oumolilt histoire et patrimoine

tout se qui concerne l'histoire / civilisation et patrimoine culturelle de notre mère lala timoulilt .

المواضيع الأخيرة

» معلومات جديدة في غاية الدقة عن ايت سخمان و ايت علي اومحند ببين الويدان
الأربعاء يوليو 18, 2012 3:29 am من طرف samah moujane

» اسباب فتح الاندلس
الإثنين أبريل 30, 2012 11:39 am من طرف samah moujane

» اكتشاف جيني جديد يؤكده علماء الوراثة كل البشر ينحدرون من جزيرة العرب
السبت أبريل 14, 2012 6:26 pm من طرف samah moujane

» شذرات من تاريخ واويزغت
الإثنين مارس 12, 2012 4:27 am من طرف Admin

» العقـل الأمازيغي: محاولة للفهم
الخميس يناير 19, 2012 3:10 pm من طرف jihad bouzidi

» المغالطات العلمية والتاريخية حول الهوية الأمازيغية
السبت يناير 14, 2012 3:40 pm من طرف jihad bouzidi

» شذرات تاريخية هام هام هام جدا
الأربعاء ديسمبر 21, 2011 5:34 am من طرف Admin

» Bernard Lugan : L’Egypte pharaonique est Amazighe, un séisme scientifique
الثلاثاء ديسمبر 06, 2011 8:13 am من طرف Admin

» عيد مبارك سعيد
الأربعاء نوفمبر 09, 2011 4:41 am من طرف Admin

يوليو 2018

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
      1
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
3031     

اليومية اليومية

تصويت

دخول

لقد نسيت كلمة السر


    زغاريد الموت: دموع ايزا الجزء الثاني

    شاطر

    jihad bouzidi

    المساهمات : 72
    تاريخ التسجيل : 26/03/2011

    زغاريد الموت: دموع ايزا الجزء الثاني

    مُساهمة  jihad bouzidi في الخميس أبريل 07, 2011 7:06 am

    في اليوم الرابع عشر من شهر يوليوز ألف وتسعمائة وستة عشر، تحت شمس لاتطاق، وفوق آثار هروب أغلب أهل القصبة، كانت سريات الخيالة والمشاة وبطريات المدافع وبغال المأونة والعربات مصحوبة بموسيقى عسكرية مجهدة وحزينة تعزفها فرقة وصلت لتوها، تمر أمام عيني الجنرال اليوطي الوماضة بالفرحة، في ساحة المطلق القديم. بينما ملأت طائرتان حربيتان سماء القصبة الصغيرة، فحلقتا على علو منخفض مرارا فوق الدور المهجورة التي رمدتها وأحرقتها قنابل الميلينيت، كان عرضا عسكريا مرتجلا حرص الجينرال على تحمل عناء حضوره شخصيا، ليؤشر على أن مقاومة قبائل سهل تادلة قد انتهت، وأن حرب الجبل الطويلة والقاسية قد بدأت.

    في ورقة من مذكراته مؤرخة باليوم نفسه، سيكتب الكولونيل أوبير أحد قواد الحملة التي حققت ذلك "سقطت قصبة بني ملال في أيدينا للمرة الثانية بلا مقاومة تذكر، اللهم مقاومة الناموس والمالاريا" .







    الحمـــــلة و النامـــــوس





    عندما اضطر الكولونيل القاسي وبعد حروب خائبة إلى التراجع إلى حدود قصبة الزيدانية، وفرسان ائتلاف قبائل بني موسى و بني عمير الذين استماتوا في الدفاع عن دار ولد زيدوح تلاحقه، حصن موقعا هناك، وعسكر أياما نفض فيها عن نفسه وعن جنوده غبار الأرض الرخوة و الهزيمة و الرعب. و عوض أن يتراجعوا إلى مناطق أمنوها بفظاعات لا تحصى، كما اعتقد باقي الجنود، دفعهم إلى السير في خط شبه مستقيم نحو قصبة بني ملال. كان الكولونيل يريد نصرا، وبأي ثمن، وكان يؤمن بأن هزائمه السالفة، ترجع إلى أنه حارب بلا سند عدوا وهميا، جبانا، يتقن التراجع عند المواجهة، ثم يباغث حين لا تتوقعه، في أرض عارية و مفتوحة من الجهات الأربع. جرجرت المدافع والعربات و بغال المأونة في أرض مليئة بالمستنقعات، و كانت كتيبة الكوم، التي بوسعها الموت في كل لحظة و بكل فدائية من أجل مجد فرنسا، و لكي لا يداهم الكولونيل و باقي فصائل الجيش، في المقدمة تجفل في كل مرة لخشخشة سلحفاة و قفزة ضفدعة إلى الماء، فيسب الكولونيل هيئة الأركان التي تجند الأطفال. و الحملة تتقدم ببطء قرب أطلال تاكرارت رأى الكولونيل بمنظاره قصبة بني ملال و القصر الرابض فوقها كفلك سيدنا نوح، ثم أمكنه أن يتبين بنادق بوحبة الطويلة تتدلى من فتحات أبراج سور المدينة، ابتسم، هو ذا عدوه كما يشتهيه، مرئيا وثابتا، قال لمقربيه بأنه يحب الوضوح حتى في الحرب، و ما خاضوه قرب دار ولد زيدوح كانت حربا بهيمية لاشكل لها و لاطعم، إلا طعم القسوة المجردة من السمو الإنساني. تحركت الحملة، كان بمقدور الكولونيل أن يتبين بأن الخط الذي تسير فيه الحملة غير سالك. لقد غاصت أرجل كتيبة الإستطلاع حتى الركب، وخب الخيالة ببطء شديد كأنهم يسيرون على عجين، و أبت البغال أن تتقدم، واختفت بعض العربات. و بعد مئات الأمتار، ستدخل الحملة بساط السمار الموحش، المسمى الولجة، ملتقى مياه عين أسردون و عين داي و عين سيدي العربي حين لايحتاج الفلاحون مياهها. لكنه كان مأخوذا بتلك النقطة البيضاء الملتبسة التي ستمنحه مركزا حاسما لتطويع سهل تادلة كله. و هو يفكر بالامر، داهمتهم أمواج الناموس الكثيفة الرمادية، التي كانت هاجعة فوق أعواد السمار فسدت الأفق كالضبابة العوراء، و فككت انتظامية و تلاحم الحملة، انشغل الذين كانوا يحركون المدافع و العربات و البغال بدفع ضربات الناموس عن وجوههم، وفي المقدمة كان الكوم الذين لم يعودوا يمدون بنادقهم في الفراغ فألقوها فوق أكتافهم بلا اكثرات يجثون في الماء الموحل حتى تجتاز رؤوسهم أسراب الناموس، ثم يعاودون الكرة من جديد، حاول الكولونيل أن يصرخ فيهم، لكن الناموس كاد يملأ فمه فخرج صوته مكتوما كأنة ألم مزمن. تابع برؤية مشوشة و بكل صخب قلبه، الخزي الذي يلحقه السود الذين اعتادوا العري بزي فرنسا العسكري. اشتد الصهد، وصار الجنود هشيم نار بيضاء غير مرئية، نار فوارة، انطمست الحملة في ردامها. وأخذت عيون العرق التي تفجرت في صدغي الكولونيل تدحرج معه كميات من الناموس. كانت الحملة تراوح في مكانها منذ ساعات، وآلمه اشد الألم كونه في اللحظات التي أصبح فيها تحت رحمة عدوه، لم يعد في مقدوره المناورة فحسب، بل حرم أيضا مصدر شرف ضابط فخور مثله، و هو نعمة إصدار الأوامر، و ليكن أمر التقهقر أو الإستسلام، و بعد حياة حافلة أصبح كأي من حثالة المقدمة، مغلوبا على أمره، يهش الناموس و ينتظر الهلاك. حين يفتح الزنوج أفواههم و تبرق أسنانهم من شدة اللمعان لاتعرف هل ينتحبون أم يضحكون.

