oumolilt histoire et patrimoine

tout se qui concerne l'histoire / civilisation et patrimoine culturelle de notre mère lala timoulilt .

المواضيع الأخيرة

» معلومات جديدة في غاية الدقة عن ايت سخمان و ايت علي اومحند ببين الويدان
الأربعاء يوليو 18, 2012 3:29 am من طرف samah moujane

» اسباب فتح الاندلس
الإثنين أبريل 30, 2012 11:39 am من طرف samah moujane

» اكتشاف جيني جديد يؤكده علماء الوراثة كل البشر ينحدرون من جزيرة العرب
السبت أبريل 14, 2012 6:26 pm من طرف samah moujane

» شذرات من تاريخ واويزغت
الإثنين مارس 12, 2012 4:27 am من طرف Admin

» العقـل الأمازيغي: محاولة للفهم
الخميس يناير 19, 2012 3:10 pm من طرف jihad bouzidi

» المغالطات العلمية والتاريخية حول الهوية الأمازيغية
السبت يناير 14, 2012 3:40 pm من طرف jihad bouzidi

» شذرات تاريخية هام هام هام جدا
الأربعاء ديسمبر 21, 2011 5:34 am من طرف Admin

» Bernard Lugan : L’Egypte pharaonique est Amazighe, un séisme scientifique
الثلاثاء ديسمبر 06, 2011 8:13 am من طرف Admin

» عيد مبارك سعيد
الأربعاء نوفمبر 09, 2011 4:41 am من طرف Admin

يونيو 2018

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
    123
45678910
11121314151617
18192021222324
252627282930 

اليومية اليومية

تصويت

دخول

لقد نسيت كلمة السر


    زغاريد الموت: دموع ايزا الجزء الاول

    شاطر

    jihad bouzidi

    المساهمات : 72
    تاريخ التسجيل : 26/03/2011

    زغاريد الموت: دموع ايزا الجزء الاول

    مُساهمة  jihad bouzidi في الخميس أبريل 07, 2011 7:03 am





















    دمـــــــوع إيـــــــزا





    قربة ماء، حفنتا ثمر و تين مجفف، كيس شعير حائل، بضعة جوزات و صرة صغيرة بها عشرون ريالا محشوة داخل بسيسة محروقة، خرير ارتطام حوافر الاثان بالأرض الصلدة، و خلاء مقفر كبير، خطت فيه الطبيعة ذروة صور بلاغتها القاسية، أفق حجري ينأى باستمرار مبددا كل أمل في انبثاق لا متوقع لأثر حياة...وحدها الجوارح في السماء السحيقة تعاود بلا كلل رقصا دائريا محموما، تراقبهم و تنتظر، لم تكن علامات على حياة، كان وجودها أكثر من كاف لتعميق إحساسه بالخوف، إنهم يسيرون على حافة الموت. والنور، كان الإنعكاس الشديد لأشعة الشمس على الحصى الابيض، يخلف غلالة نور باهر يدمي البصر. ولما كانت رؤية الأفق مفجعة، ورؤية السماء مرعبة، ورؤية الفضاء الحصوي مؤلمة، فقد صار ثلاثتهم بأعين شبه مغمضة. كان عليهم أن يسلكوا هذه الطريق الوعرة لكي لا يذبحوا من أجل الاثان أو من أجل جلابيبهم الدكناء المهترئة، أو لأن قطاع الطرق لن يجدوا معهم شيئا ليأخذوه أثمن من أرواحهم.

    لم تكن الطريق خطا مرئيا، خطته الحوافر والأقدام، بل خط وهمي مبهم يتبينه الحدس والدربة وحدهما، ينفلت الحصى الأملس أبدا ويطمس أثر كل من مر من هنا. برغم أن شيمون بلولو قد اجتاز بأمان نفس الطريق ست مرات إلى مراكش ذهابا و إيابا رفقة والده، فإن مخاوفه كانت تغلي في صدره، و تسد نفسه، و تلقي بماء الوهن في ركبتيه. كان اليقين الذي سنده في اليومين الأولين يتبدد تدريجيا، قال لنفسه حين أجمعوا أمرهم فجرا: لا يمكنك أن تنسى معالم طريق مشيت فيها خائفا. ولم يعد قادرا على تثبيت عينيه في عيني إيزا. كان يشيح بوجهه كلما استدارت نحوه في ركوبها المعذب فوق الاثان، فيتأجج عذابه: مهما حاول ليس بمقدوره أن يتأكد بأنه داس الحصى عينه..

