعرفان من اللغة الفرنسية سوى ست كلمات أقصى ما يحتاج لتسجيل الحالات. كانت مزيتها الكبرى هي الفظاظة و خلو قلبيهما من كل أعراض الشفقة. و لهما وحدهما يرجع الفضل في معجزة تحويل الأنات المجهدة إلى صرخات احتجاج ضد الحجر و نتانة الكبيرت و الجوع. فيرفع المرضى قشاشيبهم حتى صدورهم ليظهروا جلدهم المحترق لمراقبين غير مرئيين و يرددون من أعماق أرواحهم الذابلة:

    "ويـــن الصــابـــون

    ويــــــن النيلــــــــــــــــة

    هــاذ لقشاشـــــــــــــــب

    راهـــــــم كالــونــــــــــا''

    و بدافع نوبات احتجاج المرضى كان بيبينو يسترد وعيه بشكل متقطع في الركنة التي انتهى لها في خضم الحركة الدائبة للأجساد الملقاة و المحمولة هامدة، مقاوما أثقالا شتى: ثقل جفونه، التي تحولت رغبته في فتحهما إلى ارتعاشة يائسة يعقبها انطباق تام. و ثقل أذنيه اللتين توصلان أصوات الإستغاثة و الألم و الإحتجاج رجعا بعيدا لدمارما، ينقصف الصوت ثم ينقصف في رحلته الطويلة إليه. و يصل مشوشا بكل ما اختزنه أثناء عبوره عالم القفار... لكنه استرسل في صراعه فقط مع ذاكرته، التي عليها تبرير وجوده هنا. ينضد الصور المنبثقة من بياض، يبحث عن سببية تعقل الوابل المبهم و المضاد للأصوات و الوجوه و الأمكنة و الإحساسات لكنه يصطدم بثغرات سحيقة تستفحل اتساعا... تاريخ مشكل من طفرات لا إيقاع يحكمها. لكن في آخر كل استعراض يائس للصور الشائهة. كانت كل الصور تتناثر فوق الوجه و تتراكب و تدور كفراشات صغيرة حول سراج وهاج. وجه يحكم سيرورة هلام من الذكرى. وجه الأفاق الذي أخذه إلى هناك أصل البلاء الذي تبخر...

    و بجسم يتقشر بفعل نار الكبريت كحراشف السحالي، أخرج بيبينو من دار الدراويش لايلوي إلا على رغبته في الإنتقام، متعثرا في بداية رحلته لإستعادة شرفه. لقد تبين أحد الممرضين بعد زمن طويل بأن رسول الموت قد عافه، و نزه نفسه عن المرور بالركنة النتنة التي يتكوم فيها، فمنح بيبينو الشرف المستحيل للخروج من دار الدراويش منتصبا بجسد لا زالت تختلج فيه الروح. و مع أول خطواته كان هدفه محددا، الوصول إلى المقهى التي لقي قربها صاحبه ولد الحرام، وأمام متاهة الأزقة المتزاحمة في تأهبها لإبتلأعه، و كأنه محكوم ببوصلة لاتشير إلا للجنوب، انحدر كما فعل ذلك الصباح مع أول زقاق يولي وجهه شطره. سار في زنقة الباشا، تسنده جدران البيوت عند تمايله حينا، و تتخلى عنه حينا آخر، فيتأرجح و يسقط، ثم يقوم حتى خيره المخازنية بفظاظة بين الجلوس حيث هو و الإنتظار أو العودة من حيث أتى. و لما كان أي متر يقطعه مكسبا ثمينا فقد قنع بالجلوس و الإنتظار



    خــبـــــــــــــر:



    (يخرج حريم الباشا في بهرج رحلته الأسبوعية إلى الحمام، و لتأمين عمى القبيلة التام عن ذره المكنون كان المخازنية يلهبون ظهورالناس بالسياط لسد حواينتهم، أو لسحب ذواتهم من طريق الموكب. حتى النوافذ النادرة والسطوح تخلى و تراقب، و طيلة الساعات الطوال التي تقضيها النساء في تغيير هندسة أعضائهن، ونحت صورة جمال كامل بقوة البخار الحار و الحكاكة، كانت كل مصالح القبيلة تتعطل و يحظر عنها التجول. محتقنات الخدود، صقيلات العراقيب، راضيات، يوزعن ابتسامات اعتذار للحيطان الصماء. و خلفهن العبدات الصغيرات يثرن جلبة بسطولهن الفضية و تعاليقهن الماكرة في استشاطة صباهن المغدور. كن يعدن، فتنفك الأسارير المنحسرة للقبيلة، و هي تستعيد تملك فضائها الأثير و الحميم).

    عاد الفلاحون للتهالك على حائط آيت العروي، في جلسة الأصيل الأبدية، صامتين، شاردين، و في أوقات متباعدة يتبادلون حوارات خافتة متقطعة لا تصمد أمام غواية الصمت المريح لأجسادهم المهدودة التي تستنفذ طيلة النهار آخر ذؤابات جهدها في المماحكات المتكررة للتراب. كان بيبينو في حاجة لمن يدله على الطريق لكنه لم ير فائدة من سؤال أحدهم، كان باديا افتقادهم لأي قدرة و رغبة في الكلام كأنهم صلبوا قعودا.

    و بمحاذاة المدى المفتوح على السهل الدامي لزنقة الحطابة، وقف قليلا للتأمل. كانت ذرات الليل تتلاحم في البعيد، قبل أن تجتاح القصبة، و أسراب طائر البقر ترسم في السماء مثلتات تضيع قاعدتها أبدا في سعيها الحثيث للوصول إلى الجبل قبل أن يكتمل الليل. و في أقصى الأفق كانت غيمة بيضاء صغيرة و مسالمة تتبع المصير الذي خطته مشيئة الريح. و غير بعيد تمايلت على إيقاع الهبات الناعمة و الدافئة للريح، الزهور البرية التي اجترحت وجودها فوق حواف الدور رغم ادعاءات العمران البشري. الله.. ياه.. إنه الربيع. كانت شهقة فرح حقيقي عبرت الجسم الواهن لبيبينو من أخمص رجليه حتى قمة رأسه الجرداء. الربيع، الدفء، النهارات الطويلة و الليالي القصار المأهولة بالأرقين و العشاق و الغرائز المبهمة، نهاية العزلة و التواصل المسترسل بلا حدود و الروائح، و برغم أن رائحة الكبريت كانت تختم حاسة شمه، فقد انتشى بكل روائح الأرض الشدية المنبثقة من أعماق ذاكرته. و لكي لا يجهض فرحته لم يستسلم لحسابات موجعة عن الزمان الفاصل بين اليوم الذي نزل فيه من حافلة شيمون بلولو و الآن...