    و على نحو ما توقع الكولونيل، وكإمعان في تعذيب و إذلال الحملة الهائمة، تسربت الشمس من بين فتحات سربل الضباب الشفاف الذي كان يضاعف الصهد، و لكنه يقي من ضربات الشمس المركزة واللافحة. لم يكن بمقدوره رؤيتها مع غشاوة الناموس المنيعة. غير أنه أحس بها في مؤخرة رأسه ثقيلة نارية و كأنها تستهدفه هو بالأساس. و حين أخرج منديله الأبيض ومسح العرق ودهس في الطريق آلافا من الناموس. ثم حركه في الفراغ الراكد ليجلب هواء طريا، كان بمقدور أعضاء الفرقة الميكانيكية، و بغال المأونة أن يروا من الخلف إن أمكنهم ذلك، مؤخرة الكولونيل المبللة بالعرق و المطرزة بالناموس و هو يقف فوق العربة ليستطلع في يأس مصير الحملة، و حين جلس كان قد أيقن بأنها قد استحالت سلسلة من العميان الضائعين. كبحار تحطمت سفينته في أعماق بحر لجي، وبدون حتى القدرة على الصياح، تمسك بآخر بصيص أمل، وهو أن يحرك منديله في الفراغ ليعجل عدوه بتخليصه. بعد محاولات عدة لثني عربة الكولونيل عما عزمت عليه، اضطر للإنتقال إلى عربة أخرى غاصت هي الأخرى في الماء الموحل، و انتهى الأمر بالكولونيل محمولا فوق محفة مرتجلة. ينوء تحت ثقلها أربعة جنود سود، بينما انهمك آخران في هش الناموس عن وجهه، وقد دأبا في حالات سهو متكررة على مطاردة الناموس حتى بشرة الكولونيل، فيجن جنونه، ويتشنج، لكنه لايستطيع الصراخ.

    تضاعفت أسراب الناموس. و حين كانت تتحرك مراوح السمار باتجاه وجه الكولونيل، كانت تدفع أمامها موجة منه. تتوزع على أذنيه اللتين ثقلتا، فأصبحتا توصلان الأصوات حفيفا متقطعا، و خياشيم أنفه، فلا يستطيع أن يكمل شهيقه لئلا يوصل الناموس إلى داخل صدره و عينيه اللتين سدهما نهائيا. و لما أحس الكولونيل رغم تحوطه الشديد في أحكام ربط حزام سرواله وزر قميصه جيدا، بالناموس يصل أمعاءه، لم يعد يطيق الصمت، أخرج مذكرته التي ما مسها أبدا إلا في الليل، فأخذ يكتب، بعينين مغمضتين و بخط يحاكي الناموس نفسه في ضآلته و تشتته، أوامره و يلقي بها إلى أيدي القريبين منه، و إلى الماء الموحل:

    ‌‌ ـ'' قولوا للقردة أن يكفوا عن اللعب، و ليشهروا بنادقهم.''

    ـ'' أنقذوا المدافع، حتى و لو ضاع الباقي.''

    ـ'' أقسم بمريم العذراء، أنني سأقدم فرقة الإستطلاع للمحكمة.''

    ـ'' أنقذوا العلم من الوحل ...''

    بالرغم من أن كل الأوراق إنتهت إلى الوحل، فقد كان من المستحيل على الذين تلقفوها فرز الخطوط عن بعضها بعينين شبه مغمضتين، و لقد خربش الكولونيل دون أن يتبين أوامره فوق كتابة سابقة، و حتى لو قرئت فإنه سيتعذر تماما تبليغها بالأحذية المثقلة بالماء الآسن، و قد ترك سديم الناموس منذ أول الخطوات التي خطوها فيه، كل واحد موكولا لنفسه، وترك الضياع التام للجميع، ضياع لاتتبين معه الذي بجنبك، و بالأحرى كتيبة الكوم التي مضت بعيدا، وحامل العلم الذي استعمله عكازا يسنده، و المدافع المشتتة التي عشش بداخلها الناموس. بالرغم من كل ذلك أحس الكولونيل بعودة روحه، و بأنه يمسك من جديد بزمام الأمور، لذا مزق بحماس المذكرة كلها، وخط سيلا من الأوامر لم يقرأها أحد، و لم تؤثر في الهيام العام للحملة، و بعد الأوراق الأولى التي تساقطت، و لم يعد يعبأ المقربون منه بالإمساك بها، بدا و كأن الكولونيل، بمحفته وأوراقه المتطايرة من حوله، يقود حملة انتخابية فاشلة و ليس حملة عسكرية.

    بالحيطة والحذر، و بكل التؤدة اللازمة، كان الكولونيل قد قدر بأنه سيصل إلى قدم الجبل مع غروب الشمس، و بعد أن يستريح الجنود في الليل سيبدأ حربه الخاطفة مع فجر اليوم الموالي، لكنه أحس و هو يرى تلك القاسية المعذبة تميل للغروب بأن الحملة قد لاتصل إلى هدفها أبدا و بأنهم سيجدفون إلى مالا نهاية في مستنقع الشيطان هذا، و بعد أن نفذت أوراقه أحس بعزلة قاتلة، ضاعفتها السرعة التي نبت بها الليل في بساط السمار الأخضر الغامق. بدون أن يعطي الأمر، خفت قبقبة الأحذية تدريجيا حتى توقفت، فركنت الحملة إلى سكون كالموت. في العربة التي نقل إليها الكولونيل استسلم تحت دثار الناموس في غفواته المتقطعة لتهيؤات مرعبة، رأى خلالها نفسه يذبح على أيدي أعراب غلاظ، بينما كان الكوم يسقطون متخبطين في الوحل من الإرهاق، و عدم القدرة على النوم وقوفا، فيروع الكولونيل للصوت معتقدا أن الأعراب قد قدموا، ويكشط عن وجهه الناموس الهائج، ليرى القمر يومض ببسمة ساخرة و لامبالية، ومحمولا فوق فيض أشعته، أمكنه أن يرى جنوده مكومين فوق العربات، و يرى الخيالة يشبكون أيديهم حول أعناق خيلهم الجاثية لكي لا يسقطوا من الإرهاق، وساليغان ينامون و قوفا تسندهم البنادق و الخوف من السقوط، أو يستعملون مدياتهم الحادة لقطع أكوام من السمار، يشكلونها حول بنادقهم أعشاشا لايصلها الماء، ثم يقبعون فيها كالغربان.

