oumolilt histoire et patrimoine

tout se qui concerne l'histoire / civilisation et patrimoine culturelle de notre mère lala timoulilt .

المواضيع الأخيرة

» معلومات جديدة في غاية الدقة عن ايت سخمان و ايت علي اومحند ببين الويدان
الأربعاء يوليو 18, 2012 3:29 am من طرف samah moujane

» اسباب فتح الاندلس
الإثنين أبريل 30, 2012 11:39 am من طرف samah moujane

» اكتشاف جيني جديد يؤكده علماء الوراثة كل البشر ينحدرون من جزيرة العرب
السبت أبريل 14, 2012 6:26 pm من طرف samah moujane

» شذرات من تاريخ واويزغت
الإثنين مارس 12, 2012 4:27 am من طرف Admin

» العقـل الأمازيغي: محاولة للفهم
الخميس يناير 19, 2012 3:10 pm من طرف jihad bouzidi

» المغالطات العلمية والتاريخية حول الهوية الأمازيغية
السبت يناير 14, 2012 3:40 pm من طرف jihad bouzidi

» شذرات تاريخية هام هام هام جدا
الأربعاء ديسمبر 21, 2011 5:34 am من طرف Admin

» Bernard Lugan : L’Egypte pharaonique est Amazighe, un séisme scientifique
الثلاثاء ديسمبر 06, 2011 8:13 am من طرف Admin

» عيد مبارك سعيد
الأربعاء نوفمبر 09, 2011 4:41 am من طرف Admin

أكتوبر 2018

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
293031    

اليومية اليومية

تصويت

دخول

لقد نسيت كلمة السر


    زغاريد الموت: دموع ايزا الجزء الثالت وقائع حقيقية

    شاطر

    jihad bouzidi

    المساهمات : 72
    تاريخ التسجيل : 26/03/2011

    زغاريد الموت: دموع ايزا الجزء الثالت وقائع حقيقية

    مُساهمة  jihad bouzidi في الخميس أبريل 07, 2011 7:19 am

    الطريـــــق إلــــــــــى بنــــــي مــــــــلال:



    عملا بنصيحة دليل الركب، ساروا في طريق حجرية ملتوية و ضيقة، وسط صمت مريب تمزقه من حين لحين خفقة مفاجئة و صاخبة لجناحي طائر الحجل. و بعد أن اختفت أشجار اللوز و ما خلفته الشمس من نباتات برية ملحاحة، و بقي الزقوم وحده يؤثث الفضاء المقفر، لاح دوار آيت أقدير في نقطة لا تدري أهي الحكمة أم الحماقة التي أبدعت وجودا بمثل ذلك الإستعصاء؛ كان بضعة محاربين يقتعدون الأرض على طول الطريق وسط أشجار الجحيم، يمدون بنادقهم في وجه القادمين حتى إذا تبينوهم طرحوها جانبا و عادوا لأحاديثهم. و وسط الدوار إفترش رجال الأرض، و أداروا بينهم نقاشا حادا و صاخبا. و غير بعيد، كانت بضعة جمال جاثية تمضغ بهدوء و أناة و طمأنينة يحسدها عليها عالم الرجال القلق و المتوتر أبدا، و بعيدا، انهمك آخرون في مراسيم دفن أحد الموتى بخطى وحركات يثقلها الآسى و الشمس الحارقة و التعب. و في ظل جدار تمدد يهودي كان يهش الذباب بطاقيته السوداء، واضعا رجلا فوق رجل بشكل يجعل أخمص رجله الحافية الباهث المرفوع يغطي كل جسده الضئيل. و كان النعلان اللذان يسندان رأسه يسمحان له بمتابعة ما يجري بنظرة باردة لا مبالية. إقترب منه شيمون. و بعد أن تبادلا التحية، طلب منه بمسكنة قصوى أن يدله على بيت أحد الزطاطة، إبتسم الرجل، وعوض أن يفعل أشار نحو الرجال الذين قرب الجمال و قال له: أتعرف لماذا يتجادلون؟ و دون أن ينتظر جوابا أخبره بأنهم تجار شمع و تمر وحناء و تلك قافلتهم، كانوا في طريقهم إلى بني ملال فأوقفتهم الأخبار السيئة، و أنه لو اعتلى تلك الربوة القريبة لرأى تحت في البعد دخان الحرائق و البارود... حتى العودة صارت غير ممكنة، على طول الجبل تدور حروب طاحنة بين القبائل الأمازيغية و الفرنسيس تسندهم القبائل العربية الخاضعة، القوافل و المسافرون و السعاة و الزوار.. الكل صار يضيع تحت سنابك الخيل و فوضى الطلقات و الهياج العام، إنه زمن آخر. ثم أرخى جفونه و استسلم للنوم. قرب شيمون الاثان من ظل الجدار، ترجلت إيزا و تهالكت حاضنة إسو فغشيها نوم كالرحمة، و استمر شيمون يحرص نوم الرجل، كان يزفر أنفاسه صفيرا متقطعا و يهتز ثم تنفلت منه حروف لكلمات تصل مهشمة من صخب داخلي كبير. و لما أفاق صعد شيمون بنظرة تستغرب طول مكوثه بجانبه. ثم جمع وقفته، و بعد أول خطى ابتعاده أشار نحو دار قريبة و قال: ''هناك أشجع الزطاطة... لكنه زمن آخر''؛ رفع يده محييا و مضى. سار شيمون نحو الدار. المكان الوحيد الباقي، سار بكل يأس من يمشي في طريق لا أمل يرجى منها و لا خلاص. و خبط الباب طويلا قبل أن يفتحه رجل ممتلئ القامة، عاري الصدر، يترنح من السكر، فيسنده رتاج الباب، و فتح بمكابرة عينين كجمرتين متوهجتين. و استمع لشيمون يعرض عليه أن يوصله إلى بني ملال. إبتسم بمرارة، و خبط الباب بقبضته، حاول دون جدوى أن يزيغ بصره عن الدفق الأخير لأشعة الشمس التي فقدت طلاوتها، و لم تفقد قدرتها على الإيلام فجذب شيمون. و في الظل الذي وفره، ثبت قامته و حدق في عينيه بنظرة مهيبة. و بصوت منكسر قال له وهو يدفع سبابته قرب عيني شيمون ثم نحو المدى المفتوح في أسفل الجبل: ''الزطاطة... الحقيقيون هم الذين يجتاحون السهل الآن...'' و خبط الباب.

    على خطى العودة أصيبت الشمس في مقتل، ارتطمت بالقمة الناتئة للجبل المجاور، و تدحرجت نازفة حتى تدرج الأفق من حولها بدم برتقالي شفاف. و انبثق الليل في لحظة سامقة من كوة سرية أو من قلب شيمون الموحش الجياش. و بضربة خاطفة صاعقة قطع كل الوشائج التي تربطهم بالمحيط، كأن الجمال و التجار المتجادلين و الجنازة و الدور والزطاط كائنات طيفية تهيم في النور وحده، لساعات طويلة ظل يتفرس في السديم الكثيف الذي يبتلع العالم المرئي و يترك الأذن وحدها سيدة للحواس. كان يلتقط برهافة كل الأصوات التي تصدرها الأشياء تنفيسا عن قرفها من عناء النهار، و يفكر في الشلل التام الذي انتهوا إليه، ذرات معطوبة راكمت كل بؤس و عذاب الكائنات التي حكم عليها بالوجود، معزولة و أسيرة مصير أعمى تكتبه المدافع و البنادق في البعد الذي لا يرى. فعدا زيارات لا يمكن تلافيها لبعض الهائمين على وجوههم و الهاربين، كانوا يعيشون في أمان عالم مكتف بذاته، يعتبر ما وراء أشجار لوزه و مراعي ماعزه أرضا مجهولة و معادية، إقتصاد مقايضة، وزمنا خاويا تتكرر فيه الأشياء بحرفية مذهلة، عودا أبديا مأمونا، عالما مشكلته الوحيدة هي أن لا شئ مثيرا يحدث فيه، تدأب الكائنات على تحصيل أفعال رتيبة في خط دائري لا محيد عنه، و قذفوا في عالم غريب، مفتوح على اللا متوقع و الشارد، زمن مخاتل و أمكنة مفخخة، قذفوا في تلك الحركية المبهمة لدفاع الناس بعضهم ببعض التي تسمونها أنتم تاريخ، و التي كان شيمون يرى وراءها لعنة، عقابا و غضبا للرب...