    حين أمعنت الشمس بعيدا داخل التلال ساحبة وراءها وشاح زهوها الأحمر الشفاف، وتفجرت الظلال هذيانا للعتمة القادمة وانتحب إسو الصغير من الخوف والتعب والألم الذي تسببه له باستمرار عيناه المرمدتان، وأمكن شيمون أن يتبين بكاء إيزا الصامت، التي كلمته بصوت مخنوق متهدج في شأن توقفهم للإستراحة، سيفكر لأول مرة وهو ممدد يحدق إلى الفضاء في العودة. طالما ساءل نفسه: أي عمى قاده إلى هذا الجنون الكامل؟ أهو الطواف المخزي بين الدواوير الصامتة ككومات الرماد، فوق اثان تجمع في كل لحظة عظامها المفككة والناتئة، وتتابع مشيتها المترنحة، تسكرها أحلام حشيش أخضر ينبثق في الطريق، بسلعة تبدو حين ينادي عليها وسط هياكل آدمية مسبولة لبست لون الأرض الجافة المقفرة كمزحة ثقيلة، قراطيس شمع، حناء، مرايا، العكر الفاسي، كتان خشن وآخر ملون، مشط، أساوير وأقراط مطلية بماء الذهب، السواك و الكحل، ودواوير لا تملك ما تقايض به البضاعة الرخيصة سوى موتها؟ أم تلك العودة الخائبة؟ حين تكون الاثان قد أنجزت معجزتها اليومية ببقائها حية، فيجري إسو ليرف بقشابته البيضاء و يديه الصغيرتين حول الاثان المهدودة كملاك مواساة، وتقف إيزا مستندة على رتاج الباب، يومض وجهها الشاحب الحزين ببارقة أمل، ولما ترى رأسه منكسة تتوارى قبل أن يصل، أم تلك الهمسة الحزينة كقطرة نور ولدت في بحر أرق لياليه السوداء عن رحيل آيـت أوسردي، ولا يدري كيف احتضنها و دس رأسه في صدرها، لم يكن يجرؤ على الإقتراب منها، فقد نسج استرسال الأيام القاسية وعودته الخائبة أبدا جدارا من الإكتئاب والخوف والعذاب بينهما. لا، لم تحركه رغبة بددتها مهانة البقاء، بل رعبه من فكرة الرحيل ذاتها، لذا لم يكن يبحث في صدرها عن لّذة بل عن حماية، في تلك الليلة و النهار الذي تلاها، ستغشاه رجفة من حين لحين، و سيكلم أباه في قبره، و سينتحي ظلا بجانب الطريق ويبكي، كبرت دموعه و كبر عذاب قلبه، ففي الإكتفاء الأقصى بأقل ما يمكن أن يضمن البقاء، كان يجد بعض العزاء: هي أرضنا اقتسمنا معها الملح و الماء، الشقوق الدامية و العطاء، الجدود الذين طواهم ترابها وما كفوا عن إحاطة الأحياء بثقل أرواحهم، و الأبناء الذين يبرعمهم النشيج و القساوة..

    في ذلك المساء، و هو قادم يتباطأ حتى يستره الليل، رأى إسو و بعض أبناء الجيران يأكلون قطعا من الصبار بعد أن نزعوا عنه أشواكه. كانت العصارة الخضراء تسيل على ذقونهم الصغيرة، و أفواههم مجلخة كالجراح القديمة... لن يأكل خطاه التردد إلا و هم يذرعون ظلمة الفجر الشفيفة، سينبش تراب ركنة البيت، و يستخرج القلوش الذي يحوي كل شقاء أبيه و شقائه من بعده، و يجهز زاد الطريق، و يبتاع لإسو و لإ يزا جلابيتين قديمتين، و يستفسر كل من لقيه أو سار إليه في تلك الليلة عن أيسر و أأمن المسالك إلى مكناس؛ و حين تتوقف إيزا لتسأله بالصوت الخفيض عمن يعرفونه هناك و عن الطريق، يغمغم بسرعة كلاما مبهما كأنه يخشى اذا استرسل في الكلام أن تفتر حميته، كان يكوم متاع الدار كله في ركنة البيت، يسنده في تدفق حيويته العصبية فيض حسير من نور القنديل، و يهرب التنامي المفاجئ لإصراره على الرحيل من كل الأسئلة و المخاوف، و يقاوم انبثاق الذكريات من الأشياء التي يثبت بعضها فوق بعض، و كانت إيزا يائسة، ضائعة، تراقب المشهد الغريب: البيت و هو يتحلل أمامها، و تختفي معالمه، و حين غطي الكل بحصير، لم تعد تنتحب، كان الواقع و من خلال الأشياء الحميمية يغرق تدريجيا أمامها حتى اختفى تماما و صار البيت خلاء غريبا، لم تكن إذ ذاك قادرة على الرحيل فقط، بل مستعدة للموت أيضا...