    سار في خط مستقيم، و حين دخل ساحة الكركور، رأى قرب باب الزاوية حشدا من الناس يطاولون وقوفا على رؤوس أصابعهم قامات بعضهم للوصول بأيديهم إلى يدي الرجل الذي اعتلى سرادقا صغيرا و أخذ يوزع قطع خبز أسود، يبدو مع سربل الظلام الشفاف و كأنه عجن من رماد، اقتعد الأرض و تابع دغل الأيدي الممدودة كألسنة لهب نحو الخبز، و حز في نفسه التبدد السريع لكل القطع من بين يدي الرجل، و أخذ عليه تخلصه منها كيفما اتفق. نزل الرجل من السرادق بعد أن انفض من حوله الإكليل البشري، و دخل الزاوية فعاودت نار الجوع في البطون الخالية أكل نفسها، و كأن ظهور الخبز حصل في دائرة الوهم، تجل عصي و خاطف للشئ المرغوب فيه بقوة، برق التمع في أقاصي أحلامهم و ضاع في الظلام، انعطف يسارا و اجتاز فندق(دو باشا) ليجد نفسه وجها لوجه مع الساحة الكبيرة. كانت ذرات الليل المتماسكة قد أتمت هبوطها، فاكتست الأشياء ملامح هاربة، و حافلات شيمون بلولو المصفوفة بدقة تغفو في سكينتها الليلية. على امتداد الساحة كانت حلقات الذكر و رواية السير و طب الأعشاب و مروضي الأفاعي و القرود و الطرب تنفض لتوها أو تستنفذ آخر قدراتها على إثارة الصخب المثير، وحدهم كناوة يوغلون في الليل بإيقاع لا سلطة للزمن عليه. خرج القمر كاملا، و تدحرج علىطول الجبل حتى استقر فوق الساحة ناشرا عباءته الفضية على من لا غطاء يسترهم في تمددهم حول أشجار التوت و بمحاذاة الجدران، أجساد نطيحة و ما أكل المرض و الجوع. بضعة حصادة يافعين و قلقين يتوسدون حوائجهم، و كلما ندت حركة غريبة في دائرة محيطهم تمتد أيديهم تلقائيا إلى مناجلهم. تدبر بيبينو متكأ و تهالك عليه، لم تدفعه هذه المرة ريح صخرية باردة ليتجمع على نفسه فقد فرج بين رجليه و سدلهما و رفع التشامير حتى إليتيه و نش عليهما قليلا لتجفيف حبيبات عرق مالحة تتسلل إلى قروحه فتثيرهما ليبدأ الوخز. و بنوم كتغميض القطا قضى الليل كله، يغفو قليلا فتهيج قروحه، فيهب ناشا بأطراف تشاميره، كأنه يدافع نارا تندلع في لحمه من تلقاء نفسها...

    في الصباح أتم بلا استعجال ما بقي من نومه المنغص، خلت الساحة تماما مع آذان الفجر،خوفا من ممرضي دار الدراويش، و استمر هو ممددا حتى لهبته الشمس في الأمان الذي توفره له بثوره و رائحة الكبريت التي تستصحبه، جواز حريته الأكيد، إذاك تحامل على نفسه و نهض، قصد العين الصغيرة، ليبل جوفه الناشف. كانت العين اختلاجا لمصير يؤذن بالفناء، خيطا من دموع صافية و مسالمة، غير قادرة على شق مجرى لم تصطف لوجودها مهوى و لامنحدرا يهبها قوة تملي مشيئتها على استعصاء التضاريس كباقي العيون. كانت قوة خفية تدفع قطرات الماء الخجولة من تجليها المعجب في منبسط بلا حفاوة الأشجار و الزهور و لا خرير للخروج، فوران انتشاء يرى الناس، صراع للعودة إلى الرحم، و حنين مبكر، تهمس قطرة و صد باب العودة دونها لمن هتك الحجاب. تمدد بيبينو و مرغ وجهه في الماء الدافئ. لم يحن رأسه و يمد مؤخرته إلى الهواء كما يفعل الآخرون، لم يخضع للإذلال الشنيع الذي تفرضه على شاربيها، إذلال منحها إسـمها " عين كوز" و نسيانها التام بعد ذلك، حين نضبت في فضاء تسترد فيه سطوة الأخلاق أبدا شواردها..

    كانت الطريق الآن معروفة لديه و هو يطفح بقليل من الحيوية بددته خطواته الأولى، و من جوعه أخذ يمني نفسه: إن وجده سيأكله. لكن المقهى كانت مقفرة و أبوابها موصدة و لا أثر لبشر، حتى اللوحة التي تهجى فيها " مقهى الجزائري" اختفت.

    سيتمدد بيبينو حينا طويلا من الدهر قرب الخضار ناصبا فخاخ صبر لا ينفذ، و يقينا بأن رجلي ذلك الأفاق ستقوده حتما في يوم ما إلى هنا.. و سيسأل مرارا كل من اقترب منه عن المكان الموصد ليتأكد بأن مقهى كانت هناك، و أنه خارج دائرة الحلم و الهلوسة، و سيبتز بعينين منكسرتين و روح تبلغ التراقي و تأوب ما يقيم الأود من الخضار الذي يلين إصراره على تجاهله في كل مرة، يقينه بأنه يعتق رقبة، و الروح عزيزة عند الله، و سيتعقب بخفة عنكبوت رجالا في متاهة الأزقة المتداخلة، ليكتشف وجها لوجه أمامهم اختلالا ما في تفاصيل الوجه الملاحق و المحفور بقوة في الذاكرة، فينسحب أمام النظرات الرهيبة التي يحدج بها، أو يفاجأ في انعطافة ما أو زاوية أو امتداد طولي لا ينفذ بالإختفاء الملغز لهدفه، طيف ترجل من تعريشة أوهامه ليختبر حقيقة نواياه و عاد...