    رغم تحوطه الشديد و حذقه المرهف فقد انتهت قواه الخائرة إلى جره إلى غفلة و استسلام النوم. ذلك النوم المعذب القلق، كأنه في جفن الردى و هو يوشك أن يفتح. النوم الذي يفقد فيه الجسد الوعي، لكنه لا يتخلى عن تحفزه و هواجسه. لذا ما أن ارتطمت حوافر الحصان حتى هب صاحيا، و رآه ــ كما لو أنه في حلم ــ رافلا في البياض، يخترق الظلام كقمر أرضي، مكسرا للتناغم الرتيب لأصوات الليل بصليل عدة الحصان، الركاب و المهماز و فأس اللجام. ثم مترجلا من علياء السرج، و متقدما نحوه في أبهة بياضه كنفي متجسد للعتمة، دعاه للرحيل بصوت تغلفه كل الرقة الممكنة لقلب يفيض بالحنان، و ساعده في جمع الحاجيات، و ضبط ركوب إيزا و إسو فوق الأثان، و ربت على كتفه بإمتنان بضربة خفيفة لم يمنحها شيمون في العرفان العارم الذي استولى عليه الإعتبار اللازم. رغم أن الحركة في بساطتها و تفاهتها تلخص السيرورة النفسية التي قادت الزطاط من وقفة الباب المترنحة المجروحة، إلى المجيء الخارق في قلب الليل بمشية فخمة معتدة، كأن القادم شخص آخر. يكفيه أن يكون في هذا العالم إنسان واحد يثق فيه و في مقدرته، إنسان يجعل روحه طوع تدبيره، و يتنكر مثله للواقع الجديد، ليعيش الأشياء في استرسالها القديم، إعتلى الصهوة الشاهقة للحصان الأدهم، و سار شيمون وراءه يسحب لجام الأثان، ويقتفي صوت ارتطام حوافر الحصان بالحصى، و يقتفي معها العرف غير المكتوب لكل التابعين في التاريخ، شخصيات الظل و الإقتراض التي أفنت وجودها في تتبع الخطوات المختالة لمن قذف في قلوبهم روع الرغبة المستحيلة في تغيير مسار العالم فخرجوا هائمين على وجوههم في الأرض، لأن النصر و البطولة و اللذة و كل شئ يوجد أبدا في مكان آخر: شيبوب وراء عنترة، عمر العيار وراء حمزة البهلوان، عيروض وراء سيف بن ذي يزن، و شيمون وراء الزطاط، كأن الجوهر الماسي لن يظهر كامل بريقه إلا و هو محاط بالتراب، و البطولة و الإقدام لن يتحققا إلا و هما يجرجران وراءهما الخيبة و العجز. إن أصل العالم ليس النار و لا الماء و لا الهواء و لا التراب بل هو المفارقة. و التابع رغم هذا يستحق تمجيدا ما: ليسوا مجانين هؤلاء الذين يمتطون صهوة أوهامهم، و يطوعون الدروب بحثا عن لبن نوق العصافير، أو تفاح جازية بنت منصور القاطعة سبع بحور على ظهور النسور، أو بعث زمن بلا رجعة. الجنون الأقصى هو أن لا تقنع و لو واحدا بما تؤمن به، يكفيك أن تقتنص تابعا من وسط الناس، يسلم لك مصيره، يؤمن بك، يشاطرك هموم قضيتك، و يجعل من ظلك مسكنا لكينونته، لتمضي به و كأنك تسحب وراءك كل البشرية... بكى إسو، و أراد شيمون أن يناقش أمر الأجر. لكن الفارس مضى، و ألقى بندقيته على كتفه حين تجاوزوا حدود الدوار، بندقية طويلة كرمح، من فصيلة بنادق أول عهد الناس بالبارود، و التي لا يمكن تبرير طولها المبالغ فيه إلا برغبة التخفيف من الرعب الأكيد الذي يخلفه تفجير الطلقة في قلب مرسلها قبل متلقيها في عالم لم يكن يعرف للقتل غير صمت الحديد، و أخرج قطعة ثوب خضراء حزم بها رأسه. تتعثر الآثان في المنحدر يكون على رجليها الأماميتين خصوصا أن تتحملا الثقل كله، تترنحان قليلا و بقدرة قادر تتقدمان، و حين يبتعد الفارس كثيرا، تسترد الظلمة كلية الأدهم، فيصير الزطاط تماما كرجل إبن سينا المعلق في الفضاء. سالت بأعناق المطي الأباطح طيلة ما بقي من الليل، و عندما أخذ العالم ينكشف، لم يكن شيمون يهتم بحركته، كان مأخوذا فقط بالرغبة في رؤية وجه الفارس في صفاء النور، لكنه كان يمضي بعيدا دون أن يلتفت و لو مرة واحدة، مما ولد في قلب شيمون بذرة شك: ألا يسيرون في خفارة شبح بلا وجه؟ مروا بجانب دواوير يحضنها صمت مريب، و أدركوا حين أصبحت الشمس حقيقة مرئية المنبسط الكبير للسهل، أخذت الآثان تمنح نفسها لحظات توقف متتالية تخطف خلالها ما يملأ شدقيها من الحشائش. و بموازاة الجبل، ساروا تسترهم أغصان أشجار الزيتون المدلاة، فجأة توقف الفارس و أدار لجام الحصان إلى الخلف، و أخرج من صرة معلقة بجانب السرج قطعا صغيرة من شهد العسل، فأعطى شيمون و إيزا نصيبا و تراجع ليمضغ بهدوء نصيبه. لحق به شيمون. و حين كلمه رأى وجهه بوضوح، رآه يطفح بحمرة شفيفة كتلك التي لا يملك سر صناعتها إلا الخجل أو الحمى. و رأى المدى الهائل الذي قد يبلغه الحزن حين يفيض من القلب و يصوغ الكائن في كليته. أجهد الفارس نفسه في اصطناع هيئة مصممة و ثابتة، لكن نبرة صوته، و لحظات السهو التي تنتابه، و إطراقة رأسه و الوهج الخافت لعينيه، كل هذا كان يشي بعطب داخلي كبير. قال لشيمون إنه مصاب فعلا بالحمى لكن العصابة الخضراء علامة يعرفه بها الآخرون. و بمرارة تساءل: ''أين هم؟.''

    و قال له إن هذه الأرض كانت مليئة بالفلاحين و الرعاة وعاد للتساؤل: ''أين هـــم؟.''

    قال له إنها الرحلة الأخيرة التي يقوم بها. لقد أراد فقط أن يرى الطريق و الرجال... و أشار نحو الأثان: ''كيف أوصلتكم إلى هنا؟'' ثم لكز حصانه و سار إلى الأمام. تعطلت مرة أخرى في حلق شيمون الكلمات التي أراد أن يناقش بها أمر الأجر. بعد ساعات من السير المتعثر، كان الفارس يكبح فيها اندفاعة الحصان لمسايرة الوتيرة المقرفة التي كانت تسير بها الأثان. أدركوا غابة الدروة الهائلة، و ساروا بمحاذاة التماعة الحزن التي تشع من أشجارها المتعذر اختراقها، و سرت في قلب شيمون رعشة خوف، عبرت جسمه كله، خوف فطري من شئ غير محدد، يغذيه الصمت العميق الكاسح و الإلتفاتات القلقة التي أخذ يقوم بها الفارس.