    كانت الحملة في الواقع بقايا محزنة لمعركة آلم الكولونيل جدا كونه لم يمنح الفرصة لخوضها، و لكي لا يظل نهب اضطرامه الداخلي و ضربات ضميره، انشغل بحصي نجوم ليل لن ينتهي. لكن، و بعيدا جدا جدا، ليس في زمن الله الغفل المماثل لذاته في كل حين، و إنما زمن الكولونيل اللزج الثقيل و على إيقاع آلام ضلوعه وظهره، و هبات قلبه، و الارتهان القاسي لمصيره، و بعد زمن سحيق، عاد الصباح و الناموس و الشمس و السير المتعثر بلا هدى، و ذلك الحفيف الذي وضع الكولونيل بعد أن اشتد الصهد مرة أخرى على عتبة الجنون: أينك أيها الخلاص.. انطفأ الكولونيل بعد حين في غفوة مستسلمة و يائسة مالبث أن استيقظ منها منتفضا. و لما تهاوى من فوق المحفة و غاص رأسه في الوحل، لم يكن يشك بأنه تلافى طلقة كانت ستخترق صدره، طلقة وحيدة،أمكنه أن يتبين بأنها لعلعت في المقدمة، و بعد ذلك جاء الرصاص من كل الجهات، حبا الكولونيل على أربع، كما حبا الذين كانوا بالقرب منه، و في اللحظات الفاصلة بينه و بين الموت الأكيد، و وسط أنين الإستغاثة، وصياح الروع، و الضربات القوية في الماء للبغال النافرة، و وابل الرصاص المنهمر، أصم مهجورا، يائسا. أمكنه فقط أن يصيح بكل قواه المبددة: المربع، شكلوا المربع... لكي لا يحصد جنوده رؤوس بعضهم في ردهم الفوضوي على عدو يأتيهم أبدا من كل الجهات، وأسلم نفسه للقبقبة و الإختناق و الغوص كلية في الماء الراكد، و لأن ضربة الرأس لا دواء لها، فقد كانت مصدر عذاب زائد. فالرأس التي كان عليه أن يحميها داخل الماء، هي نفس الرأس التي كان عليه أن ينتزعها انتزاعا ليعب هواء مرا و ثقيلا، لم يفعل طيلة تخبط الحملة في عالم الوهم المائع غير توطين نفسه على الإنتظار المستديم للموت، لكنه لم يفتح صدره للرصاص كما كان يعتقد أنه سيفعل، بل غرس يديه في الطين بوحشية دامية بحثا عن منفذ في تشبت رهيب بالحياة. كانت حربا ضروسا في محيط الكولونيل، جندلت فيها بعض البغال و سقط قتيل و بعض الجرحى برصاص لم يعلم هل صدر من الأعداء أم من الأصدقاء، و ضيع هو البقية من تماسكه و صلابته. و غير بعيد كان الزنوج يقيمون عرسا صغيرا فوق الأرض الصلبة التي وطئوها أخيرا، لقد شهق أولهم و هو يتحسس الأرض قوية تحت رجليه، و لم يتمالك نفسه مثلما فعل كولومبس و هو يرى أمريكا. فأخرج طلقة فرح و خلاص، أعقبتها صيحات وطلقات فجرها البعض في عماه و يأسه دفاعا عن النفس، اتجاه عدو غير مرئي. كان فرحا مدمرا و قاتلا، و بين زخات الرصاص، و هم يلتقطون أنفسهم، و كما في حلم يمزج النقائض، سمع المنبطحون في وسط و مؤخرة الحملة، ضحكات مجلجلة... و استمروا في الإحتماء و إطلاق الرصاص، فالعدو في تقدمه المظفر أتى على المقدمة و أمام تفاهة و فوضوية المقاومة اخد يخترق صفوفهم بالضحك وحده، ضحك صاخب و حاد، ضحك أشد من القتل. سيعلم زنوج المقدمة، و بعد أن بددت فرق الوسط و المؤخرة قواها ورصاصها، بأنهم في الوراء لايشاركونهم فرحتهم، بل أن بعض زخات الرصاص آتية من هناك تمرق ملعلعة فوقهم أو بجانبهم، فيخوضون منبطحين مساجلة كلامية طويلة مع من كانوا يحملون محفة الكولونيل. شرحوا لهم فيها حقيقة الوضع، صمت على إثرها الرصاص. و خرج الكولونيل بعد حين كتمثال من طين، و لما وطأ الأرض الصلبة ما كان يشك بأنه وطأ حقيقة الأشياء.كل ماسلف توهم، بحر سحر اجتازه مغمض العينين. و خرجت تباعا مختلف فرق الحملة، لم يكونوا آدميين، بل كائنات غريبة أفرزتها الخميرة الخاثرة للطين والماء و الطحالب، تقدم الكولونيل بمشاعر متناقضة، فرحه بالنجاة و غضبه الشديد على الزنوج. لقد كف العالم عن الوجود بالنسبة لمعظم حواسه، فما عدا الأصوات الرتيبة للأرجل و العربات و هي تشق طريقا عصية، كان صمت يسترخي بثقله الكاسح، تبدو معه تلك الأصوات كرفرفة جناح طائر صغير في سماء سحيقة، كان الصمت يسترد كل ما تصدره الحملة من أصوات، و عوض أن تكسره تقويه، فيضطر الكولونيل ليهمهم لنفسه ليتأكد بأنه لم يصب بالصمم، و لم تكن الحركات الفظة و استشاطة اليدين اللتين حارتا بين تحسس المسدس و تهديد الزنوج بالقبضة، إلا كمثل الحركات الرعناء التي يقوم بها ثور هائج فك إساره. و خارج بساط السمار كان الناموس في دكنته كوشاح حداد شفاف يلف كل شئ. أخيرا صار بوسعه أن يرى موطئ قدمه، وأن يلملم دفعة واحدة المنظر البئيس للحملة، و من حسن حظ زنوج المقدمة أن فلاحين كانا منهمكين غير بعيد بتعديل شبكة تبن كبيرة فوق بغل قلق، افتر ثغراهما عن بسمة بريئة و هما يريان كوكبة من الزنوج يتقاطر الوحل من ثيابهم يحيطون بهم من كل جانب، و يقودونهما نحو الكولونيل، ليخوض تحقيقا مملا وخائبا، لقد أراد أن يعرف تحركات القبائل الأمازيغية في الجبل و عدد البنادق و الخيل ومعنويات الناس، لكن الترجمان الذي كان يخلط نقله لكلام الكولونيل بالتهديد و الوعيد، لم يحظ إلا بجواب وحيد: لانعرف . و استمر الشيخ ثاني الإثنين- رغم أعراض الغضب و نفاد الصبر التي بدت على وجه و حركات الكولونيل- يواجهه بنفس الإبتسامة الواثقة و المتعالية. و لما وجه أصبعه مباشرة إلى وجهه و أرعد، لم يجد الترجمان فائدة في تكرار الوعيد الشديد الذي تلفظ به الكولونيل. و بقيا وجها لوجه بلا كلام، ملئت بسمة الشيخ بشفقة لا حدود لها، و خيل للترجمان أنه سيربت على كتف الكولونيل و يحضنه قائلا: " لماذا تحمل نفسك كل هذا العناء" غير أن هذا الأخير حسم الموقف. وأخذت كوكبة الزنوج الشيخ إلى جدع شجرة قريبة و سووا ثيابه و عدلوا عمامته كأنهم سيأخذون له صورة، رجعوا بضعة خطوات، صوبوا بنادقهم، و حين فجروا الطلقات ظهرت علامات الرضا على وجوههم، كأنهم أهدوه طلقات الرحمة و السكينة، يفعلون ذلك في كل الحروب التي خاضوها تحت العلم الفرنسي، يقتلون بلا تشنجات، و لا حقد على العدو، و كأنهم في حالة دفاع دائمة عن النفس، لقد ظلت بسمة الشيخ تشع من وجهه و فوهات البنادق مصوبة نحوه. و قال بهدوء للترجمان: '''قل له هنا حد المخزن، كم شهدت هذه البلاد من حركات و حملات التأديب و التطويع... كم مرت من جيوش وخربت و حرقت و قتلت. لكنهم حين يمضون تزهر البلاد من جديد''. لفرط ما نفذوا من إعدامات، و صلت دربة الكوكبة درجة أهلتها لمنح الموت دفعة واحدة لكل عضو من أعضاء القتيل، ثمان طلقات توزعت على جبهته و قلبه و بطنه و عانته و كتفيه و ركبتيه، لكل هدفه، هو ذا القتل العادل الذي لا تتجمع فيه الروح في عضو و تنتفض و تحشرج، بل تتسرب كالبخار من الثقوب الثمانية و تمضي... قبل أن يتهاوى الشيخ أزهرت في جبهته وتشاميره الأبيض ثمان أزهار حمراء كشقائق النعمان، وظلت بسمته خارج رعب الموت الذي يساق إليه، خارج التاريخ الذي جاءت الحملة لتصنعه هنا. و عندما ارتطم وجهه بالأرض خيل للكولونيل بأن التراب كله يبتسم تحت أرجل جنود الحملة، ظل الفلاح الآخر، الأصغر سنا مهملا و مجمدا من الخوف، وحين أعطي الأمر للحملة بالتقدم اقترب منه الترجمان و أسر له بأن يهرب و يخبر القبيلة بكل ما رأى، ما كان يشك بأن الرصاص سيخرق مؤخرة رأسه و رقبته و ظهره بعد بضعة خطوات، لذا تسمرت رجلاه في المكان ذاته، فاغرا فاه، و مجيلا بصره ببلاهة و يأس، انتبه له الكولونيل و أخرج مسدسه وصوبه نحو جبهته. لكنه أرسل الرصاصة بين رجليه، و صاح الترجمان: إهرب . فمضى متعثرا بركبتين فاشلتين، يلوي عنقه ليرى الرصاص القادم، و يعوي ككلب جريح، و عندما أصبح بعيدا، انطلق كسهم نحو القصبة