    أحقا حفر صورته في ذاكرته؟ إن عودته الخائبة أبدا، و بصبر و دأب عوامل التعرية في حربها ضد كمال أعمال الطبيعة الأكثر فتنة، قد أخضعت الوجه شيئا فشيئا لقانون التآكل البطيئ و الحاسم، فأخذت تحضر بيبينو ملامح مترددة، هاربة، و مفتوحة على وجوه كثيرة سبق أن عرفها، بريشة من خيال معذب أخذ يقضي الساعات الطوال يرمم وجه أوهامه، و بعناد خشبة تضغط داخل الماء، كانت نفس الملامح تطفو على إيقاع لمساته الخفيفة. قد يضغط قليلا شفتيه المكتنزتين، لكن البسمة الفاترة في انفراج زاوية لقاء الشفتين تظل تومض بالسخرية و المكر، و العينان تضيقان أو تتسعان لكنهما تحافظان على بريق الخديعة، و الأنف الشامخ، و الخدود المحفورة، و اللحية المشتتة التي يرعاها الإهمال الشديد. لكن كل هذه الملامح لم تنجح أبدا في صناعة وجه واضح يمكن تذكره بصفاء. فهل منح حقا الوقت الكافي لتثبيت صورته في ذاكرته؟..

    حين يعود إلى الساحة ليقضي الليل فيها، تكون جنباتها تصعد آخر أصواتها و روائحها: عطور شهوانية، بخور و عرق، عبق الإنصهار الحميم، و القبيلة تتفيأ احتفاءها الغسقي. تعال، تصعيد جسور لكل العذابات، يرى الحافلات تتحرر من ركابها أو تتأهب لابتلاعهم، و هو قد وطن قلبه: لا رحيل بعد اليوم. ليس لأن الطائرالمهاجر الطائرالمهاجر قد عثر أخيرا على أرض أحلامه، بل لأن حمأ الأرض استرده، بعد أن جرده من أحد جناحيه. كان يعيش عذاب و مذلة طائر مكسور الجناح ــ و لا علاقة هنا للراوي بهذه الإستعارة فهي من إنشاء بيبينو نفسه ــ ممددا كان يهرب يأسه من التعاقب الرتيب لنفس الوجوه، إلى تملي السماء السحيقة حيث تدأب الخطاطيف على توقيع رقصات مظفرة، تخط دوائر و تستسلم بعدها لهذيان الريح، أو تجمع كل قواها و تخترق سرابيل السماء صعدا في خط عمودي كأنها مأخوذة بنفس رغبة النمرود في تدريج سهمه بدم الله. كانت الصورة الأقرب إلى الخيال الجمعي المروع بالجوع و التيفوس، هي أن يرى فيها جوارح تحوم فوق جثث مرتقبة، لكنه و هو يرى يده المثقلة بالخرق و جسده الميت، كانت تجسد في عينيه كل دلالات الإنطلاق، و الثمالة بالحرية، و الإنقياد لحكم المدى المفتوح. في الأيام التي طفح فيها يأسه، و بدأ يغازل النسيان، المرفأ الوحيد الذي ينحل فيه صراعه ضد الزمن كانت القبيلة تتدبر أمر القطرة التي تسربت من الإسمنت الصلد والمنيع للعشيرة اليهودية، القبيلة التي يكفي فتيت بخور لتتبخر من أقصاها إلى أقصاها، ليفاجأ بيبينو بابتسامات التواطؤ السري التي أخذت تقابله هنا وهناك، و الإشارات بالأصابع التي صارت تتعقبه، و الوشوشة، و النظرات المنبهرة التي يصعد به. و كمن أقحم في مسرحية يجهل نصها، كان بيبينو يخلط في وجهه حشدا من المشاعر المتناقضة. و برغم أن محاذاة الأنا للفناء تحررها تماما من سطوة قيم كالحشمة و التكبر و الوقار.. فتعرض نواقصها و عاهاتها دون أن تداريها. كالشيخ وحيش ـ الصوفي الكبير ــ و هو يركب دبر أثانه وسط سوق صاخب بمصر، و يدعو المارة الذين تخسف بهم الدهشة الأرض. في حرقة شبقة إلى مساعدته بضبط قوائم و رأس الملاذ الأخير و الغريب لرغبته، فقد أخذ بيبينو يداري عضوه المتنطع أبدا من الفتحات الكثيرة بيده حينا و بأطراف التشامير حينا آخر، و يخفف خطوه متمسكنا، محاذرا أدنى استثارة للنوايا السيئة التي أخذت القبيلة تتبعه بها، و التاوية تحت التقاسيم الخادعة للوجوه المبشورة و الأخوية. اقترب منه بعض الفضوليين، حاصروه بحذر في الأول بأسئلة تطفو من تلقاء ذاتها في لقاءات التفاهة اليومية، و اقتربوا من كسر يده بعد ذلك. فأعادوا بلا كلل نفس السؤال و بصيغ مختلفة عن ذلك السبت الماطر. و لم يصدقوا الرواية الفقيرة جدا التي يحكيها بيبينو في كل مرة عما جرى، كان في الأعين المخذولة يتنكر بعناد غريب لإنجاز باهر، و أمام نفاذ صبرالقبيلة تكفل خيالها بإبتداع حكايتها الخاصة، تحركها تلك الرغبة القديمة التي تجعل مقدس عشيرة يلتذ بتدنيس مقدس العشيرة التي تجاورها، تقويض شرف الآخر و قذفه في الإبتذال الأقصى، و عاد نفس الفضوليين لينتقموا من صمته، لم يكن عليه إلا أن يؤمن برأسه على الكلام كأنه يستمع لحكاية إنسان آخر:

    .. لقد تنكرا في زي الربيين. و قصدا البيعة يوم السبت الماطر، و قدما نفسيهما على أنهما قدما لتوهما من فلسطين، و من شدة فرحة العشيرة اليهودية طلبت منهما قيادة الصلاة، و بعد ذلك، و كما ينبغي اتجاه رسل الرب، أخرج اليهود كنوزهم الخيالية الخفية، و أخرجوا ما لاعين رأت و لا أذن سمعت فرفلاو طيلة أيام عديدة في نعم لا تحصى، خصوصا شراب الغياب اللذيذ ماحيا. لو لم يعرج تاجر يهودي من الدار البيضاء على المدينة و يلح على التبرك بالربيين، و من المرحاض سمع الآخر صخب الحقيقة حين كشفهما التاجر الذي تعرف على بيبينو و سمع هستيريا الضرب بما اتفق، و تسلل على أطراف أصابعه إلى السطح و قفز إلى الزقاق وهرب...