    خــبــــــــــــر:



    (كانت غابة الدروة ــ في ما يحكي الرواة ــ مكانا أجرد، تخفف من وحشته في المشتاة مضارب إحدى القبائل السائبة، حين يداهمها الصقيع في الجبل، فتتعثر مصالح المخزن و يقتل الرسل و تعفر سلطة القواد بالتراب و يصير فيء السهل إلى بطون لا يزكيها لا شرع و لا نسب و لا عرف، فيضطر السلطان للخروج على مضض في حملة مرهقة لتأديب هؤلاء المارقين، أعداء الله، و حين يصل يجد الهباء. كانت الخيام قد جمعت في لمح البصر و من أعلى عليين كانت عيون القبيلة ترقب بشماتة جهد السلطان الضائع، و مهابته الجريحة في رحلة عودته الخائبة...

    و لأن الحرب سجال، يوم لك و آخر عليك، نجح السلطان مرة بعد خيباته المنكرة في محاصرة القبيلة قبل أن تتبخر. و بعد أن نكل بهم كما يجب، و سامهم سوء العذاب كما يجب، فرض عليهم الإقامة الجبرية، بأن أقسمت جماعة شيوخ القبيلة بالإيمان الغليظة أن لا تسل وتدا و لا وثاقا لخيمة ما ظل السلطان على قيد الحياة. لكن بعض أفراد القبيلة و مع وجودهم تحت رحمته، عادوا إلى سيرتهم الأولى، مما اضطره إلى تجهيز حملة تتقد شرارا و قصدهم فيما أراد أن يكون ضربة فصل في موضوع طال أكثر مما يجب. سمعت القبيلة خروج السلطان و اجتمع الشيوخ للتداول، كان الخلاص بينا. لكن القسم محرج، و ما أخلفت القبيلة عهدا و لو كلف قطع الرقاب. مر راع إسمه ذياب، و عنف غنمه قائلا:

    ــ سيري، الله يعوج طريقك كما عوج رأي الجماعة

    فتصايحوا

    ــ لماذا السباب يا ذياب؟

    ــ أقسمتم أن لا تسلوا الأوتاد و أن لا تحلوا الأوثاق، جزوها و خذوا خيامكم و اتركوا له ما أقسمتم أن لا تمسوه.

    قامت القبيلة إلى الخيام، و في لمح البصر كانوا قد أثخنوا في الجبل، ووصل السلطان إلى البرية يقتله الغيظ و التعب، ووقف مذهولا أمام غابة الأوتاد و أطراف الأوثاق العالقة بها و التي يداعبها الريح... في السنوات الموالية انتظرت الأوثاق خيامها لكنها لم تجئ، و انتظرت الأوتاد السواعد التي كانت تولجها في الأرض بشبق مكتوم، و من شدة الحنين أزهر حديد الأوتاد، و صارت الأوثاق أغصانا وارفة ظليلة، و منيعة إلا على ذكرى الأحبة الذين رحلوا)...



    بعد ما يقرب ساعة من الخوف و الترقب و العذاب، خرجوا إلى منبسط مكشوف، و لامست رجل شيمون أرضا ندية رطبة، استسلم بعدها للدغدغة التي يحدثها تمسح رجله بالأعشاب الصغيرة التي احتفظت رغم الشمس الباهرة بلسعة برودة لذيذة، فتغتسل خطاه من الغبار بنسغ الحياة و من صخب الحصى بحفيف و همس دبيب الحياة، و من الرمادي و الأصفر و كل الألوان الكئيبة بالخضرة الطافحة. لكن و قبل أن يستعيدوا تلك السكينة الهشة التي ساروا في كنفها منذ الفجر، تناهى إلى سمعهم دوي انفجار أعقبته طلقات نارية متفرقة، و تعالت هناك وراء أشجار الزيتون خيوط من دخان، و وصد باب العودة هو أيضا لتوه قبل أن يفكروا فيه إذ توالت الطلقات وراءهم. و ارتفع نفس الدخان، و بعد لحظات راوح فيها حصانه في مكانه، أمر الفارس شيمون بأن لا يبرح الموضع حتى يستطلع الأمر و يعود... لأول مرة في الطريق، و لأنه لم يرد أن يستسلم لوجع الفكرة القاسية: لقد تخلى عنهم الزطاط. تعلق فكره بأصوات الطيور، تلك الرحمة، ذلك المعدن الصلب المضيء الذي يستشرف النور في عز الظلام و يبشر به. و الذي شاء البشر ــ و بإصرار غريب لم يستكن يوما لتردد السؤال: هل بكت أم غنت؟ ــ أن يعمدوه فرحا، خفة و مديحا للحياة المحبوبة...

    عاد الفارس مثقلا بكل حزن البشر و عفنهم، فتوارت أصوات الطيور. قال لشيمون بصوت متهدج: أن فرقة نصارى مرت من هناك. و قال إنه رأى عيون القتلى و جراحهم و الدماء، و أخذ بندقية بوحبة من على كتفه، و هيأها للصدام بيمناه. و أمسك باللجام باليد اليسرى، و لكز الأدهم: لا مفر من التقدم...

    رأوهم، في أول خطى رحلتهم إلى الماوراء، مشتتين بأوضاع مختلفة في العراء، تترقرق جراحهم في وهج شمس الأصيل الخافت. يدرجون المدى الذي اختاروه مثوى أخيرا لأجسادهم بالدماء، سادة لمشيئتهم، عبيد ولائهم للأرض، يصعد بعضهم الوقوف بنظرات أخيرة لا استغاثة فيها و لا فجيعة، بل سكينة و دعوة للشهادة، لقد اعترضوا التاريخ بأجسادهم خارج كل تقدير لإحتمالات الخسارة أو الربح. كانوا هناك، عطلوا حركته بالصراخ الحاد، بمسارب الدم، بالمجد الكبير لرفضهم، و حين داسهم، أسلمهم لمهوى النسيان بتواطؤ غادر مع الطبيعة، إذ ستجف الدماء و تتحلل الأجساد، و يخنق الذكرى الكلام الرمادي، الذي لن ينصفهم أبدا إلا عبر تعريجه اللحظي الخفيف. و تعميماته الباردة...