    .

    على بعد كيلومترين من القصبة، و قرب النخلة الوحيدة بالمنطقة التي قاومت الصقيع و الغربة و العزلة حتى انتصبت شاهقة لا تسامى، حطت الحملة و صنعت تلالا من التبن و التراب و الحشائش، نصبت فوقها المدافع. وتخندق المشاة في أحزمة دفاعية أمام الخيام الصغيرة، و صباح اليوم الموالي و في ظلمة الفجر الشفيفة أخذت المدافع تعصف بدور القصبة و غابات الزيتون المجاورة، وهناك في قمم الجبال المجاورة كان الملاليون يرون بمرارة و حزن كبيرين قصبتهم و قد استحالت شريطا من الدخان. رحلوا حين أخبرتهم عيونهم بأن عدوهم آت بقوة لا قبل لهم بها، و روعتهم أساسا تلك القدرة على القتل من بعيد، حيث لاتملك الضحية الفرصة لرؤية قاتلها، فتتجمد العينان على صورته كقطعة زجاج و تمضي بها إلى القبر، و تخلف الآه و الإستغاثة جرحا في نفسه لا يندمل. روعهم القتل النظيف المتقن، حيث تنزل القنابل من السماء كغضب الله ووابل المطر، فوق رؤوس الأبرياء الغافلة، سروا يدفعون أمامهم قطعانهم، و يحملون ما استطاعوا من متاعهم و مأونتهم في دروب جبلية صعبة أجبرتهم على التخلي التدريجي عن أحمالهم، و لما استقروا، استقروا، عرايا حفاة و جياعا...

    لقد انسحبت بنادق بوحبة من فوق أبراج الأسوار، ولم تفتح الأبواب الثلاثة الكبيرة المقابلة: باب السوق و باب تادلة و باب بليزيد، كما كان يتوقع الكولونيل ليخرج منها فرسان كهبات ريح قوية، يندفعون في حمى شهوة عارمة للخلاص، شاهرين صدورهم في وجه الرصاص المنهمر. إنهم يدركون بأنهم لن يصلوا عدوهم أبدا بخناجرهم و مداريهم و طلقات بنادقهم التي لاتتجاوز أعراف خيلهم، فليست صدور أعدائهم هي هدفهم، إنه توق إلى ما وراء مدهش و سعيد، يغذيه باستمرار الدين و الثقافة والشعائر الإحتفالية المرافقة لاندفاعهم. لم تكن الحروب التي خاضها الكولونيل ضد القبائل الكثيرة كالطلح المنضود. هي ما تصوره قبلا الحرب الميكانيكية الباردة حيث ينجز الحديد بلمسات خفيفة فعله التاريخي الحاسم بأقل ما يمكن من ألم، لقد جعل اللاتكافؤ الكبير بين المدفع و الخنجر الحروب أعراسا مريرة للدم، وهذيانا للغرائز الوحشية الأكثر عتمة، الصرخات الحادة التي تجر السماء لتنطبق على الأرض، الإقدام الجسور، سحب الدخان و الغبار، صليل عدة الخيل ورعد المدافع، والفرسان المضجرون في دمائهم تلف وجوههم في النزع الأخير غلالة من رضا عن النفس، فلا شئ أسرع زوالا من نصر عسكري. يموت الفرسان و قد ثبتوا في أعينهم و ميضا بعيدا و متعاليا كنجم قصي، لا إستسلام و لا خضوع، و الخيل الجاثية أو النافرة أو الممدة في ساحة المعركة تنفث زبد الجهد و العناء، و الخيل الحائمة حول فرسانها الذين نثرتهم في الغبار الطلقات التي لا تخطئ و البنادير و الطعاريج و المقصات المعلقة في السروج المذهبة، لا للإستنفار و التهييج، و لكن لضمان داخل الخبيب المروع نحو الموت الأكيد ذلك الإلتباس التام بين الشجاعة والتهور...

    إستمرت المدافع تقصف القصبة بجنون، و الدخان يعلو و يعلو. و نفس الغموض و الصمت يقابل وابل القذائف، لم تفتح الأبواب و لم تلح و لو إشارة حياة واحدة، فحول الكولونيل فوهات المدافع نحو الأغراس، و غابات الزيتون المتمنعة، لعل الفرسان يكمنون بين الأشجار ويتحينون فرصة تحركه نحو القصبة لمباغتته. مالت الشمس للمغيب و الكولونيل يؤجج نار حربه الغريبة ضد الأشجار و الصمت و الغموض، ويحمس جنوده الذين أصابهم الملل و الفتور، و تحولت الخفة و الدقة اللتان كانوا يحشون بها المدافع إلى تلكؤ و تمارض. فمع مرور الوقت فقدت المعركة في أعينهم سحرها و مبرراتها و صارت بلا معنى، لكن الكولونيل كان في منتهى الوضوح مع نفسه: إن أقوى أعداء فرنسا في حروبها هو التسرع، فلا المقيم العام و لا الضباط الكبار، و لاوزير الخارجية و لا الرئيس نفسه، و لا جوقة الصحافيين الثرثارين، يتفهمون المخاطر التي تجابه الحملات في كل متر من الأرض تجتازه. لذا لن يتقدم، و لن يذر حجرا فوق حجر، و لا غصنا فوق جدع ، سيطمر عيون الماء، و يفسد الهواء بالدخان، و يحرض الغبار، سيجعلها عارية مفضوحة تشهر استسلامها من بعيد...