    في منتصف الليل، كان عليهم أن يخرجوا رغم البرد الشديد اللافح، تهاوت إيزا فوق الصرة حاضنة إسوالنائم في حجرها، بينما انهمك شيمون في إعداد خليط كبير من الطين و الماء و الحشائش الميتة، و لما استطاع أن يحمي ذؤابة القنديل من الهبات المفاجئة للريح، أخذ يقيم جدارا بموازاة الباب الخشبي. لم يكن البيت، و الجدار يعلو، يستحيل في عيني إيزا إلى كتلة صماء محايدة و غريبة فقط، بل كان الزمن و من خلاله أيضا يتوارى أمام عينيها، كان كل ماضيها فيه، و لحظات سعادتها الناذرة تذوب في كتل الطين اللزجة و تضيع، لم يكن شيمون يبني جدارا، بل ينمي نقطة اللا عودة، و يبدد حلم التراجع...و حين اختفى الباب تماما كما اختفت أشياء البيت، و مهما تجلدت تساقطت دموعها فوق وجه إسو فصحا و أخذ يبكي، و وسط جلبة نباح الكلاب المجهد و الصيحات الأولى للديوك الباقية و بكاء إسو الخافت و المتواصل و بعد أن ورد الاثان، ذرعوا القرية، و هناك قرب شجيرات اللوز العشر، التي ورثها عن أمه، اجتاحته كل المرارات التي اعتصرت قلب إيزا، و عرف كل عذاب التردد، جدار الطين وراءه طريا و قابلا للتفتت مع أول ضربة يد، و الطريق أمامه يكتنف خلاصه الموعود فيه كل المخاطر و الأهوال و ضدا على قلبه الذي اشتعل بحنين قوي و آسر أسلم خطواته للمجهول، و إيزا تلتفت لتخزن كل الصور: بيت الطين الأحمر المسور بصمت يتعذر اختراقه، و حوش الصبار، الطريق الوعرة إلى العين، شجرة الخروب الوارفة، الأماكن الصغيرة العاجة بالذكريات، الألفة اليومية، خصومات مع الجارات، بوح و شكاوي يومية عن الصحة و الزوج و الأولاد والعين الحسود...صور سيالة و خانقة لم يرد شيمون أيضا أن يستسلم لإغرائها المؤلم، لو التفت مرة واحدة فقط لتوقف و أجهش بالبكاء و عاد، حين غيبتهم التلال الصخرية تماما و أمعنوا صعدا و نزلا في طرق ملتوية و متشابهة و سط طبيعة غرانيتية جرداء، كانت إيزا تحلم بأن يتخذوا يوما ما قرار العودة بنفس السرعة التي اتخذوا بها قرار الرحيل.. و كان شيمون يعد الخطى الباقية نحو الذرى الصخرية الحادة، الخط السري الذي يحد عالمه الأليف و الحميم، حتى أدنى نوع من هوام شقوقه العالم الذي يعرفه كما يعرف كف يده، و بعده يأتي المجهول، التيه و الأرض الخلاء...