    وبرغم أن ثمن الحقيقة كان فاقعا في جسد بيبينو المتقصف، فقد حاز شهرة محلية، و أصبح لشهور ممجدا كمحارب عائد من حرب عادلة. و ما لم يدركه بيبينو أنذاك هو أن القبيلة كانت محتقنة القلب على العشيرة اليهودية في ما أخذ يعرف لاحقاًَ'' بأيام البون ''. كان المختار الجزائري هو الذي يتكفل في البيرو بتوزيع بطائق تموين السكر. و في عذاب الحاجة و الصف الطويل تحت الشمس الحارقة، كانت القبيلة المنهكة ترى ظلالا من حظوة و محاباة ينالها الذميون منه تحت العين الأبوية اليقظة و المباركة للمراقب المدني، لكن طوبى للزمن الغابر، زمن الإنتقام للكبرياء الجريحة بسورة غضب لا تبقى و لا تذر. و الإحتكام السريع حين يتعلق الأمر بماء الوجه لعدالة البارود وحده...

    و القبيلة تكضم غيظها و تبتدع مسالك للتنفيس عن قلبها. المحتقن اتجاه العشيرة اليهودية، كأن تتشدد في ضرورة سير اليهود حفاة في سوق الزرع. و تخفف شيئا من غضبها فوق قفا يهودي اجتاز الطريق أمام المسجد و لم ينكس طاقيته في يده. و تبارك حروب الأطفال الصغيرة ضد السخينة الفوارة الخارجة لتوها من الفرن. التقى بيبينو صدفة في المارشي بمدام ماري-انطوانيت، كان جسدها ينوء تحت ثقل قفة محملة بالخضر فجمع مزق الكلمات الفرنسية التي يحفظها و عرض عليها المساعدة...



    مـــــاري- أنطـــــوانيــــــــت:



    ''المستعمري هو الأوروبي الذي يحيا في مستعمرة بدون امتيازات، و هو الذي لا يتمتع بظروف حياتية تفوق ظروف المستعمر الذي ينتمي إلى نفس الفئة الإقتصادية ــ الإجتماعية المقابلة، المستعمري هو الأوروبي الذي يظهر نوعا من حسن الجوار، سواء كان ذلك بسبب من طباعه الخاصة، ثم بسبب من قناعاته الأخلاقية. و هو الذي لا يتخذ إزاء المستعمر موقف المستعمر(بكسر الميم) . إذن لنسارع إلىالقول، رغم القساوة الظاهرية للتأكيد: أن المستعمري الذي ينطبق عليه هذا التعريف ليس موجودا''

    هكذا تكلم البير ميمي في كتابه '' صورة المستعمر و المستعمر'' و كل من عرف ماري ــ انطوانيت سيستهجن حتما الوثوقية و التعميم الشديد الذي ختم به فقرته، عدا الجملة الأخيرة تكاد الفقرة تنطبق بتمامها على حالة السيدة التي أحبها الجميع هنا؛ لذا و بقساوة مماثلة نؤكد أن المستعمري الذي ينطبق عليه هذا التعريف قد وجد بالفعل، و لو كان ذلك عبر حالة واحدة متفردة و معزولة حظيت القبيلة بشرف احتضانها.

    بعد الحرب العالمية الأولى ــ سنقتفي هنا خطى الحكاية التي سمعها بيبينو من فمها ذات أصيل ــ قر قرارها على الرحيل بعيدا؛ فقد لقي زوجها حتفه في الجبهة؛ و سارت إيلين إبنتها إلى الهند خلف زوجها الدبلوماسي؛ و تذرع إبنها فرانك بالآفاق التي يفتحها له العالم الجديد لتعميق بحوثه الجيومورفولوجية ليختفي هو الآخر بنيو أورليانز. و ظلت هي تنتظر الرسائل التي لا تأتي؛ تخنقها الذكرى و تعذبها الصور الثلاث المعلقة؛ والإبتسامات الأبدية التي لاتقهرها قوة الزمن، و لا تذيبها الشفقة نحوها. و بعد ليالي السهر الطويلة و ساعات البكاء و غيابات الشهية والحيوية و حوافز التعلق بأوهام الحياة، اقتصرت حركاتها داخل البيت على اللازم و الأدنى كقيمة على متحف تخشى أن تخل أبسط حركة زائدة بتوازنه الهش، فتعفر بهاء الماضي و عبق الذكرى. و اكتشفت فضائل المكتبة في أحد المساءات، كانت قوة الحنين تدفعها لتحسس أشياء الغائبين بحثا عن ذلك الدفق العارم من العزاء. فالحركة البسيطة، الأنامل الممررة على الشئ الصامت و بشحنة خاطفة تأخذها بعيدا، إلى ذلك المكان الملغز، حيت تتشابك الأيدي و يتوهج العناق، تقبلهم على وجوههم و أعناقهم و أيديهم و تبكي... لكن لحظة الإنخطاف هذه تنقضي، فتأوب سريعا إلى رماد الفقدان. أخذها الوقوف على الأطلال و استنطاق أشياء من رحلوا بعد تعريج على الغرف الخاصة استنفذت فيه الملاءات و المزهريات و الرفوف الفارغة و المقابض و الكراسي.. في فضاء الحنين ذاك كل قدراتها على البوح إلى الكتب. تحسست بعض الأوراق في الأول ثم انقادت للبحث عن كتب علقت بذاكرتها من مشاهد قراءة وضاءة تنبثق آسرة كاسحة حسب الهوى الإنتقائي للذاكرة. تحسست الأغلفة و توقفت كثيرا عند التعاليق و الأفكار التي كان من عادة زوجها و فرانك كتابتها بقلم الرصاص على هامش الأوراق. و توقفت عند الخطوط التي كانت تتخلل فقرات معينة، تعتصر المتعة اليائسة لإستقرار نظراتها فوق نظرات محبوبة و سابقة لا زالت الأوراق تحتفظ بآثارها. لكن الحياة تتخذ أبدا مسارات عجيبة لاتستطيع توقعاتنا أن تحيط بها مهما كانت شاسعة. فالكتب التي كانت الملاذ الأخير لجسد كان يتضاءل باستمرار، و لقلب فاض بالمرارة و لروح كانت تعد خطاها الأخيرة للرحيل الأبدي، شكلت في النهاية المخرج المعجز من اختناقات الأسى و هندسة الخراب التي نذرت نفسها لها. ألم تقف الكتابة أبدا على عتبة ولادة الأِشياء؟...