    غارقا في بركة من العرق و مختنقا برائحة البارود أرقا من فرط الإجهاد و من ضغط رغبته في استنفار الجيش في هذا الوقت من الليل لمعاودة قصف القصبة. فوجئ بخيال يتردد في اقتحام الخيمة. كان الأمر بالنسبة لطبيب الحملة في غاية الأهمية، و من شأن موقف عاجل أن يخفف من فداحة الإصابات غير أنه و أمام باب الخيمة تردد طويلا رحمة بالكولونيل الذي لم ير النوم من مدة طويلة، و حين داس فيض شفقته فوجئ بهذا الأخير جالسا على سريره و شاهرا مسدسه...

    إنها المالاريا، و هناك حاليا سبع حالات عاينها الكولونيل شخصيا، ورأى أرواح أصحابها تتبخر على شكل هذيان دافق بفعل نار الحمى. ثم رأى الحملة الهائجة المرشحة كلها لأخذ العدوى، و قر قراره على أن حربه قد إنتهت. كان الطبيب يكرر بإصرار تخالطه نبرة استعطافية:'' يجب إخلاء المكان حالا'' . و هو لا يسمعه، بل يسائل أعماق الظلام في تلك الجهة التي تكومت فيها الدور على صمتها و مناعة تاريخها. فيردد المحيط الكثيف المعادي صدى مهيبا:'' لقد خسرت''. و مشوشا بصرير العربات، أخرج نصه الأثير و بحث طويلا عن فقرة معينة. كانت السفينة المكينة البناء، قد وصلت بسرعة إلى جزيرة السيرانيس إذ ساقتها إلى الأمام في طريقها ريح معتدلة رقيقة. بعد ذلك كفت الريح في الحال، و خيم سكون لا ريح فيه، و أنام أحد الآلهة الأمواج، فنهض رفاقي ونشروا الشراع، و بسطوه في السفينة الواسعة، ثم اتخذوا أماكنهم عند المجاديف، و أثاروا الزبد على وجه الماء بمجاديفهم المصقولة، المصنوعة من خشب الشربين. أما أنا نفسي، فنهضت و أمسكت سيفي الحاد، و قطعت به قرصا من الشمع إلى قطع صغيرة، وعجنت القطع بيدي القويتين، فلان الشمع في الحال من الحرارة و الضغط الشديد و أشعة السيد ميليوس هوبيريون، و بعد ذلك سددت آذان رفقائي بهذا الشمع، كل واحد بدوره، ثم ربطوني في السفينة، يدا و قدما، منتصبا عند أسفل السارية، و ربطوا أطراف الحبال في الصاري نفسه، ثم جلسوا، بعد ذلك، هم أنفسهم يضربون البحر السنجابي بمجاديفهم و لما صرنا على مدى سماع صياح المرء إذ يصيح، نشق طريقنا بسرعة وسط الماء، لم يفت السرينيتان رؤية السفينة السريعة و هي تقترب، فأخذتا تغنيان أغنيتهما الواضحة.. و تاق قلبي إلى الإصغاء، فأمرت زملائي بأن يفكوا قيودي، مشيرا إليهم بحاجتي، و لكنهم انهمكوا في مجاديفهم و راحوا يجدفون بجد.. واجتزنا جزيرة السيرانيس، و لم يكن في مقدورنا بعد ذلك أن نسمع صوتيهما أو غناءهما. لكن و هو يلتفت استطاع أن يتبين في أقصىُ الأفق الدور البيضاء و أبراج السور و بحر الزيتون الأخضر الموحش، و السماء الساكنة و تدفق الخوف من جديد في قلبه، ليست دورا ما يراه بل عظام القتلى الذين أغوتهم الجزيرة بسحر منظرها و أصواتها، و أدار وجهه ليسلم نفسه للقراءة من جديد...

































    مبتـــدأ الاحـــــوال و ما بينــــها من الاخبــــــار





    في الكهوف الجبلية التي لا زالت ترتسم عليها حفرا و تخطيطا مشاهد لكائنات تمد أقواسها و رماحها شاردة إتجاه حيوانات غريبة تهب أعناقها للموت في أريحية كاملة. في المشهد المتوهج الذي يتكرر مفرغا من كل الدم والتوتر، وفجيعة البقاء المتنازع عليها، و كأن الحيوانات لن تقتل، و كأن الكائنات القاتلة أشكال لكيوبيد متنكر...

    في بحبوحة هذا الزمن الذي لم تجتحه العصبيات بعد، و لا التاريخ؛ كان الإنسان الذي تسلل خلسة ـ كما تقول أول جملة من حكايتنا الكبرى يتعلمها الصغار ـ من شبه الجزيرة العربية عن طريق الحبشة و مصر، مثل ملاك يرفل في نعمة النسيان، محفوفا بدبيب النسغ في الطين، وبكل ما تبذره الريح و المطر في انتشائهما المرح، كان العالم يكتمل في مشية متحسسة على أطراف الأصابع. فتنبثق الكائنات من رحم التكوين الحامي خجولة مندهشة في خفة لم تثقل بعد بالرغبات، في خفقة لم تسكن بعد بأخلاق المغالبة و القهر و سورة المنازعة...

    عن إبن لهمصي شيخ رواة القبيلة : أن بني ملال لما لم يكن لها وجود البتة إلا في العلم الإلهي، كان البحر وسط سديم من الضباب الكثيف يضرب بأمواجه العاتية أطراف الجبال المجاورة، و كانت البراكين الفائرة ترمي حممها لتتشكل على هواها قمم و فجاج و منحدرات صعبة، و في دهشة التكوين هذه تنازعت بنتا عمومة الجبال المجاورة كما تنازعتا حب سيف بن ذي يزن، فكان من نصيب الكبرى الجبل الأزرق حتى مراكش لهذا سميت الثريا الزرقاء. و كان من نصيب الصغرى الجبل الأحمر حتى مكناس و فاس فسميت الثريا الحمراء. و مع وله النساء الذي لا سبيل لكبحه، و بسبب كيدهن الغادر قيد لبني ملال و هي لم توجد بعد أن تحظى بالمجد الخالد لمرور سيف بن ذي يزن، و هو غراب، من سمائها في رحلة مسخه القاسية، بل إنه نزل في إحدى الذرى الجبلية المشرفة عليها، وذرف من كربه دمعة حارة فوارة تسللت بين الصخور حتى استقرت في رحم المياه المتلاطمة للبحر العاتي، فوهنت الأمواج و صارت حركة البحر جزرا مسترسلا بلا مد، لم تكن الدمعة عنصرا مائيا، بل ناري نفتثه نفس مكلومة يحرقها الأسى.

    ولدت بني ملال من دمعة حارة...

    و جاءت القبائل تمتطي صهوة عصبيتها، جاءت القبائل مهتاجة تستنفر ضغينتها و غلها:

    غل سراب الصحراء على قطوف الخصب.

    غل الشمس على الماء.

    غل القفر على غصن ورد.

    غل العــراء على الأماكن الدافئة.

    غل وبر الخيام على الجدران.

    غل البــدو علــى الحضر.

    و تتكوكب في اليباب ريح صرصر عاتية تنهب وتحرق و تقتل، و تمضي بالقبيلة دما في السيوف، و رائحة نفاذة في مواسير البنادق، و أسلابا مجرورة أو مكدسة في خرج البهائم و الجيوب...



    من يملك أن يوقف الريــــــــــــــح؟ .