    أطلت الشمس من ورائهم بأشعة باردة و سريعة الإنكسار، ترتع في أماكن استقرارها المصطفاة بهية و زعفرانية، و الظلال ثقيلة في الأماكن الأخرى المنبوذة لم تحرر الأشياء بعد من عماها الليلي، كانوا يبدون من بعيد ببقايا الظلمة المتمسكة بآخر نأمة حياة، و بالهالة النورانية التي تقذفها الأشعة الأولى وراءهم فتتشكل أماما خيالات هائلة، بالوحشة و النظرة الفزعة و اليائسة التي يتابعون بها انبلاج النهار الفضاح كعائلة مقدسة خرجت في الخلجات الأولى للتاريخ لتبني بخطاها أصل العذاب الأبدي للبشرية.

    ستبكي إيزا مرة أخرى حين سيتعمم شيمون بشريط من الثوب فاقع الخضرة، و يكون عليها أن تتلثم و تحكم قب الجلباب حول شعرها المحلول، تخف أوهن من رأس نعامة مغروس في الرمال لضمان التباس عين تراقب الطريق من بعيد: بؤس حياة و موت معلقين في لثام و عمامة، في استدرار لرحمة غير مضمونة من كل دلالات العذاب الواضحة، في لعب على اختلاف متوهم، لقد قيل لشيمون أن يفعل ذلك، لأن قطاع الطرق يحسبون كل يهودي تاجرا، يخفي تحته كنوزا من اللويز و النقرة. لم يستطع قلب إيزا أن يصدق بأن نجاتهم يمكن أن تكمن في تفاصيل صغيرة. و في الفجاج المتوحشة حيث يعبث تجويف الصدى بأدنى نأمة فيصيرها دويا مكرورا، و بمحاذاة الغابات التي فسخها اللهب، و بين التلال و الذرى الجرداء تتصدع خطوات شيمون و يلتفت بلا كلل نحو كل الجهات ليرى القادمين شاهرين -إن كانوا إنسا- سيوفهم و بنادقهم، أو سباعا و ذئابا شاحذة أنيابها، و بين الأوقات المتباعدة جدا كان يخرج الصرة و يوزع بينهم ثلاث تمرات فقط، من نوع البوزكراوي الصلب، لا يكاد هو يحس بعبور التمرة حلقه؛ و تمضغ إيزا لإسو لأن فكيه الصغيرين يعجزان تماما عن النيل من قطعة الحجر الحلوة، ثم تلوك ثمرتها طويلا بلا رغبة، بل بقرف و امتعاض كأنها تلوك غصة الرحيل نفسها، حتى تذوب بين أضراسها؛ وحدها جرعة الماء تقرقر في بطنها حامية و ثقيلة، من أجل إسو ينبغي أن تقاوم رغبتها في الموت؛ و الصغير، ذابل، مجهد، أخذ يقضي وقته مناصفة بين البكاء و النوم، يهد يديها في نوبات بكائه بالهدهدة المتواصلة. و حين يستسلم للنوم من جديد مبللا بالعرق و مختنقا بعاطفة الأمومة المحمومة التي تدفعها لتطويقه بقوة بيديها في حضنها، و الجلاليب التي كانت رحمة في الليل و الصباح صارت فرنا معذبا و عبئا ثقيلا، تمسح العرق عن جبينه و تشده إليها دأبا و كأنها في اعتصاره العصبي الخانق تحميه من الشمس و قطاع الطرق و الوحوش و عذاب الطريق التي لا نهاية لها و كل قساوات العالم الطافحة...