    كان زوجها يحضر طيلة السنين الطوال التي قضتها بجانبه سفرا طويلا. يبدأ من الهند و ينهيه بالمغرب مرورا ببلاد فارس و العراق و الشام و مصر. فقد ورث انجذابا آسرا للشرق عن جده ، أحد قواد جيش نابليون الذي غزا مصر. و في سنوات شيخوخته كانت كل طاقته على الثرثرة تلاحق سحرا خاصا لذلك الفضاء العجيب، سحرا لم يستطع استنفاذه كمحارب تخنقه الأوامر و الإكراهات، فحمل معه إلى القبر غصة الرغبة المخذولة ــ إلا من العدوى التي أصابت قلب الحفيد ــ في العودة إلى مصر كسائح. دأب الحفيد بعزم كبير على إدخار المال اللازم لرحلته الطويلة، مالا كان يجد دائما الظروف غير المواتية للإضطرار لإنفاقه؛ عزاؤه الوحيد هو الصور و كتب الرحلات إلى الشرق التي أخذ يراكمها و يدمن على قراءتها و التعليق عليها في حواشي الأوراق حتى انتهى به الأمر إلى ارتجال قصائد مديح للأرض التي لم يرها إلا من خلال عيون الآخرين. من قبيل:

    " أنت أيتهــا الأرض

    موطــن الفرح الجماعي و النور و النحاس

    يحمل الآخر فيك عبء وجودي

    بالقدر الذي أحمل فيه عبء وجوده

    أنت يا أرض المشاطرة و الخلاص."

    أخذت ماري ــ انطوانيت تحفظ عن ظهر قلب هذه المقطوعات برغم تهلهل إيقاعها و ابتذال دلالة بعض أبياتها. ليس لشحنتها الشعرية، فهي أكثر من يعرف أن الجندية خلفت لدى زوجها الصارم فقرا كبيرا في الأحاسيس و جفافا في اللغة، بل لأنه استطاع من خلالها أن يصف كل مكونات الحياة التي كان يتطلع لعيشها هناك: الشمس، الصحراء، اللامتوقع، الخمول، تدفق الحياة في مجرى مفرغ من سعار الزمن، الجلسات الباذخة وسط الحريم و البخور و رائحة التوابل، صخب الأسواق و غنائية الحركات و الوجوه و الأزياء...

    و في آخر مقطوعة كتبها قبل أن يلتحق بالجبهة، تحدث عن " الحياة الأخرى" التي " يتحلب طعمها في فمه" و هو لم " يذقها بعد". و لا تعرف ماري ــ انطوانيت لماذا استثارت هذه المقطوعة الصغيرة بالذات كل أوجاع قلبها. و خلفت لديها رغبة في البكاء لا ترتوي. و في خطوات الأرق التي كانت تذرع بها البيت، انتهت إلى أن الإنقذاف المهول في المجهول و اللامعنى الذي أحست به في خضم دموع الوداع التي شيعت بها الأحبة الراحلين، مصدره بالأساس إحساسها بأن الحياة التي شيدتها لحظة لحظة منذ سنوات طويلة، سحبت هي الأخرى الباب و أوصدته في وجهها و رحلت. كيف سيكون للأشياء معنى بدون من كانوا يمنحونها بأنفاسهم و كلامهم الصاخب و الهامس و حركاتهم دفء الحضور؟..

    بصلافة الباب الموصد في الوجه، هكذا عاشت ماري-انطوانيت على عتبة الحياة. قبل أن تكشف تلك المقطوعة الصغيرة التي فسرت لها أخيرا لم أعرض زوجها عن الصلاة، و لم يذهب أبدا إلى الكنيسة. كانت جنته المحلوم بها و المنتظرة، توجد في ركن ما من الأرض، لا خارجها. جنة لن يوصل إليها لا القداس و لا الدعاء و لا الصبر لآلام الحياة، بل كمية كبيرة من المال لم تتوفر له أبدا، و قدرة على التحرر من كل الإلتزام. و اكتشفت ماري-انطوانيت بلا مزيد من الأسى، كيف أنها لا توجد في مشاهد الحياة الساحرة التي يضع لمسات إخراجها، فصيغة الخطاب مفردة بل إنه يصرح في مقطوعة أخرى، و بشكل فظ بأن لا مكان لها في الحياة التي يحلم بها:

    "وحيــدا تثخن في الهجير

    في قلوب الصبايا ذوات الوجوه النحاسية

    بين هامات صوامع الجوامع

    و بين تعريشات النخيل،

    وحيــدا تستعيد حلاوة التيه"

    عبثا حاولت التخفيف من غيظها. قالت لنفسها: لا عليه، فالتجارب القصوى لا تعاش إلا بشكل متوحد، ألا يحشر الناس فرادى؟ و قالت: لعلها كانت فقط أحلام يقظة. لكنها في حمى الأرق قررت بشكل مفاجئ أن ترحل إلى حيث كان يحلم بالرحيل، و بعد سنوات و في لحظات مكاشفة مع بيبينو لم تستطع أن تعرف بالضبط هل قادها إلى ذلك القرار، الوفاء و حب الرجل؟ أم الشعور بالإمتهان و السخط و الرغبة في الإنتقام للإهمال الذي كان يدخره لها، بالسير في نفس الدروب التي كان يحلم بها؟..