    و جاءت حملات التطويع و جحافل الجند الجائع و المتعب الباحث عن نصر سهل، و المجد الكاذب و الأحلام المتهافتة لعواصم بعيدة، وضياع القبيلة تحت سنابك الخيل المتلاحمة أو المتمطرة، و الجثث المجندلة بالرعب و السيوف، و مسارب القمح المنهوب، و شظايا قلل الزيت و السمن والعسل، و البهائم المبقورة أو المسلوخة على عجل، و التاريخ ذلك المختال الكبير المكتوب في العواصم البعيدة مخلوطا بالكذب و الأوهام، المكتوب هنا و المطموس لتوه بالدم و الحرائق و العشائر المبادة أو المرحلة بعيدا، حظيرة نتنة لعائلات متناحرة من أجل هباء السلطة، و لا شئ، الكراسي المذهبة، حروب بين شرعية و ادعاء ما فتئا يتبادلان الأدوار. وردة تعفرها رغبات القواد الأكثر ابتذالا، و انحطاطية صغر الجند الشرسين.


    مــن يملـــك أن يوقــف الجنــد؟



    و جاءت الطائرات محومة كتجل فجائي لطائر خرافي ينفث النار، وحصدت الناس في ذلك الصيف الدامي، و المدافع مسحت الناس و العمران و الأشجار. و الضباط أنجزوا بحرفية مذهلة ما تعلموه في الأكاديميات الدموية من دروس الإبادة. و الضربات الخاطفة، و الواقية، و الرادعة، والقاضية، و الحروب السريعة والشاملة، و الإستنزافية. و رسالة فرنسا الحضارية المضنية وسط قساة متوحشين، لن تمدنهم الا القنابل الملقاة سهوا في الأسواق و كثافة النيران و دينامية الرعب...



    مــن يملــك أن، يوقــف التمدن؟



    لكنك لن تحكي كل هذا. فكما ينقاد شعاع الشمس ليتلألأ في الجدول الرقراق فوق حصاة مهملة، و كما تنقاد الفراشات الصغيرة في الظلمات الحالكة لترفرف حول سراج وهاج، انقدت لغواية التفاصيل الصغيرة لحكايات الأحبة الذين مروا من هنا.













    القبيــــــلة و الغربـــــاء





    من كان يصدق بيبينو حين يقول بأنه بسبب رهان رابح مع فرنسي في حانة قرب المرسى بالدار البيضاء امتشق عصا الترحال، و طرق كل الجهات ليخط بالجسد الضئيل الساقط ترجيعة البعد القصي عن مهوى قلبه كازا. لقد ناطح بيبينو ـ كما روى حتى الملل ـ فارسا ينتسب للأسطورة، يصطك تحته الأسفلت و تذيب أصابعه الحجر، و يجلس في الأصيل يتأمل البحر و السفن الكبيرة الباحثة عن الرسو تشبك حبالها الغليظة بأصابع رجله و لا تطرف له عين، و ينهض ليفرغ في جوفه حمولة قارب من السمك المتطاير، ثم ينتهي إلى حانة مدام جورج ساحل إضطرابه و جبروته ليطوح بعاصفة من كؤوس الخمر، ثم يسحب جثته الهائلة إلى مستودع خرب ككلب جريح و ينام. و لم يكن هناك انصراف. يكفي أن يصل غطيطه إلى جنبات الميناء ليحس الإنسان بظله الإلهي جاثما كاسحا مقتدرا كأسد في أجمته، و بما أن أسدين لا يمكن أن يجتمعا في عرين واحد، فقد كان دخول بيبينو ذلك المساء إلى الحانة، حدثا استثنائيا في الإختلاطات اليومية الكثيرة. كان سيشرب كأسا و يعرج بعيدا، و قد قادته الكأس إلى كأس أخرى و أخرى... و أرادت في تلك الليلة بالذات مشيئة أسد الميناء ( لنسمه كذلك) أن يخرج كل الرواد ليبقى وجها لوجه مع مدام جورج، ليرفع لها كعادته عينيه المحمرتين النهمتين، و يدعوها لتسقيه، فتتقدم بحذر ما يفتأ أن يزول، حاملة قنينة خمره المفضلة، و تواجهه على الطاولة برباطة جأش مدهشة، كانت مدام جورج تعرف بعامل التكرار و التعود، أن الأسد يتضاءل تدريجيا بفعل وهج عينيها وحده حتى يصير فأرا مغويا ذليلا لن يستطيع أكثر من مد يده الراجفة لتغوص في قناع الدهن السميك الحاجب لوجهها؛ أو لتلامس من فوق الثوب حلمتي ثدييها الكبيرين المتهدلين حتى العروة، و بالمقابل تربت هي على خذه بضربات خفيفة و تمسد شعره و تدعوه للإنصراف، فينصاع مخدرا منتشيا كأنه خارج لتوه من الفردوس أو من رحم الأم (سيان). في تلك الليلة خرج الجميع، و بقي بيبينو غير مكثرت في البداية، ثم متصلبا و متحفزا لما رأى الأسد يحدجه بنظرات قاسية و منذرة. فبادله بنظرات مماثلة. لمع البرق في دخان الحانة، و تكلم الرعد و تطاير الشرر. فتبين لمدام جورج أن الحانة لا محالة ستأول للإنسحاق التام تحت أرجل الجبارين، فعرضت حلا وسطا قضى بأن يتبارزا في الشرب حتى يسقط الواحد منهما الآخر. و على امتداد التاريخ المحلي و في سياقاته المختلفة، كان بيبينو يكيف الوازع الذي دفعه لدخول التحدي بحسب مقتضيات الأحوال، فمرة يكون مبعوث خلية سرية من خلايا المقاومة لكسر شوكة أحد رموز العنهجية الفرنسية، ومرة يفسر الحماسة التي خاض بها معركة الشرب بعاطفته الدينية المتوقدة، و التي أحيت في تلك الليلة طقسا جهاديا لايقل أهمية عن معارك صلاح الدين، و في معظم الأحوال يتذرع بدافع الشهامة والنبل، لقد أراد فقط تخليص تلك البئيسة، ذات الخمسين عاما الفائضة بالشحم و مرارة الترمل من سطوة دائمة، و أن ينشر العدل في سماء الميناء المظلمة؛ لذلك جرجر أسد الميناء في النهاية مدرجا في انكساره و قيئه و برازه وبوله؛ و بقي متماسكا، يواصل الشرب لعيني مدام جورج الكبيرتين كعيني بقرة، الحالمتين في حضرة الرجولة الخارقة؛ لرموشها الخافقة في فتور؛ لذهولها المطبق و شفتيها الراجفتين بكلمات حب ساخنة... و ماذا بعد غير خواتم أفعاله السافلة و التي تخلق دائما لدى من عرفه رصيدا لا ينضب من المقت والإزدراء، فقد بصق في التجويف المعتم بين جذري ثدييها؛ و قلب الطاولة بما فيها؛ و أفرغ كل مافي الخزينة في جيبه، ثم خرج مزهوا و مدام جورج تشيعه بنظرات حالمة ممتنة؛ أوقع هذا حقا؟ و ماذا لو كان هذا الذي سميناه في لحظات تواطئنا أسد الميناء، ليس إلا بحرا محطما منخورا بالرطوبة و الملح، جالس بيبينو في ركنة مهملة في حانة مقصية. و لما احمرت الأعين و ثقلت الألسن، ارتطمت كلمات منفلتة بكلمات، فكان رهان برئ على كأس أخرى و هما على حافة الإنهيار، و كانت أعصاب البحار و معدته في الحضيض فسقط هو الأول؟ و ماذا لو كانت مدام جورج (لن تقول نحيفة، فكلهن في الحانات ثخينات كالعناكب. ينسجن خيوط غوايتهن في حذق و يسقن رجالا إلى الإفلاس و الجنون و التشرد. و هن مترسبات في مجرى الزمن يراكمن الشحم فوق اللحم) نعم، مكتنزة كبرميل و ثدياها يتدليان في بحبوحة من أرضعت كل أطفال العالم أولا أحد، ووجهها ممسوحا بالطلاء الأبيض الكثيف، و نظراتها نهمة و مفتوحة على الجميع في دعوتها المستديمة. و لكن بالداخل صحراء باردة ينيخ بها الرجال كالجبال فيما يحسبونه ظلا و يتحررون قليلا من أحمالهم، قبل أن يعاودوا رحلة العطش و اللامعنى. ان الرجال في الحانات يثيرون الشفقة لا الحب...