    إربد وجه شيمون و بكت إيزا، و أشاح الفارس وجهه بعيدا عن المشهد الفظيع، و بصوت مختنق و بكل الدموع الثاوية تحت مقلتيه، دعاهم للمسير. حاذروا الأجساد، وخصوصا بريق العيون المودعة و حاذروا الدماء في قرانها العنيف بالأرض، وود شيمون بقوة لو يقف على رأس كل واحد منهم، يسنده، يتعرف على إسمه، وفصول الحياة المنتصبة العنيدة، و يخزن تلاوين مشهد الرضا الكبير الذي تقابل به انتفاضة الروح الأخيرة في الجسد. و حال نفس الإحساس الذي حرمه من الرؤية الأخيرة لداره و للدوار في أول خطى رحلتهم دون فيض مشاعره، إذ أنه لن يتملك فقط ما يراه، و الرؤية تملك، بل سيصبح أيضا أسيرا لموضوع رؤيته.و على مسافة أمتار من اجتياز آخر الأجساد الممددة، أوقفتهم صيحة حادة، خرجوا لهم من بين الأشجار، و اصطفوا مقتعدين الأرض على ركبهم و مصوبين بنادقهم نحوهم، و دعاهم نفس الصوت و بعربية متقنة إلى رفع أيديهم فوق رؤوسهم، إمتثل شيمون بتلقائية لذلك، و لم تعرف إيزا كيف ترفع يديها و إسو بينهما، بينما عدل الفارس هيئته فوق الحصان، إذ ألقى بثقل جسده على الركاب، و رفع عجيزته حتى لم يعد يلامس الحصان إلا بأسفل فخذيه، و تحرر في انتصابه من اللجام الذي شبكه في الذراع الأيسر ليده، و صوب فوهة بندقيته نحو الفرقة المصطفة. و بنظرة مهيبة، غسقية، غامضة، شيع الشهداء و شيمون وإيزا، و انطلق يعدو نحوهم. كانت لديه طلقة واحدة عليه أن يختارالصدر الذي يوجهها إليه، ونور الشمس الخافت الأخير، يختلج كطائر ذبيح وسط طلائع العتمة القادمة، إندفع نحو الكتلة الصماء المتحفزة كما تندفع نجوم ماتت منذ زمن بعيد إلى حتفها، متألقة، يانعة. و في اللحظة التي يعلم الله وحده كم من رصاصة اخترقت جسده، رفع فوهة البندقية فتجاوزت رأس الضابط الواقف خلف الفرقة، و تجاوزت العلم الذي يؤجج حماس الجنود للقتل، بل أنها تجاوزت الأشجار نفسها ولاحقت شيئا في الأفق المحتقن حتى وجدته: قرص الشمس الآفل، و فجر طلقته الوحيدة نحوه ليتهاوى فوق عنق الحصان الذي غير مسار عدوه، فاخترق الأشجار و غاب عن الأعين...

    انطفأ نور القرص ليسدل ستارا من ظلمة عن مشهد موت الفارس الأخير...





    الأســــــــــرى:



    ذرو سنابك الخيل الخانق، الصيحات المريعة، الأوامر و الأوامر المضادة، قعقعة السلاح، ضربات أعقاب البنادق، و السير المتلاحق بلا توقف و لا رحمة. كان الأسرى خليطا من بضعة محاربين، وفلاحين و رعاة، و عجزة، و أطفال، وعابري سبيل، فاجأتهم الحرب و جمعتهم القبضة القاسية للآلة العسكرية الفرنسية، و يتم الآن سوقهم إلى معسكر بني ملال الرئيسي، سلسلة أنين و جوع و تعب وخوف. و لتجنب بعض التأثيرات السيئة المتبادلة، و مشاريع الهرب الجماعية، فرض عليهم السير متباعدين و صامتين، محفوفين ببرهنة لازمة على الفظاظة الكاملة كان يدأب على القيام بها و بشكل متقطع حراس من لحم و دم الأسرى، يجهضون بها كل محاولة و هي بعد خاطرة...

    سار شيمون مكوي القلب، و سارت إيزا حاضنة إسو على رجليها هذه المرة بعد الحادث الذي لا يوصف، و الذي لن يتذكره شيمون أبدا إلا عبر اختناقات بكاء، ففي اللحظة التي انثال فيها الرصاص علىالفارس، صوب أحدهم رصاصةغادرة إلى رأس الأثان، تأرجحت على إثرها قليلا ثم تهاوت إلى الأرض، جثا شيمون و احتضن رأسها و هو يصعد نزعا أخيرا، نظرت إليه نظرة حالمة، نائية، فأجهش بالبكاء، جاء الجند و كالوا له الصفعات :'' يا فاجر تبكي حيوانا و أنت محفوف بالقتلى من الناس''. و دفعوه بعيدا بأعقاب البنادق...

    و طيلة ليلتهم الأولى في الأسر، رفضت إيزا مطلقا ــ و هي تعاني من ألم موجع في كتفها ــ أن تكلمه، و لزمن طويل لن تغفر له مسارعته لاحتضان رأس الأثان،و قد سقطت هي من فوق ظهرها على الأرض الصلدة، لكن كيف تتفهم لوعته؟ كيف يشرح لها الألم العميق للفقدان؟. في تلك الليلة لم يكن بوسعه التفكير في أي شئ آخر، و بعد تبكيت شديد للضمير، انتهى به الأمر إلى تعليق كل غلالة قلبه على جلباب إيزا الرجالي: فلو أشرعت أنوثتها لما كلف أحدهم عناء التصويب نحوها...

    في يوم الأربعاء السابع والعشرين من شهر أكتوبر من سنة ألف و تسعمائة و ستة عشر، و في خفارة شمس ضارية، وصل الأسرى إلى بني ملال، و حشروا مع آخرين في جانب من معسكر كبير للجند وسط مئات الخيام و اللغط الشديد، و الحركة الدائبة.. و في ذات اليوم، دخل الكولونيل أوبير إلى حواري القبيلة دخولا مظفرا و طاف بين القصور فوق حصان مطهم، ذي بياض خرافي، و رأى بابتهاج كبير السكينة و التسليم التام بل التحايا الخجولة التي يقابله بها الأهالي، تتويجا لثلاث سنوات طويلة من الحصار و الترهيب و شراء الذمم و الوعود و كل أصناف المناورة...

    وما كان هناك من يمجد خيلاء الكولونيل النابوليوني فيراه تجسيدا للعقل و التقدم والحداثة، لأن كل عيون القبيلة الذابلة رأت فيه فقط الكفر و قد اتخذ هيئة آدمية تدنس فضاءها، لذا طرزوا سطوح الدور بأواني طبيخ مفحمة، لعلها ترد بطاقتها السحرية القادم على عقبيه، في تلك الليلة و من أعماق قلب مكلوم قالت شاعرة القبيلة و هي بعيدة:...

    ''شفت الحاكم جايني رجداد

    بمدافعو جداد

    تبقاي بخير يالبلاد

    هذا ما كتاب''

    و قد أرضى استيهاماته، عاد الكولونيل إلى المعسكر و عقد جلسة تحقيق مع الأسرى، أفرج من خلالها و بأريحية كاملة عن أغلبيتهم، و من باب آيت بليزيد دخل شيمون متبوعا بإيزا الى قصبة بني ملال لا يلوي إلا على صرة البسيسة التي تخفي الريالات و ذاك الطوق الجارف إلى الاستقرار، و لو لأيام...



    كـلـــــــــــب المـــــــــدام :



    كم هو ثقيل الدين الذي على شيمون أن يوفيه للقبيلة؟؛ دخلها ضالا هائما فآوته، ووجدته خائفا فأمنته، وجائعا فأشبعته، و عائلا فأغنته...

    حين دخل القصبة كانت مسحة من الحزن و التعب الكبيرين تغلف الوجوه، فقد كادت أن تنفذ كل مدخرات القبيلة من القمح والذرة بعد أيام الحصار الطويلة، فوق أن القبيلة انقسمت على نفسها، فبين خناجر و بنادق القبائل الأمازيغية القوية المتمركزة في الجبل، و مدافع الفرنسيين، مزق كبد القبيلة و ضاعت كلمتها بين الأرجل، و بين كر و فر الحرب تطايرت أشلاء، فهرب البعض إلى ''مودج'' و ''شعب الآخرة'' و البعض الآخر إلى مضارب قبائل آيت عطا و آيت بوزيد، و قنع البعض الآخر بمهانة استقبال دخول الكولونيل أوبير للقصبة، و خلال كل الأهوال عاتت الأيدي فسادا في البساتين و الأغراس و الدور التي هجرها أهلها، حتى رتاجات الأبواب اقتلعت، و أحرق التبن المخزن في الكهوف، و حولت سواتير الخشب التي تسند سقوف الدور إلى خنادق القتال...