    تخلصت من التركة، و باعت البيت و احتفظت بملكية سيتكلف محاميها ببعث ثمن كرائها لها أينما كانت، عليها فقط أن توافيه بالعنوان. و في فوضى استعدادها عثرت على كتاب" إعادة التعرف على المغرب" لشارل دوفوكو و بين رسومه البيانية للوديان و الجبال و القصور و القرى، و أوصافه الباذخة لبلاد البارود و السيبة و السيكلوب و الغرابة، و حرصه المذهل على رصد أدق تفاصيل التضاريس و عدد محاربي القبائل و أنواع عدتهم كأنه يحمل في الكف التي يكتب بها أرواح كل جنود فرنسا الذين سيجتاحون المغرب يوما ما ، و هم عميان و هو دليلهم، بين كل ذلك تحددت وجهة ماري انطوانيت، فقد استبعدت الشرق لأن صحتها لاتحتمل السفر الطويل، و الجزائر لأن الدعاية تقدمها بوصفها فرنسا الثانية، و اختارت المغرب للقرب أولا ثم لأنه ظل كالرمانة المغمضة بالنسبة لكل الباحثين عن مشاهد الزمن الضائع في تعثره و مراوحته المكلة بين نفس الوجوه و العادات و الحواري و الأسواق. و في شهر أبريل من سنة ألف و تسعمائة و أربعة و عشرين ركبت باخرة تجارية إلى الدار البيضاء محملة بقليل من الثياب و بضعة كتب، و هي تردد لنفسها من الرهبة كلمات نتاليا كونشاروفا " أنفض رجلي من الغبار و أهجر الغرب الذي اعتبر ذهنيته التعميمية الغثة بلا معنى. طريقي يتحول إلى منبع كل الفنون، الشرق" .هيأت لها الظروف عجوزا جلس قربها و هي تنتظر وسيلة نقل تأخذها إلى داخل المدينة. و بعد دردشة قصيرة تكفل بتعيين وجهة رحلتها داخل المغرب. كان قد عاد لتوه من جولة ناجحة في جبال الأطلس و بكل ثقل السحر الذي مارسته تلك المناطق على وجدانه، و بكل الشاعرية و الرقة التي يتملكها الإنسان في أرذل العمر و قد تحرر أخيرا من الأوهام و الأثقال العالقة بالحياة، حكى لها عن ذلك الفضاء الذي طالته اليد العسكرية الفرنسية؛ لكن اليد الأكثر فظاظة و قسوة" للتمدن" لم تصله بعد، خنيفرة، آيت إسحاق، زاوية الشيخ القصيبة، بني ملال، أزيلال، دمنات... و ختم حكيه حين دوى صفير الباخرة التي ستعيده إلى فرنسا قائلا:''هناك على الأقل لا ترى بعد بإفراط السحن الصفراء لآكلي الجيف..''

    و لكن كيف تأتى لماري ــ انطوانيت أن تختار بني ملال مكانا لإقامتها الدائمة؟ أهي شمس ماي القاسية التي اعتصرت قلبها في رحلتها الطويلة و المضنية إلى الأطلس، حتى أن التفكير في الإنتقال إلى مكان آخر كان يتبدى لها في أيامها الأولى هنا تفكيرا في الإنتحار؟ أم فتنة الصمت الذي يجلل القبيلة طيلة النهار؟ يحول الناس فجرا صخبهم إلى الجنان و المزارع، لتملي الطبيعة بعضا من مشيئتها على العمران، فيحتل وهج الشمس الطرقات، و تثمل الطيور بفيض حريتها في الدروب الموحشة، و تطلق الأشجار و الأعشاب و الزهور و من كامل أعماقها أنفاسها الفيحاء فلا تكتمها الأنفاس الكريهة للقليلين الذين ظلوا بالدور بل تضيع فيها، ثم الإنبعاث الملغز في الأصيل للقبيلة من موتها اللذيذ. و الفرح الخالص و البسيط الذي تستشعره في الوجوه و الحركات و نبرات الكلام الفرح الموغل في القدم للإنسان و قد تحرر من العمل. بشماتة ممتعة كانت ماري-انطوانيت تتبع أفراد الهيئة الإستعمارية و هم يراقبون الهباء و يهندسون دينامية إخصاء جمعي، تبتذلها الجدران الصماء، كان بيرو عراب ــ الأولمب كما تسميه هي ــ فوق الرابية التي تشرف على الدور كعاهة فظيعة في جسم القبيلة، عاهة لم تستطع اجتثاتها فتناستها و هربت حريتها بعيدا عنها. أم الماء الزلال، و الهواء النقي، و مشيئة القدر؟..

    اكترت لوحدها بدون مساعدة منزلا بباب الفتوح، بين حفنة الدور التي تعلمت بها القبيلة كيف تحبو خارج السور الذي لم تعد له أي حاجة، و أثتته عن آخره و بقرار صارم بأثاث محلي. حتى أواني و أدوات الطبيخ فرضت على نفسها التكيف مع خصوصيتها المحلية. الأشياء الوحيدة التي حضر فيها الغرب هي كيانها نفسه و الصور الثلاث المخبأة في غياهب صندوق خشبي وتوقيع دولاكروا في نسخ لوحاته الأربع التي زينت الجدران: انطلاق الفروسية، خروج الباشا، فاطمة و قائد. احتفظت بها في خضم الإعدام الشامل لكل الأواصر التي تربطها ببلدها لآنها تعضد فقط الرؤية الحالمة التي كانت تقبل بها على حياتها الجديدة. كان عليها في شهورها الأولى أن تتجاوز حاجز اللغة و أن تتقبل فداحة قرارها بمقاطعة الفرنسيين المتواجدين بالقبيلة و أن تذيب حاجز التحفظ و التصنع الذي تحس به في تعاملها مع الأهالي، جملة، تعاملت بحساسية شديدة مع كل ما يجعل حياتها امتيازا، فلم تبد فقط نوعا من حسن الجوار على حد تعبير البير ميمي، بل ذوبانا في انشغالات محيطها. دخلت قلوب الجارات على خطى انسلاخها الباهر من هويتها. كن يقبلن بشغف كبير على نقش الحناء في يديها و تكحيل عينيها و تسويك فمها، و يلبسنها الشقة و السبنية و القفطان و الدفينة، و يعلمنها كيف تعزف على البندير و الطعريجة، و كيف تطبخ الكسكس و الطجين في مشاهد شعائرية امتلكت كل جاذبية و هالة الآخر حين يتنازل عن اختلافه الوحشي و غيرته القصوى و يقدمها قربانا لخصمه. و بالمقابل أخلصت القبيلة في تبنيها لها وسلتها في الإصطدامات اللاحقة من الهيئة الإستعمارية كما تسل الشعرة من العجين، و في كل الظروف و مهما كانت الحاجيات وجدت ماري ــ انطوانيت أبدا اليد الحنونة للقبيلة تمتد نحوها تماما على شاكلة تلك اليد الوهنة التي أخذت القفة من يدها في ذلك الصباح و حملتها لها حتى الدار برغم اعتراضها الشديد..