    لو كان إنسان آخر غير بيبينو لانهد من فرط الإحراج حين كان يأتي من الدار البيضاء من يقول بأن تلك التي حاصرته بحبها و سلطت عليه قساة بمطاويهم الحادة يطلبون رأسه حيا أو ميتا لم توجد أبدا؛ و حين كان يبتسم بحارة قيد لهم في عبورهم للمدينة أن يسمعوا الحكاية: حيث يوجد البحر العتي تكون العضلات هباء، و الجسارة هباء، و التسلط هباء. إنهم لم يعرفوا أسدا غير البحر، و يمضي بيبينو معاودا سرد نفس الحكاية ـ و لتنطحوا رؤوسكم بالحائط ـ لعل مدام جورج اختفت بعد ذلك، عادت إلى فرنسا أو أنها تهيم في الوديان و التلال و الغابات زاهدة في الحياة تتموج في أذنيها كلمات بيبينو و تهتدي عيناها برفرفة صورته ، والبحر بحر، و الناس حيثما وجدوا تسلط بعضهم على بعض، و يبتسم في خبث للذين كانوا يمازحوه فيخبروه بأنهم رأوا نصرانية ثخينة في المحطة تسأل الناس عنه

    من هو إذا بالضبط هذا الرجل القصير الذميم؟ الذي صادف نزوله من حافلة شيمون بلولو في مساء يوم جمعة أضحى بعيدا، كارثة محلية. كانت القبيلة تنوء تحت إقامة طويلة لضباب سخي كمد البحر، حين مزق خمولها دوي أعقبه صراخ و حين وصل الناس مبلولين الى المكان، لم يعد هناك إلا أنين متقطع يصعده الخراب...

    تفرق المسافرون كعادتهم بإتجاه كل المنافذ دون أن ينظروا في وجوه بعضهم، و بقي وحيدا غير عابئ بالمطر، يجيل بصره في فضاء الساحة، ثم تحرك بإتجاه السقاقي، و قرفص بالقرب من حانوت بائع الخبز و أخرج عقب سجارة كان قد جمعه من تحت رجل فرنسي في الحافلة، و عب منه بعمق دفعات حتى احترقت شفتاه. كان الليل ينزل مع القطرات الرهيفة و يتجمع في الزوايا و انحناءات البنايات، و الأبواب تصطك تباعا و لامبات الغاز التي أشعلت لتوها ذؤابة صغيرة تختنق في الظلام، و ما لبثت هي أيضا أن اختفت، فأكمل الليل إناخته الحزينة و الموحشة فوق مغارة الحياة. بقي متجمعا على نفسه في وحدته القاسية، و الريح الباردة القوية وراء الركائز كالجلمود، ترتطم بالفراغ المظلم و تواصل انحدارها المدمر باتجاه السهل...

    كان يلبس في رجليه الصغيرتين كرجلي طفل، حذاء رياضيا أسود و بلا جوارب، و عند الكعب تجمع السروال الطويل الفضفاض في طيات كثيرة، و الركبتان ناتئتان كثدي عذراء، كان بلا ساقين و لا فخدين و السروال مخنوق عند الحوض بحزام مشدود حتى آخر فتحة، و فوق الصدر أمسك بيديه المعروقتين اليابستين بطرف السترة الضيقة التي لا أصداف لها و شدها بقوة الواحد فوق الآخر، و كلما سقط ذقنه فوق صدره ووخزه بالشعيرات المتصلبة، في نوبات النعاس المجهضة والمتباعدة، كان يسحب يديه ثم ينتبه لنفسه و يتململ فيرخي رأسه على الجدار البارد...

    في العتمة الليلية الوحشية، و السماء الحانقة تنطبق على الأرض، و لاحذاء يرتطم بأحجار الساحة، و لا صوت غير خشخشة المطر الرتيبة في قصدير سقف قريب، و اندفاعات الريح المفاجئة، في امتداد وحدته اللانهائي، و لا انبثاق لومضة، و لا إشارة لحضور الآخر، حضور قد يكون مهددا، و لكنه مرغوب بقوة الإحساس الدافئ بأن هناك من يقتسم معك فضاضة العالم. كان واضحا تماما و شفافا. والحكايات الملتبسة والمتناقضة التي ستحيط بشخصيته من صباح تلك الليلة في نقطة الصفر. وجه كالح من طينة الوجوه التي خرجت إلى العالم معجونة بالفحم و التراب و الجوع و البرد و الضياع، بنية متهافتة تناوبت عليها الرزايا؛ رأس جرداء لازالـــت شعيرات قليلة في أطرافها متمسكة بوجود معذب، شعيرات أبيضت من مناطحة ما للزمن، و فوق الأنف الأفطس الذي سال على الوجنتين الحادتين، كانت هناك ـ للغرابة ـ عينان متوهجتان لا وحشة فيهما و لادموع...

    تأوب القبيلة إلى نفسها في ليالي الشتاء الطويلة، وتستسلم لإنتشائها المكتوم، وحين تقفر الدروب و يستريح الماء في الطرقات، و تدوي الريح بعيدا و تمضي، و يسدل الضباب المحاصر بالجبل تغريبته الطويلة لا يكون هناك وقت للغرباء. لم تكن القبيلة قادرة بعد على خلق هامشها، في تلك الأماكن السرية، البسيطة التي ترقع الوجود في مصادفاته الدائمة، وجبات مرتجلة تقيم بالكاد الأود، و زوايا قد تغفو فيها و تحلم أعقاب سجائر، سبسي يطوف بين الأفواه، حكايات مكرورة، هذيان محموم، وجوه متجهمة، ضحكات مبتسرة، ضربات بالأيدي و الآلات الحادة، ترقب مستمر و من غفل طارت عينه، مواويل حزينة، قمل و برغوث، صراخ هيستيري، و يا ليل طل... لا مكان للغرباء إلا الطرقات المقفرة و متكأ الجدران الباردة.و ماذا غير ستة أسرة في فندق باريز، يعرض صاحبه بحس مباهاة في كل الأيام المشمسة ألحفتها البيضاء على الشرفات، لكنها كانت حكرا على الفرنسيين. و كان فندق الزهواني يستقبل رواده من الحمير و البغال ليلة الخميس فقط، و لمن شاء من السواقة أن ينام في أطراف الحوش بين البردعات و الشواريات و السلع و الركلات المحتملة للبهائم إضافة فرنك آخر. و في الأيام العصيبة داهم لمخازنية بعصيهم الفندق و روعوا البهائم، و صفوا النائمين بجانب الحائط و فتشوهم واحدا واحدا، و صادروا فرنكاتهم و مطاويهم. و استصدروا قرارا في الغد بفض الإشتباك الليلي بين البهائم و أصحابها، و تعهد الزهواني باستقبال البهائم فقط. و بعد شهور عادت الأمور كما كانت مع فرق بسيط و هو أن البهائم كانت تدخل في واضحة النهار مختالة في شرعيتها، بينما كان ينسل أصحابها وجلين إلى جانبها بعد أن يعسعس الليل، و قد يمر المخازنية من جديد لكنهم لا يرون شيئا و يروحون مبتسمين يحكون جيوبهم...