    تمضي الاثان بالوتيرة ذاتها، تتلكأ طويلا في المرتفعات و بحذر تنزل الأماكن الواطئة، و تتوقف قليلا فينفطر قلب شيمون ظنا منه بأنها تخلت عنهم، لكنها تعاود السير من جديد، و تسف التراب وراء حشائش يابسة... لم يكن شيمون في حاجة لحثها على السير بعصاه، تتحامل في كبرياء مدهش على هزالها و جوعها و عطشها و الثقل الثابت على ظهرها، حتى لقم الشعير التي يمد كفه بها لفمها، تقبل عليها بتثاقل كأنها تريده أن يدخرها لهم...و في المجرى اليابس لواد صغير دارس ستحجم طويلا عن الشرب من بقايا متفرقة لماء كدر حميم يخنقه التراب و يجذبه باستمرار للذوبان في الأرض. لعلها هي أيضا منقبضة ومنغلقة على كآبة خاصة، يمسك بأذنيها و يسحبها إلى الماء، فتغمس شدقها مليا و ترفعه مبللا و هي تنفث نفسا قويا (حسرة؟! يأسا؟!) يشكل في البركة دوائر لا متناهية، و ترفع إليه عينين متعبتين تشتهيان أشياء أخرى، فتزيد هي أيضا من وحشته و عزلته، لقد بدد الصمت الذي انسابت فيه خطواتهم منذ فجر اليوم الذي خرجوا فيه، ذلك التواصل الحميم و النفاذ، إستجابات معينة مكرورة، مقاومات، رغبات موقوتة، تآزرا في أوقات الشدة وذاك التآلف العجيب لأنفاسهما المتقطعة في سيلان وعورة الطريق و إشراقات الصفاء و الدعة. كانت ملكوت بوحه الأثير. لن يغفر لنا أبدا شيمون صيغة الماضي هاته (كانت)، كأنها أضحت في سياق إصرارهم على الحياة جزءا من الماضي، وكأنها في ممشى العذاب قد نفضت نفسها من الحياة، وكذب أبدا أعراض النهاية الوشيكة ، الأرجل المترنحة ، العينين الرماديتين المنطفئتين والعنق المرتخي على الأرض كنرجسة ، بل كذب حتى نوبات حشرجتها المريرة.

    ساروا عبر أماكن تشبه بعضها، ترتع فيها الشمس في تفرد ألوهي، يرجفون بصلوات يائسة ويتابعون برعب تراكب الخيالات والظلال المتحركة على طول المنحدرات حتى تصير قطاع طريق دمويين يتهافتون نزلا في صخب ولايصلون . ساروا صامتين يكفكفون دموعا لاترى ، كأنهم يشيعون جنازة كون هده لهبان الحر حتى رمض التراب.

    في ليلتهم الثالثة مكومين في العراء الصقيل، نهب هبات برد آخر الليل القاسية، إيزا تحضن بلا حراك إسو، تسند رأسها بصرة الحاجيات الصغيرة، وشيمون متكئ على ظهر الاثان الجاثية في غفوة يقظة ومنتبهة، عين نائمة وأخرى مفتحة ، تقرأ تضاعيف الظلام وسطوره، وكل حواسه تصيخ سمع ما قد يعتمل في إبهام العتمة المحيطة من حركات مهددة، و يده لا تفارق العصا، سلاحه الوحيد في وجه كل ما قد يتفتق عنه الظلام... لحظات قليلة كانت كافية ليجد نفسه محاصرا بحشد من الكلاب المتطايرة كالشرر، النابحة كجلجلة الرعد. تمالك نفسه ولوح بعصاه قاعدا ثم واقفا، تراجعت ... ترامت من جديد. من روعه كان شيمون يعتقد بأن المدى كله صارمن حولهم كلابا... يبتلعها الظلام لحين، ثم تتداعى من جديد ، محكمة طوقها عليه وحده، وكأنها لم تنتبه لإيزا برغم صياحها الحاد ...لقد انتهت الأرض الرمادية، الصامتة. بعد ثلاثة أيام من الإستدراج القاسي والتكتم، إلى إفراز كل عدائها المخبوء دفعة واحدة .. لم تكن كلابا بل تجسيدات لكل كائنات مخاوفه. فجأة وكما ظهرت اختفت لصفير خافت انبعث كرحمة من عالم آخر، وعندما لم تعد رجلا شيمون تسعفاه تهاوى إلى الأرض. كان قد أيقن بعزلته وضعفه لذا لم يحاول حتى الوقوف، واكتفى بالتضرع للرجل ذي القامة القصيرة والملامح الضائعة في العتمة، لكن الرجل لم يهو عليه بعصاه، بل قال له بصوت خافت: " ماتخافش أولدي" ومد له يده بالسلام.

    كان الرجل دليل ركب زوار يدلجون في ماتبقى من ظلام الليل، يخففون قساوة هبات الريح الباردة بأذكار جنائزية ، تحاكي في تدفقها خبيب خطاهم، لم يكترث به أكثرهم. والقليلون الذين سلموا عليه دون أن ينتبهوا لإيزا ، أبدوا دهشتهم إزاء ا لمكان العاري الذي اختار المبيت فيه، وساروا، وحده دليلهم بقي بجانبه يستفسره.