    لقد بحث شيمون في الأول عن الملاح، فدلوه على بيت أحد شيوخ الطائفة الذي تمكن بهالة لحيته البيضاء المترقرقة و صوته الهامس النفاد، و عينيه المشعتين بحكمة اختبار طويل للحياة، ان يغير مسار حياته، إذ طلب منه أن يصرف النظر عن فكرة مواصلة الطريق إلى مكناس، ليس فقط لأيام معدودة، بل لشهور و ربما لسنوات إذ أن حربا ضارية تدور على طول الأطلس المتوسط بين القبائل الأمازيغية و القوات الفرنسية. استضافهم في بيته عشرة أيام، أيام كان وقعها على شيمون بمثابة إسراء إلى النعيم، فبين جدران "الثابوت" السميكة شواهد العبقرية الخالدة لأهل قبالة، إذ و كما يوحي الإسم و ببلاغة لماحة، و هبته الجدران صمتا و سكينة و رطوبة القبر، و الزليج الأزرق الباهت، و زخارف السقف الخشبي، و خرير ماء الفسقية الخافت الذي يخوض حربا طويلة النفس ضد الصمت، تعضده من حين لحين، و شوشة خطوات، وقع مبهم شبيه بهسيس الهوام أو اختلاج رذاذ المطر فوق نافذة خشبية مبللة، معمار مضياف و مفتوح للداخلين، متنكر و مغلق على الخارجين، و فوق هذا أكلوا مما يشتهون، و استحموا و ناموا مطمئنين. بل أن الشيخ أخذ إسو الى طبيب المعسكر ذات مساء، و بعد فحص طويل أسر له بأن نور عيني الطفل في يد الله وحده ثم قطر في عينيه سائلا ضد الإلتهاب. وفي الختام دعاه إلى معاودة الزيارة أربعة أيام متتالية، و هو يفكر في إرضاء الشيخ أكثر من اعتقاده بأن أملا أو نتيجة ما ترجى من وراء علاجه. و عند متمها أسر له من جديد بأن الإهمال الطويل قيد للطفل أن يرى الأشياء و حتى الموت من خلال غمامة أبدية...

    حتى يبرهن شيمون للشيخ عن صفاء سريرته، و بقلب يفيض بالعرفان، أخرج العشرين ريالا من البسيسة و وضعها بحركة فخمة في كفه، كأنه يسلمه روحه. كان مستعدا و بنشوة فضيلة لا تجارى إلى المضي و تركها له، لا تردد، لا كلمة تقال، نحر للذات، تبديد للمرتكز الوحيد للأمان، و لكن رضا شبيها بخطوات إياب جذلى من رحلة تقديم قربان مكلف لإله حنون كريم. إبتسم الشيخ و أعاد الريالات إليه بتصميم لا يقبل المراجعة، و في الصباح الموالي اشترى شيمون برخص التراب ـ وتحت رعاية الشيخ ــ دارا بزنقة القايد العسري. و في اليوم نفسه اشترى هدونا و حصيرا و بعض أواني الطبيخ. و طفقا هو و إيزا يبكيان بصر إسو، و معه تمزقهم في الصميم...

    كان للشيخ و عند ساحة المطلق القديم متجرا كبيرا لبيع الأثواب و نصيبا موفورا في قافلة ملح تصل القبيلة كل خمسة عشر يوما، و يملك بالمناصفة مع رجل من أهل الصومعة معصرة للزيتون، و يدير في كهف دار متداعية مصنعا لتقطير شراب ماحيا، و استثمارات أخرى صغيرة و متفرقة، اشتغل معه شيمون مساعدا في المتجر أولا. ثم لما برهن عن خبرة كبيرة في الإستدراج و المحاججة و اللجاج أسلم له مقاليد إدارة كل شئ. و طيلة سنة ــ و هي المدة التي قيد للشيخ أن يعيشها قبل أن تداهمه حمى شديدة دفعت روحه للتسلل من جوفه على أطراف الأصابع ــ كان طعم الأشياء الحميمية المتبادلة بين العشيرتين اليهودية و الإسلامية، التداخل في الدور و العادات و مشاغل الحياة، كفرعي شجرة واحدة. إمتداد متفرد و خاص، و لكن تغذ من نفس الجذر و التربة و نسغ الحياة. نزهاته المتكررة بجانب منابع العيون، عين أسردون، عين تمكنونت، عين سيدي بو يعقوب، عين داي... و وقوفه شاردا أمام الفوران الصاخب، الإرهاص المدشن للحياة. كل هذا و غيره من الأحاسيس الجديدة، كان يهمس لشيمون من حين لحين: إنك لن تفارق هذا المكان أبدا...

    جاء الورثة، وبعد شهور كان الصرح المالي للشيخ قد أضحى مجرد ذكرى، و خلا المتجر تماما من السلع، فلم يكن على شيمون إلا أن يتدبر حياته في مكان آخر، فكر في العطارة، و في تكوين متجر خاص به لبيع الأثواب، و قنع في الأخير بالسهل: بيع قوته العضلية في سوق العمل الذي فتحه مؤخرا أوائل المعمرين. جاءوا كعصائب طير تهتدي بدخان البارود و الحرائق و حشرجات القتلى، ليلغوا في الدماء و ينهشوا اللحم و يمصوا العظام، يملأ الخوف قلوبهم و يجلل عيونهم، حلم الذهب الخبيئ في حوصلة الأهالي. كان بعضهم أكثر دموية من ضباط الحروب، يقتلون للشبهة، للحركات المريبة في الليل، لفض نزاعات صغيرة حول الملكية، للخلاص من الفائض البشري، مالتوسيون بحرفية مذهلة، يقتلون أحيانا للشهوة فقط، و في أبهة أسلحتهم كانوا يدرعون القصبة، يتقرون الحيطان كعتاة اللصوص، ثم يتوقفون عند أبواب دور بعينها... باعهم الأهالي أراضيهم طوعا أو كرها، بقليل من القمح، ببضع فرنكات، بوعود، ببسمة رضا. حتى انفطر قلب شاعرتهم الكبيرة فقالت:

    ''ابكـــي يــالمــلاليــــــــة

    ابكـــي بالدمــــــوع السخيــــة

    أرضــــــي تكلعـــــــت لـــــــي''