    2خبــــــــــــــــــر:





    (منذ أن فرض الفرنسيون سلامهم القهري بين الملاليين و الأمازيغيين، و انتهت الحرب الطويلة و المريرة للإستحواذ على ماء عين أسردون، تعطلت بنادق القبيلة، و نكست الأعلام، و جفت الدماء في الأحراش و الكهوف و جذوع الأشجار، و تآكلت الأحقاد و تصرم القتلى في مهوى سحيق بلا ثأر و لا فورة دم، لقد كان النسيان سهلا أمام دوي المدافع، و التآخي العصي صار في الرعب و بالرعب ممكنا، ففتحت الصدور و الدور في قمم الجبال في وجه الملاليين في هروبهم الأول و الثاني، آنذاك لم يعد الغريب الذي يذرع طرقات القبيلة مرغوبا، لم تعد عين القبيلة ترى فيه ساعدا و قوة ضغط على زناد شرفها وكبريائها. في أزمنة السيبة الطويلة، و موتى القبيلة لا يكفون لتأمين الماء، و الدماء كالماء سواء، كان مبعوثون من الجماعة يجوبون البلاد عرضا و طولا و يصلون حتى البحر و تخوم الصحراء. و بفراسة تكاد لا تخطئ، كانوا يحدسون الجسارة: الإقدام، حب الحياة و الإستخفاف بالموت، و لكنهم ـ و هذا ما كان يدفعهم لإرتياد الأماكن الخارجة لتوها من حرب دامية، نكبة أو مجاعة مهولة ـ كانوا يريدون الأهم: الرغبة في الإنتماء لمكان و قوم آخرين. كانوا يحصون زفرات التأفف، علامات القلق و التبرم، و يريدون عزابا و أيتاما و مكسورين. و تخرج القبيلة لإستقبال محاربيها الجدد بالحليب و الثمر و الزغاريد و الحناء و شربة ماء من عين أسردون وبيت ونبتة زيتون صغيرة يغرسها المحارب و يسقيها. في الليالي الباردة الطويلة، و الخطوات الغادرة المتوجسة في مكان ما قريب، و الأيدي متيبسة على البنادق، و البارود سيلعلع في الهواء و يطنطن في الصخور، حين يصير الموت رخيصا و القلب كقطعة فحم، يذكر المحارب عروسه تحت، و يذكر شجيرة الزيتون التي قد تختنق في الغد من العطش، فيصك على أسنانه و يضرب بلا رحمة...

    و منذ أن صارت قبائل بأسرها تنصب خيامها بجانب سور المدينة و تطلب ضيافة الله، و لا تستطيع القبيلة إجلاءها و لا الفكاك من الوجوه اليابسة و الأعين الغائرة التي تقتعد الطرقات و تموت وأيديها ممدودة للهباء، خبب الأنات، و استرخاء حالم بجانب الجدران، و الأحذاق تبحث في أفق بعيد عن لقمة، أنصاف موتى يزجون الوقت بحصي ضلوعهم و نقل موتاهم إلى مقابر جانبية، و أسراب القمل في هجرات كبرى تجوب الهياكل التي نخرها الجوع، فضاء مطرز بسائل ذهبي تطرحه المؤخرات بلا انقطاع قطعا براقة في وجه الشمس، و يأكلون مالا يؤكل ولا يستقر في بطونهم: الحلبة، جذور إيرني و فروع الصبار... و يضربون بالبارود و العصي في أغراس القبيلة المليئة كهوف دورها بالقمح و الشعير و الذرة...

    تاريخ تنكر و فظاظة مع الغرباء و عابري السبيل في أيام المجاعات، تاريخ كان طوع اهتزازات لحي شيوخ الجماعة و أنانيتهم الوحشية و إعراضهم المخزي عن القبائل التي تقتسم الموت البطئ بجانب السور وفي الطرقات برغم النظرة الفاجعة لجد ما اقتسم أهل القبيلة في زمن سحيق مع هذه القبائل الأخوة في دمائه. تاريخ متقلب و مخاتل سيدفع الجماعة للتراجع تحت ضربات المخزن التي لا مرد لها، سطوة المدافع، اجتياح تلو اجتياح، ترسيخ مؤسسات كاملة للزجر و العقاب، قائد غر أملط لا مهابة لللحي عنده لذا سيأمر بزجها... و عندما سيصير الشيوخ حطاما إنسانيا لا سلطة له ستستباح القبيلة و سيقهقه ذلك الجد بشماتة و جنون)...

    حين أسلم بيبينو نفسه للنوم في آخر الليل من فرط التعب، و سوى حنكه بالجدار البارد، يد تسنده فوق الأرض و اليد الأخرى ممدودة في الفراغ تبحث عن همسة دافئة، عن أنفاس و خفقات قلب، كان الليل يخلي مواقعه، و عما قريب سيرى الذين خلدوا للراحة و الذين خلدوا للعذاب صباحا آخر..

    لم ينم غير ساعة، فقد أتى بائع الخبز و أحدث جلبة متعمدة فوق رأسه بصرير الأقفال، جمع بعدها بيبينو عظامه و استوى واقفا. حاول أن يضحك في وجه التاجر الذي لم يعبأ به و دخل، فقام بحركات رياضية خفيفة أمامه بدت مع حمرة عينيه و شحوب وجهه و فوضى شعيرات رأسه، رياء لا داعي له.

    جال ببصره في فضاء الساحة التي أخذت تتضح معالمها، الأبواب الأربعة التي تؤدي إليها يلقي أحدها بآدمي ليبتلعه آخر. قد يمر قطيع بقر أو خراف يرج فضاء الساحة الصامت و يمضي. لأي باب سيسلم رجليه؟ بقي وقتا قصيرا يتمعن أو يراهن، و بدربة من خاض حياة تتوزعها الطرق الكثيرة المتشابهة، و بغريزة بهيمية لا تخطئ، سار في الإتجاه الصحيح...

    كان ميتا من الجوع و العياء، و بعد خطوات قليلة تلاحقت أنفاسه، و أحس بدوار خفيف و برغبة في القيء، توقف و فتش جيوبه كلها حتى المخروم منها لعله يجد عقب سيجارة منسي، و هو يذكر بأنه قام بذلك عدة مرات في الليل. تحامل على نفسه، و جمع بصقة أراد أن يعفر بها وجه القبيلة القاسي لكنه لم يملك طاقة دفعها بعيدا، فرست على صدره و عنقه، و عندما خرج من تحت السقاقي كانت الأشياء مستسلمة لدغدغة رذاذ خفيف و ناعم؛ و رغم البرودة اللاذعة، كان انتشاءا عميقا و عاما يدثرها و خصوصا أشجار التوت الكبيرة التي كانت تتحرر لتوها من قطرات الليل الثقيلة، و تتنفس أغصانها العارية نور الصباح، أحس بانتعاش يدب كالخدر في تقاسيم وجهه، كان الزقاق خاليا أمامه تماما، و الأبواب موصدة، و الحيطان صماء، و الأزقة الفرعية الضيقة تحمي ما بقي من عتمة الليل. الباب في وجه الباب كما لو أنهما يتبادلان الحراسة، و الجدار يسند الجدار، و الأعشاب على الحافتين المتقابلتين، تختلس القبل مع هبات الريح

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء يوليو 17, 2018 11:02 pm