    كان الزوار يقصدون إحدى الذرى الصخرية قرب آيت عتاب، حيث توجد قبة مولاي بوعنان، الجد البعيد لقبيلة رحلها أحد السلاطين عن آخرها إلى الجنوب. ومنذ ذلك الزمان الغابر دأبت القبيلة على لملمة شتاتها كل عام للذهاب لزيارته واستدرار بركاته. وأمام هذه الإلتفاتة الإلهية، لم يسع شيمون إلا أن يربط ممتنا مصيرهم بمصير الركب طيلة السبعة أيام التي تفصلهم عن القبة، وأن يخضع لسيرهم الدقيق والمريح بالقياس لإندفاعه الأخرق بإيزا وإسو. كان الركب يسير من منتصف الليل حتى الضحى ومن العصر حتى المغرب، فيتفادى أكثر أوقات النهار قسوة وإرهاقا. ولقد أمكن شيمون أن يتحرر من كل مخاوفه حين رأى مع الأشعة الأولى عالم الأشباح الذي يسيرون ضمنه، كان أكثر الركب يتكون من عجزة يكادون يسفون الأرض في مشيتهم، ومن مرضى يسيرون على إيقاع أناتهم، وممسوسين يرنحهم السر العظيم التاوي في صدورهم، وأقطاب يجترحون وسط تسليم عام كرامات متتالية ليس أقلها التبول والتبرز على مرأى من الجميع، وبهائم أخذت تنبعث منها نتانة موتها القادم. وحده قطيع الماعز يطفح بالحيوية ويبدي صمودا مثيرا للغيرة في وجه الشمس و الطريق، و إن كان يطفئ رغبته في الإحتجاج الشديد على يباب الأرض بضجيج لا يكاد يتوقف. وتحررت إيزا من لثامها الخانق وأرخت قب الجلباب لتنفلت خصلات نافرة من شعرها أمام دهشة من خدعوا بتنكرها، وهم قلة قدر لإيزا أن توجد بجانبهم؛ أما الباقون، فقد كانوا مشغولين بآلامهم و عاهاتهم و قوة شوقهم للولي الصالح، وتجدد إيقاع سير الاثان هي الأخرى إذ لم تكن حالتها سيئة إذا ما قورنت بحالة أكثر البهائم التي، وبالإضافة إلى ركابها، كانت تنوء تحت أحمال تثقل عظامها و روحها. وضاع صراخ إسو في الجلبة العامة...

    مر الركب بدواوير متقدة ومنتحبة، فلحق بهم أناس يريدون الموت في مكان آخر أكثر مما يريدون الزيارة، و توقف في الساعات القائظة للإستراحة، فاقتسم الزوار بينهم التراب في التوهم الذي تخلقه شدة الحر والجوع. وحول جذوات النار في الليالي الطويلة الباردة، تحلق الرجال للذكر والحكي عن كرامات الجد، و رددت النساء أغانيهن الحزينة. وطيلة الرحلة كان شيمون يتوجس خيفة من صاحب العلم الأخضر، ذي الحاجبين المتشابكين والقامة المديدة والمشية المنكسرة كمشية لقلاق، كان من رؤساء الركب الأكثر نفوذا وحركة، و منذ أن رآى إيزا لم يسقط عينيه الماكرتين عنها، وبرغم أن حمله للعلم كان يقتضي وجوده في المقدمة، فإنه أخذ ينتحل أسبابا لتخلفه قرب النساء، في الليلة الخامسة صحا شيمون على خشخشة زحفه نحوها على أربع، فكح وتململ في موضعه، ودون خجل، توقف ذو القامة المديدة، وصفق بيديه: " الله الله، ياسلطان الجن، يــالمصير التراب سمن، لاتخيبناش يـامول الديـوان والمـيزان، قاصدينك أمولاي عبد الرحمـان" إيذانا باستئناف المسير، وفيما بقي من الرحلة أخذ يرشق شيمون بنظرة حانقة ومتوعدة.