    كان السيد لانسو نشازا في السباق الضاري من أجل الذهب، رجلا دمثا ذا قامة قصيرة وبنية مكتنزة و أنف كبير مجدع و خدود ذات تورد أبدي و عيون قلقة، و بدون أي نية في الإساءة. كان كل من يراه يعتقد بأن الرجل ينقصه ذيل صغير ليصير خنزيرا كاملا، و بلا بهرجة حل الرجل ذات يوم و اشترى في جنح الظلام خمس هكتارات. بلا واسطة لا ضابط الشؤون الأهلية و لا الباشا و لا أحد قواد القبيلة، دفع في سبيل ذلك ما كان يبدو للأخرين إسرافا لا مبرر له بل حماقة، و خرج هو سعيدا بريء الذمة مفعما بالحيوية، و بعد ثلاث سنوات و أربعة أشهر و ستة أيام و أربع ساعات، كما هو مثبت في مفكرة السيد لانسو، استوت داخل أرضه دار جميلة بنيت على النمط الأوروبي، بسقف مائل يكلله قرميد أحمر و نوافذ كثيرة تشهر كل الجوانب نهما كبيرا لأشعة الشمس، و حديقة مزهرة، و زريبة سمعت لأول مرة في محيط القبيلة صوت الحيوان الملعون. كان السيد لانسو يتوقف مرارا في بعض مراحل البناء، و ينتظر التعليمات و الرسوم الهندسية الصادرة من مركز القيادة في مرسيليا، حيث كانت زوجته، و بمجموعة من الأقلام الملونة، تضع اللمسات الأكثر تفصيلا و الأكثر عرضة لتقلبات مزاجها، إذ كان منزل أحلامها يتخذ أشكالا عديدة، و لما كانت رغبات المدام أوامر بالنسبة للسيد، فقد ورطته و عذبته الرسوم المتناقضة للمدفئة خصوصا والمطبخ و بيت النوم و الحمام... و بكل طاقته الإنشائية و قدرته التوسلية كان يشرح لها في رسائل خطوات البناء، و الإمكانيات المتوفرة، و بالأساس ذلك الفرق الأكيد الذي عليها أن تتوقعه حين تصل بين الأحلام و الواقع مهما عذب نفسه في إرضائها، و من سوء حظ السيد أن المدام وصلت في عز حر شهر يونيو، و كما هو مثبت أيضا في مفكرته، كان ذلك أحد أسود الأيام في حياته، انتظره كما ينتظر الموت محكوم بالإعدام، و بسبب تشبيه مبالغ فيه اقترفه السيد لانسو في أول رسالة بعثها إلى زوجته من بني ملال، وقع ما كان يحذره، استشاطت غضبا و أنبته تأنيبا بالغا و هجرته في النوم بل إنها هددته بالعودة إلى مرسيليا، كان السيد قد كتب لها في رسالته الأولى الجمل التالية:" الطقس هنا مفرط في البرودة، في الليل و من الجبل المثقل بالثلوج تتعرض المنطقة لهبات قوية شديدة البرودة، سيبيريا صغيرة، بفارق واحد هو أن الشمس هنا تملأ السماء بشكل دائم. لكنها شمس للزينة و بلا مفعول". و عندما نزلت من الشاحنة التي أقلتها و صغيريها روبير و روزيت من الدار البيضاء متبوعة بشاحنات محملة بالأثاث، في رحلة مرهقة كانت تبدو لها بلا نهاية، بادرته و هي ترشح بالعرق و بنبرة غاضبة" شمس للزينة و بلا مفعول؛ يا إلهي''. كانت مستعدة للعودة مع نفس الشاحنة، لكن ألوان العذاب التي أذاقتها الشمس و نوبات القيء المتكررة التي اعتصرت بطنها، دفعتها للتذرع بالحالة الصحية للصغيرين . حاول السيد جاهدا أن يشرح لها نقائض و فضائل الطقس القاري من خلال عرض جغرافي مستفيض، لكن الغبار النزق الذي اجتاح الفضاء في عصر ذلك اليوم المشهود بدد حججه، و انتهى بأن أكد لها بأن تلك الرسالة كتبت في شهر يناير، و الأمر كما وصف، و سوف تتأكد من ذلك. لكن لاشيء في تصرفات المدام كان يدل على أنها ستنتظر حتى العام القادم، فقد انسحبت مع صغيريها إلى بيت النوم و تركته يرتب الأثاث على هواه. و لأيام احتفظت بكل حاجياتها في الحقائب المغلقة...

    شهد شيمون رفقة السيد مراحل البناء خطوة خطوة، فقد ارتاح له السيد من أول يوم اشتغل فيه معه، و في المساء، و قبل أن ينصرف أبرم معه عقدا شفويا طويل الأمد، و إلى جانب ساعات العمل المرهقة، كان الرجلان يجدان فسحات من الوقت للثرثرة، يعلم فيها الواحد الآخر لغته، و يحاول السيد أن يأخذ رأي شيمون في معاني الرسائل الحاسمة التي يكتبها، ثم يحكيان لبعضهما بنتف الكلمات التي تعلماها و بالحركات وقائع من حكاية العمر، و في الأيام التي كان ينتظر فيها السيد التعليمات، كانا يخرجان لصيد السمك على ضفاف ساقية داي، أو يتجولان في البساتين، و خلال لحظات بوح صادقة كان السيد يشكو له عذاباته مع المدام، و بتكرار الأمر انتهى شيمون إلى تشكيل صورة مروعة عنها في خلده، صورة جانبت تماما الواقع الذي رآه...

    كان رباط السيد بالمدام من تلك الزيجات التي لم يتدخل في صنعها لا الحب و لا الشفقة و لا القرابة و لا حتى حسابات المصالح، فزواجهما كان خلوا من كل هذه الأشياء، لقد صنعته الحياة نفسها لمتعتها الخاصة بلا مبرر و لا شرط و لا سبب، و من خلال قهقهة فاجرة. كانت المدام جميلة جدا، هيفاء، بصدر فسيح ، خصر ضامر ، عجيزة ممتلئة، عيون لازوردية، و شعر بلون سنابل أثخنت في الحياة و فم صغير تدرج شفتيه أبدا بحمرة صارخة، تقويسة ساحرة لم تخلق أبدا لتكون مقبرة لأشياء العالم الخارجي بل ملاذا و رحمة...

    استغل السيد ــ كما فهم شيمون من إحدى حكاياته ــ الصحراء التي كانت تمر بها على إثر أزمة عاطفية حادة كرهت فيها الرجال حتى الثمالة، فقدم لها قلبه هو و عن طواعية مضغة للتنفيس، و هدفا لسهام غلها، و في غمرة حميتها في التطهر و النسيان رزقا روبير و بعده روزيت، فكرهت حتى نفسها و حرضته على الهجرة، مضحية بمستقبلها العلمي داخل الجامعة، ــ كما كانت تفهمه دائما ــ حيث كانت تتابع و بشكل متعثر دراسة الطبيعيات.

    خف تهديد الحقائب المغلقة تدريجيا، بدأت المدام بإخراج الموسوعات و الكتب واحدا واحدا، ثم انتقلت إلى أدوات الزينة، و بعدها إلى الثياب. و قامت بنزه صغيرة أذابت الوحشة شيئا فشيئا في صدرها. كانت فرحة السيد تكتمل بصعوبة، و وفق تسلسل تصاعدي هش، و في الليلة التي سمحت له بالنوم بجانبها انتابته نوبة عصبية من فرط السعادة، برغم وابل الترتيبات التي ذيلت بها سماحها كالإستحمام و تنظيف الأسنان و التطيب و عدم الشخير و الإستقامة في التمدد... و انطلقت الحياة...

    كانت المدام تخضع الدار لنظام حديدي، تعنف الخادمات البلديات الصغيرات، و تشرف على كل شئ بما في ذلك التفاهات. و في المساء تخلد فوق المقعد الهزاز الموضوع في مواجهة الحديقة لكتبها و موسوعاتها. و كطالب مجد، و لأن السلاح النظري وحده لا يكفي، أخذت المدام تخرج إلى الميدان، و لساعات طويلة في الليل تشرح النباتات و الحشرات التي عادت بها، ترصد المكونات و تسجل الملاحظات و تصنف الأنواع، و بتوالي الأيام صار هوسها العلمي يدفعها للشرود بعيدا عن المناطق الآهلة بالفلاحين و الرعاة أو فوق غار للنمل أو شهد نحل أو زنابير.. كان السيد لانسو يبارك في قرارة نفسه حمى المعرفة هاته، و يرى فيها صيغة غير معلنة للإرتباط بالمكان، رغم أنه كان يجادلها من حين لحين في مدى إلزامية البحوث الميدانية في المناطق الموحشة. بإقتراح من المدام وحتى تعم السكينة القلوب، كلف شيمون بشرف مرافقتها، كان هو و السيد يعتقدان بأن الأمرلن يدوم سوى بضعة أيام أخرى، تستنفد خلالها قدرتها على الإستقراء، لكن مشهد المدام بطربوشها الكبير و حذائها الصلد ونظراتها المتفحصة و المشدودة إلى الأرض، و الخطوات المتعثرة لشيمون خلفها و السلة التي تثقل يده لساعات، و نظراته اليائسة، و هيئته المتعبة، طال لسنوات ليبرهن على أن معين المعرفة و فضول بعض القلوب لا ينضبان أبدا...