    سقــــوط بيـــرو عـــراب:



    حين أوصل بيبينو القفة كان أقصى ما طمع فيه هو أن تمنحه فرنكا يتدبر به نهاره، لكنها دعته ليعود بعد ساعة فانسحب إلى ظل شجرة غير بعيدة و بقي يرقب الباب. خرجت و لم يقو على السير وراءها و ترك ملاذه الرحيم وسط القيظ الذي أخذ يغشى كل شئ. و حين عادت بأشياء في يدها أمهلها بعض الوقت، ثم تقدم إلى الباب، يا للسيدة الكريمةِ لقد هيأت له أدوات الحمام و أعطته ثمنه، و بذلة كاملة، سترة و سروالا أدكنين وقميصا أبيض و حذاء و جوارب، و دعته للعودة بعد الحمام لتناول طعام الغذاء، و أخجلته فوق ذلك بإتقانها للعربية الدارجة. إذ لم يكن للإجهاد الذي فرضه على نفسه في حركة التقاط كلمات فرنسية سبق أن سمعها أي حاجة، و برغم أن بيبينو ــ و حسب سيرته وسط القبيلة ــ قد فطر على الجحود و نكران الجميل، فإنه لم ينس أبدا خير تلك السيدة، حتى أنه منحها و لوحدها و بعد ذلك بزمن طويل شرف تنكيس رأسه أمامها و إخفاء لفافة التبغ حين تداهمه بمرورها بالقرب منه و الكلام معها بمسكنة قصوى وصوت خفيض. بل من أجلها فقط ارتكب حماقة جلب أهله من الدار البيضاء. كان حين تضيق الدنيا الرحبة في وجه شطارته يسير إليها و لم تتردد أبدا في مساعدته.

    لقد أدرك من صباح اليوم الموالي لليوم الذي عرفها فيه عميق تأثيرها عليه. كان في قلب المظاهرة، تيار جارف من الحناجر المحمومة و الأيدي الملوحة. في قلب حرارة الأجساد الفائرة و القلوب المتفتحة، يحس ببرودة غريبة تكمم عواطفه و أحاسيسه. كان يشاطر التيار قضيته بوجوده الفيزيائي فقط، أما رغبته القوية في التنفيس عن قلبه و تفجير كل العنف التاوي في جسده فقد أخلت مكانها لإحساس أقوى. من أجلها هي فقط لن يجرؤ على سب النصارى كالآخرين مهما ارتكبوا من فظاعات. من أجلها أسلم نفسه للصمت وشكل نقطة اختلال في الكتلة الهائجة. كان يمضي وسطهم و لكن كل في فلك يسبحون. كانت الملاذ و الأم و الشفيعة...



    خبــــــــــــــــر:



    (لم يعد بوسع بعض شيوخ القبيلة الإحتمال، كانت سيرة المختار الجزائري في توزيع بطائق التموين قد ازدادت سوءا، و طالب الناس أعيانهم مرارا بالتدخل، لكنهم لا يفعلون، يقولون لأنفسهم أو لبعضهم إنها الحرب و لا يليق أن ننكأ الجراح.. و في ذلك الصباح المشهود قرر القايد صالح أن يكلم المختار لوحده، لعله يعدل عن حيفه. و في الطريق انضاف إليه محمد بن المولودي و العربي بن الطاهر سار ثلاثتهم إلى بيرو عراب بقلوب صافية و مسلمة لم تتوقع أبدا فداحة التطورات اللاحقة، إذ لم يسئ المختار معهم الأدب فقط بل هددهم بالحبس، فتطاول القايد، على قصره، و صفعه، فتكالب عليه المخازنية، و قيدوه و أودعوه السجن. تجمهر الناس الذين كانوا ينتظرون هناك قضاء حاجات أخرى، و عبروا عن احتجاجهم. و طار الخبر، جاب الحواري و الدور ووصل المزارع و الجنان، و حين بدأ الناس جماعات و وحدانا يهرعون إلى المكان سمعوا طلقات نارية أرسلها المخازنية في الهواء لتفريق التجمهر حول البيرو، لكن القادمين فسروها على أنها طلقات إعدام القايد، فتزودوا بالفؤوس و العصي و الغضب العظيم.. حاصروا المكان و أغلقوا بأجسادهم كل المنافذ و أجبروا المخازنية على التراجع و الإحتماء بالداخل، كسروا النوافذ و عالجوا قضبانها الحديدية لكنها صمدت و اقتلعوا أزهار الحديقة و أسقطوا السياج الذي كان يزين المدخل، و حين بدأوا يخبطون الباب بقوة، و هم ينذرون بالدم الذي سيراق و المذبحة القادمة:"أحنــا باللــه و بالشــرع... قايدنا ما قال عيـــب.."

    اضطر المراقب المدني إلى إطلاق سراح القايد، كان قد طلب نجدة عاجلة من خنيفرة لكن الباب لن يصمد حتى تصل. حف به الجمع المهلل و أركبوه حصانا أبيض ( ربما للإنتقام من الإذلال الذي بقيت تمارسه عليهم صورة الكولونيل أوبير حين دخل القبيلة)، ساروا وراءه ينددون تارة بالمستعمر و المختار، و يطلقون تارة أخرى شعارات النصر يهتف الناس بأقصى قدرات صوتهم المستعاد، يرجون المدى الذي أعادوا امتلاكه، و الزغاريد من فوق السطوح، من الأبواب، من الكوات تؤجج الجرأة في القلوب و تدفعها لركوب العاصفة، و تحرس الإستمرارية العصية لومضة الحرية.. دخلت المظاهرة ساحة فرنسا و بعد وقفة قصيرة انعطفت نحو ساحة الكركور ثم قصدت دار الباشا، مربض الخوف الذي لا يقترب منه الناس إلا متوجسين مخافة أن يخرج لهم زبانية غلاظ يودعونهم و لأيام قد تقصر أو تطول ركنة ما بالدار الكبيرة و شغلا شاقا، و مع الجوع و التنكيل و الرعب لا يتبقى من الخارجين إلا لهفة الروح المختلجة في خواء الهياكل المهدودة، بعصف كل الأحقاد المترسبة أمطروا الدار حجرا، و مزقوا حناجرهم بالسباب... ثم تآكلت المظاهرة تدريجيا، تعب القايد من الركوب، و تسلل البعض إلى دورهم من الجوع والتعب، و بحت الأصوات التي كانت ترفد الصخب العام. و قبيل العصر دخلت القبيلة سكينة استراحة محارب ظافر، لتصحو في الفجر على وقع الأحذية العسكرية لجنود النجدة التي وصلت من خنيفرة في الليل، و احتمت من الفوهات التي طرزت سطوح الدور ومداخل القصور و مفاصل الدروب بالحيطان و خلاء الجنان و المزارع. و لأن الصخب ــ كما الحرب ــ سجال، فقد أخذت الطلقات و صليل الآليات و الصياح بالأوامر و ساقط الكلام و نداءات الكرنيته للإحتشاد أو للتشتت، تدأب على مسح الكثافة اللامرئية لكل الهتافات الجريئة التي بقيت تلهب الفضاء، و حبك شظايا غلالة الصمت، و ترميم حطام التسليم و الخنوع. ثم بدأت أنباء الإعتقالات العشوائية في صفوف الشباب أصحاب الفريزي، تتنامى وسط اللغط الشديد، حتى سيق المساكين و في محاولة يائسة للتمويه إلى محاكاة الحجارة الملساء الصقيلة في رؤوس بعضهم البعض. و قد خلدت أغنية محلية ذائعة الصيت موسم جني الفريزيات المحموم هذا، يقول المغني مخاطبا صانعات الزرابي و الهدون:

    " إلى بغيتــي عروق الهدون

    سيـــر للزيتــون

    تلقاي لفريــزي ممشوط أو مدهـــون".)













    شــــــــرك الحنيــــــــــــــــــــــن





    حنيــن أول:



    كان الباب الخشبي السميك هو الملاذ الأثير للحظات استراحته، يرفع يديه الصغيرتين و يخبط سدى، أو يدس أصابعه في التجويف المعتم الذي يفصل الباب عن الأرض، مستسلما للدغدغة الناعمة التي يحدثها تيار الهواء الرطب الباحث هو الآخر عن منفذ. و صل إليه حبوا و مشيا بخطوات هشة مترنحة، ثم بخطوات ثابتة مصممة ، و لم يغير في يوم ما وجهة رحلة طفولته. كانت بضعة أمتار فقط تفصله عن الفضاء الرحب للساحة المقابلة حيث النور و الأطفال و الأشجار و دهشة الأشياء المرئية لأول مرة. لكن غواية العالم كله كانت تتركز في اللوح الأبكم و قضية أيام طفولته الأولى تلك تمثلت في الرغبة و التشوق للإمسك بالخرصة القصية فوق، و الخبط بقوة حتى ينفتح الباب أو تنخلع مصاريعه و يتهاوى. و قر ذلك في قلبه و هو بالكاد يتبين آثار مكنسة قد مرت فوق الأرضية المقابلة للباب، و يفرز من بين الأصوات بكاء وهنا يتسرب من التجويف المعتم في أوقات متباعدة، و يرصد المروق الخاطف لطائر القداسة المثلى'' بشار الخير'' في رحلاته التي لا تكل بين عشه في طاقة فوق الباب و باقي الدور. و في الأيام التي تتبلل فيها أرضية الزقاق بفعل مطر أو ماء مراق، كان يجد آثار وقع خطى خلب يتتبعها بشغف حتى يطمسها الباب القاسي. لقد جعلت هذه الحزمة الشحيحة من العلامات تلك الدار في أعين الطفل الذي كانه العلالي، موطن أسرار مثيرة لإضطراب لذيذ. ستوشم حياته كلها بهذا الإنبهار الطفولي، و سيتلمس أبدا بداخله عذوبة الخيالات التي كان يستنجد بها لإغناء الإستراق الحسير للبصر و السمع من الفجوات القليلة. و يتقرى اختلاج و نبض الجدران لإستطلاع حركات الكائنات الملائكية التي تملأ المكان بالتوقيع الأكثر إثارة: اختناقات بكاء متفرقة .. ثم و قد استطاع لتوه أن يتبين مقاصد الكلام، استولى عليه الشغف الآسر للحكايات و هي تفحم مناعة جدران الدار الغريبة و تهتك أسرارها، لكنها لم تخمد جذوة تعلق روحه بها بل قوتها...





    حنيــــن ثـــان:



    مغدا في حنين دائم للإنسياب السخي بين خصلات الأشجار و هبات الريح، معتليا الغمام و سابحا في الملكوت الرحب للفضاء كما لو أنه ركب بساطا طائرا، و ليس شاحنة مفككة يأكلها الصدأ و التعب، هكذا عاش العلالي منذ خمسة و عشرين سنة. يوم كان يستيقظ على نفير منبه الشاحنة الهائلة لمسيو لافو و هو يهز العتمة و يذورها بعيدا فيخطو أول خطى نهاره بعجل شديد في الساحة المقابلة لأحجار لالا ناقة، فيراه فوقها فاتحا ذراعي المخلص لإحتضانه و باقي أقرانه، و قد ملأ وجهه بضحكة نهمة و منتشية، تدرك أن لا أحد يسلم من غوايتها. و لحية حمراء مشتتة. ثم يباركهم ببسط يده الممدودة لإنتشالهم من حمأ الأرض، و تمضي الشاحنة بكومة الأجساد الصغيرة بإيقاع بطيئ حتى أن الأطفال الذين أخطأوا ترنيماتها الباكرة يدركونها عدوا و هي تخوض صراعها مع المسالك الوعرة المليئة بالبرك و الحفر الغائرة باتجاه الضيعة.

    في الأيام التي يفيض فيها الأطفال عن الشاحنة التي لا تسعهم، فيتمسكون بأطرافها و يتجرجرون على الأرض و حين لايجدون موطئا تتمسك به الأيدي، يكتفون بمتعة الجري وراءها. كان لافو يخرج رأسه من كبينة السياقة و من خلال غلالة البخار و الدخان و بعربية متعثرة مرفوقة بتلويحة من يده يصيح:" يا خرفان بني ملال تبعوني".

    للركوب المعذب وحده في الصباحات الباردة بشكل لا يوصف، و الأرجل حافية و الأطراف شبه عارية، للإستثارة المروعة، للذة العميقة التي لم تهجر بعد ساحة الأحاسيس و التخيلات، للمشاطرة الوهمية لمالكي الوقت: الباشا و الحاكم اللذان فسخا تحت عجلات سيارتهما المذهلتين و المنيعتين عالما لم يكن فيه مكان للحديد المتحرك بين انحطاط الحمير و اعتدال البغال و نبل و شهامة الخيل، قبل أن يأتي لافو بشاحنة و يفتحها في وجه حثالة القبيلة مرتين في اليو

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت أغسطس 18, 2018 8:49 am