    كان كل الفضول العلمي للمدام يتركز حول القضية التالية: الحب في مملكة الحيوان، أما الإهتمام بأنواع النباتات و مكوناتها فلم تكن سوى نوافل معرفية أو مناورة تخفي من خلالها المدام موضوعها الأثير، لذا كان يحلو لها ــ و لا حياء في علم ــ أن تشرح لشيمون أدق أنواع التزاوج بين الحشرات وأكثرها فحشا، مستعملة كلمات فاضحة و متهتكة، و بخلاف روح الصرامة التي كانت تحكم تصرفات و أقوال المدام في كل جوانب الحياة، كانت حين تتحدث عن الحب في مملكة الحيوان تستسلم بعد ذلك لنزعة روحانية مخدرة، و تهويمات صوفية غريبة عن الحب الأبدي، و ما كانت تنقص شيمون النباهة ليدرك و هو العطار الذي اشتغل طويلا مع النساء، مدعوما بحكايات السيد، أن المدام لا زالت تنزف من الجرح الغائر في قلبها، و الذي قادها أولا للزواج ثم الهجرة، و أخيرا للهروب إلى مملكة النبات و الحيوان...

    لاينكر شيمون أن خبيبه المذل خلف المدام، و الذي عفر صورته ليس فقط بالنسبة للمسلمين بل و حتى داخل العشيرة اليهودية لدرجة أن إسمه ضاع و لسنوات أمام اللقب الذي ضمنته القبيلة كل احتقارها و استنكارها: " كلب المدام ". كانت به ظلال متعة يستشعر وجودها الأكيد حين تضطر المدام لطارئ ما إلى عدم الخروج، من قلقه، من النقص الذي يصير حياته يبابا من ذلك الشئ الذي يعتصر قلبه، شئ لن يسميه حبا، لأنه كف عن التفكير في ذلك منذ تلك اللحظة التي انزلقت فيها رجل المدام فاعترض جسدها الهاوي بكلتا يديه، بشكل جعله يحضنها و يتماسا بخديهما، و يستقر أحد نهديها مباشرة في يده، كانا وحدهما بين الحشائش السامقة، فنفرت من بين يديه بقوة كأنها لامست نارا، خائفة بل متقززة إذ أخذت تمسح بمنديلها الموضع من وجهها الذي لامست به وجه شيمون، و عادت مباشرة إلى الدار، أنذاك تمنى لو كانت تكرهه، فالكراهية قد تتحول يوما إلى حب، أما المقت فلا و إلى الأبد، لقد أدرك بأنه لا يشكل في عينيها سوى كومة قذارة تجرجرها وراءها، كومة قد تسمو أحيانا لتصير أستاذا تستظهر أمامه كتلميذ نجيب ما اختزنته ذاكرتها، و قد تنحط قليلا لتصير تلميذا نجيبا تذهله بهالة اليقين الذي تمتلكه و تلهبه بنور العلم الوهاج، و لكنها لا تتجاوز أبدا ترددات هذا الشرط التربوي...

    في أحد الأيام استصحب معه إلى الضيعة إبنه إسو الذي لم يكد يستقر يوما واحدا أمام المعلم في المصلى، كان نور عينيه الحسير، قد منحه انكفاء غريبا إلى الداخل، إذ لم تكن أشياء العالم الخارجي تعني له شيئا، لذا كان يتحرر بكل أريحية من كل ما يربطه بالأخرين، يعطي لرفاقه لوازم تعلم الحرف، و قطعة الخبز التي تدسها له إيزا في كمه تحسبا لطوارئ البطن، و الفرنك الذي يصل يده، و قد يجردونه من ثيابه و يعود عاريا، أو يتنازل لأحدهم عن نعله ليعبر أحد السواقي و يعبر هو حافيا، و في وجهه تعلم أشد الأطفال ضعفا و خوفا أولى لكماتهم، بل أنهم أخذوه ذات مساء إلى الأحراش المحيطة بعين تمكنونت و لوثوا مؤخرته بالبصاق و الضربات المتسرعة والخاطفة لأعضائهم المتبرعمة. ما كان يغيض شيمون و إيزا أشد الغيض، ليس صنوف التنكيل هذه في حد ذاتها، بل الرضا العجيب و الإستسلام الكبير الذي كان يقابلهما به إسو. فلم يحدث قط أن عاد باكيا أو شاكيا. حتى أسماء معذبيه كان يحتفظ بها لنفسه، و لم يعرفا أبدا أهو الخجل، أم أن الطفل يثوي في صدره قلبا أبيض لنبي يسلم أمره لقصاص إلهي آجل؟. سعد روبير كثيرا بزيارة إسو فقد وجد أخيرا مادة حية متحركة ليشبع فيها ميوله العدوانية المشتعلة، ألقاه في حظيرة الخنازير. كواه بالنار ووضع يده الصغيرة في رتاج الباب و صكه بقوة، حتى كاد يقطعها. و طلا وجهه بالأصباغ، و حين كان شيمون يثور لهذه التصرفات و يترك إسو في الدار، يبكي روبير بكاء طفل حرم من لعبة ممتعة فيرق قلب المدام، و بكلام خفيف عن عقلية الأطفال و براءتهم و خصوماتهم.. تضطر شيمون ليعيده صاغرا إلى العذاب...

    كانت أخبار نزهات شيمون مع المدام تصل إيزا و هي أسيرة دارها على لسان الفلاحات والراعيات و نساء يزجين الوقت و أخريات يغويهن اجتراح الفضيحة في زمن خاو، وضع فيه السلاح و استوت الهامات تحت الجزمات الصلدة لجنود الإحتلال، و تحول الناس من أخبار الحرب إلى تفاهات الحياة اليومية، كان شيمون يخضع في الليل و هو المتعب إلى جلسات تحقيق و شكوى، يختلط فيها البكاء بالعتاب بالقسم، فينتابه الأرق، كيف يقنعها؟ كيف يدحض الحجج المعززة بأوصاف دقيقة لمشاهد فاجرة متوهمة؟

    كانت إيزا في أقصى اضطرابها العصبي تلجلج في الكلام. و تبكي بلا انقطاع، و تشكو من صداع حاد في الرأس و إنعدام تام للشهية، فقد سقط الحمل الأول و الثاني و الثالث و الرابع منها في شهرها السادس. و بعد أن علقت في حزامها قفلا ليمنع الجنين من الخروج في غير أوانه، و زارت الأولياء، و أكلت و شربت وصفات معينة، و حاربت العين الحاسدة و تحصنت ضد الجنية ليليث قاتلة الأطفال، و علقت ورقة مكتوب عليها أسماء السبعة عشر، و أعطت بلا حساب للمحتاجين، و طهرت قلبها من كل الضغائن، و أخضعت شيمون للمجامعة وفق القواعد الأشد أخلاقية فلم يعد يتكلم أثناء المجامعة لكي لا يخرج الطفل أطرش، و لا ينظر اتجاه موضع الفرج لكي لا يخرج أعمى، و لا يدفعها للإنقلاب على جنبها أو ظهرها لكي لا يخرج أعرج، و هكذا... لكنها لم تستطع أبدا أن تتحكم في خيال شيمون الذي يجنح حتما للتفكير أثناء ذلك في في مدام لانسو، و هو جرم و انحراف كاف لوحده لإفساد الجنين في الرحم. لذا لم تجد بعد خيباتها المتكررة و ألم الوضع في غير أوانه، إلا أن تلقي باللوم كله على شيمون. هو الذي يقذف في رحمها ماء ملعونا و ملوثا بالخيانة، ثم تدعوه بحرقة و في كل يوم تقريبا و في أوضاع غير مناسبة للعودة من حيث أتوا...

    صارت حياة شيمون جحيما لا يطاق يعذبه فيه خصوصا شك إيزا و الإنكسار الذي لا يرمم للثقة المتبادلة بينهما. و لم يكن في مقدوره هجر العمل غير المكلف عند السيد لانسو، الإمكان الوحيد الذي سيخفف من آلام إيزا و حنقها عليه، حتى أضاع رجله في حادث سقوطه..

    في إحدى نزه شيمون مع المدام صادفا تحت شجرة زيتون شاهقة طائرا صغيرا لم ينبت الزغب بعد على جسده، ألقته هبة ريح أو نوبة طيش من العش، فلم يرتطم مباشرة بالأرض لأن بعض الحشائش الطويلة تلقفته و انتنت حتى أوصلته سالما إلى التراب. أصرت المدام أمام صفيره و أصوات اللوعة و الإستغاثة التي كانت ترسلها أمه المحومة، على أن يعيده شيمون للعش، تردد و تلكأ و أوكل في النهاية أمره للرب، فخلع نعله و صعد بأناة. كان الخوف و الصعود بيد واحدة ــ لأن اليد الأخرى مشغولة بالطائر ــ يدفعان شيمون للمجازفة بعدم تثبيت رجليه فوق الأغصان، و حين أوشك أن يضعه في العش انزلق و تهاوى معه إلى الأرض، مات الطائر لتوه، و أحس شيمون بألم فظيع في رجله اليمنى و رأسه، و تحسس الدم الساخن الذي تفجر منه و صعد المدام بعينين فيهما من العتاب و المؤاخذة أكثر مما فيهما من الألم و الشكوى. قبل أن يغمى عليه، أنذاك كانت تعنفه و قد آلمها مقتل الطائر أكثر مما ألمها فخذ شيمون المكسور. و كانت تلك الحركة البطيئة التي أسدل بها جفنيه عن صورة المدام فاصلا بين سيرتين و إحساسين. فبعد أن شفي و خلع الجبيرة دخل عالم التجارة من جديد. و كانت خطاه تقوده إلى الضيعة لأمر ما يكون في الغالب طلب توسط عند ضابط الشؤون الأهلية الذي فتنته حقا المدام، يدخل الضيعة كالغريب و يخاطب السيد و المدام بكلام لا ألفة و حميمية فيه بل مسافة و برودة، يشجعه أبدا على ذلك إحساسه بأن له عليهما دينا ينبغي أن يفياه، و كان السيد يحبه بصدق فلا يرد له طلبا.













    غــــربـــــة الكـــــــــــــازاوي الضليـــــــــل





    كان يستعيد تدريجيا إحساسه بالعالم، حين خرج من دار الدراويش. لم يكن قادرا على السيطرة على رجليه، و كانت كتفه و يده اليسرى المثقلتين بالخرق، تفسدان توازنه فيمشي مائلا، متأرجحا كأنه يدافع ريحا قوية، كان الضياء الكامل لتوسط النهار يبهر عينيه المشبعتين بالعتمة، فلا تعرف هل يلقي رجليه الحافيتين بتردد و توجس و يعجز عن تثبيتهما على الأرض، من الوهن أم من العمى؟ و من فتحتي تشاميره كان يظهر عضوه السري مرخيا، وسط شعر عانته الأسود الطويل كجذع شجرة ذابل وسط غابة متفحمة، مجردا من كل أبهة و قدرة على الإثارة، ففي زمن الحرب و الجوع و المرض الكاسح الذي تعيشه القبيلة، يستحيل الجسد كومة من العفن و النتانة و الشكوى، و يتناثر الآدميون في الطرقات كالروث، يمتص القمل ما بقي من دمائهم عرايا نساء و رجالا. و في أحسن أحوالهم يلبسون قشاشيب فظة من كتان الخيام، أو من إعادة تفصيل تلاليس بهائمهم؛ قبائل بأسرها جاءت كخلايا النحل لتتحلق حول العين، ممددة في سكينة الموت، و الإستراحة المؤقتة من كل الأحقاد، و إكراهات الشرف و الحروب الصغيرة من أجل الحدود، و الماء، و أخطاء البهائم السائبة، و من أجل لا شئ... لقد جاء مرض التيفوس مع أول أنباء الحرب، و ما لبث أن لحق بهما الجوع على عجل، جوقة جنائزية مرعبة، أياد باطشة لا تخطئ للموت، من أفلت من هذه أدركته الأخرى. و شهدت القبيلة بلا مبالاة تامة، أفراد العشيرة الإستعمارية نهب التوتر و القلق، أكثر انطواء على النفس، و قد تحول صخبهم و حركتهم الدائبة و اعتمادهم الوحشي و الغريب على النفس، إلى خمول و تواكل، وصارت اجتماعاتهم حول الموائد الباذخة و شاعرية الأنخاب، إلى نثر الثرثرة اليائسة المملة عن الحرب. و بقليل من الإهتمام رأوا الشاحنات تأتي اتباعا بهديرها الرتيب، و وجوه ركابها الغرباء القاسية المتعرقة، و تذهب محملة بكل ما أنتجته الأرض و البهائم، وحده اعضيضة المخبول كان يتمدد أمام عجلة الشاحنة ليمنعها من الحركة، و يدعو المارة بحرقة ليفعلوا مثله، وحين يزاح بقوة يمسك بها من الخلف و يحاول أن يوقفها فيجرجر على الأرض باكيا صارخا من الألم و اللوعة:

    ــ واناري... واناري... واناري..

    ثم تتكشف عنه سحابة الغبار جاثيا على ركبتيه يقطر دما، يحثو التراب، و يهيله على رأسه مرددا:

    ــ خلات... خلات...خلات..

    لم تكن لا الوجوه المثقلة بسيماء شفقة تطهرية، و لا المرحة بابتسامتها الساخرة المتسترة على خوف أكيد، و لا المأخوذة في حيادها برزانة الحكمة القاتلة ''أللي ما خرج من الدنيا ما خرج من عقايبها''، تدرك خارج غرائبية المشهد المختزل إلى استعراض مرتجل للعضلات في محاولة متنطعة لإيقاف الشاحنات المتحركة، سر النبوءة الصادقة في كلمات اعضيضة، و إرهاص المصير القاتم الذي يعلن حضوره في آثار رحيل الشاحنات، بدد اعضيضة دمه و لم تتحرك القبيلة، بل أنها لم تفهم مغزى حرقته و موته إلا في تلك اللحظة التي لم تعد تجد فيها شروى نقير.

    و بكل الإهتمام الذي لا ينفع، رأت القبيلة نفس الشاحنات تعود، و كما كدست أكياس القمح، و الصوف و الخرفان، كدس البشر، كل سواعد القبيلة الخماسة و الرباعة و أصحاب الخبزة و الرعاة، سيقت بالترهيب و الترغيب، بسراب الوعود و صرامة الأوامر و حكمة الإمتثال، للمقايضة الفاجعة للدماء ببضعة أمتار من كتان خشن أو كيلوات سكر. أخذتها العائلات الثكلى بعد أن فلسف الجوع النذل مبرراتها: كلفة أخرى، لا عناء فيها غيرالبعد، و أسلمت أبناءها وقودا لف

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أكتوبر 16, 2018 4:39 am