    أدرك الركب أماكن مقفرة نفضت المشيئة يديها من العناية بها، أقسى من كل تلك التي رأوها، أراضي صالحة للزراعة مفسخة ومشقوقة كأنها فرشت ببيوت العنكبوت، كانت الحياة المعلقة في تويج النخل وحده بارقة أمل، فكت الأسارير المنقبضة للوجوه الكالحة المغبرة، تزاحم أناس الركب في زمن توقفه بالنهار على الظلال الهزيلة المتفرقة، وفي الليل على الأماكن المحمية بالجدوع الميتة من ضربات البرد، ومن أفواه الفلاحين اليائسين، علموا أمر الحروب الشرسة القائمة في كل البلاد بين المستعمرين الفرنسيين والقبائل المجاهدة، وأحصوا بأصابع أيديهم أسماء المدن التي سقطت وأسماء المدن التي تجري الحرب حولها، كانت طريق شيمون غير سالكة تماما من بني ملال حتى مكناس، فبلاد الأغراس أصبحت قرطاسا، نز عرق بارد من جبهته و امتلأ وجهه بأشد تعابير الإنقباض و الألم، وتابع انفلات طائر أمله في الخلاص من صدره، و تبخره في الجو، واستسلم للدموع، كان بين طريقين آخرهما موت، اقترب منه الدليل الذي حدس ضياعه وأكد له بأن بضعة ريالات للزطاطة يمكن أن توصل حتى طنجة، فهم يعرفون المسالك الآمنة وطبائع القبائل و تحركات قطاع الطرق وكمائنهم، بل إن بعضهم يموت ولاتمس شعرة من الذي استجار بهم.

    في اليوم السابع و في أول شواظ من نار الشمس لاحت القبة البيضاء للولي، هناك في الأعالي في آخر مسلك متعرج بين الصخور وفروع الصبار وتعريشة الزقوم، يحاذي في كثير من المواضع منحدرات سحيقة مرعبة أجبرت الركب على أن يتسلسل في خط تسند فيه خشية الانزلاق البهيمة البهيمة، و تشد اليد الثوب الذي أمامها في مجازفة جماعية، إذ كان يكفي أن لا تثبت رجل في مكانها لكي يدوي انهيار الكل في التجويف السحيق. انتشر الماعز صعدا بقفزات جذلى، وحده يملك سر الإنفلات من القانون المذل للجاذبية، وابتدعت الكلاب لاهتة، طرقا طويلة ولكنها غير خطرة، تردد شيمون قبل الصعود و كان سيغالب تجدد مخاوفه، ويدفعهم لرحلتهم المتوحدة، ولكن وأمام إلحاح دليل الركب، وحاجتهم للراحة، وأمل العثور على بعض أوراق الحبق التي تصلح عصارتها لشفاء الرمد هناك في القمة، والأهم من كل هذا أمام استماتة ذلك الإحساس بالأمان والحماية الذي منحته إ ياه قوة الركب الوحيدة: يقينه بوجود نهاية لكل عذاب، هناك في القبة المعلقة بين السماء و الأرض، رغم ضعف أكثر من ضعفه، وعذاب و خوف كعذابه و خوفه، لم يستطع أن يقاوم رغبته في اختبار قوى الجد الخفية، وشهادة الصياغة الملغزة التي سيعدل بها مصير أحفاده القاسي.

    تعالت التكبيرات والإبتهالات مع تكشف القبة لأول الطالعين: منبسط صغير، تربعت القبة في وسطه، وصف من شجيرات الصبار، و شجرة زيتون ذابلة، وحشد من الزوار ممددين على التراب، ومستندين على بعضهم أو على حوائجهم، تلهبهم شمس الهاجرة، وبضعة مجانين تمسكهم في نوبات فوضى أجسادهم سلاسل ثقيلة وصدئة ومثبتة في حائط القبة، و برغم وجود القبة في هذا العلو الساحق كان الجو خاملا ومتثاقلا سرعان ما امتص حماس الصاعدين ودفعهم هم أيضا للتثاؤب والصمت، فأدوا شعائر لقائهم بالولي غارقين في وقار كئيب. أخذ منهم البواب وباقي خدام القبة حق الزيارة وتركوهم يبللون بدموعهم غطاء القبر ويتلون مطالبهم الكثيرة و التي تفترض الإستجابة لها من طرف الولي ببساطة تغيير العالم، إنزوى شيمون بإيزا و إسو والاثان بعيدا قرب الصخرة المصقولة بأفواه اللاثمين، مثوى جلسات الجد التأملية الطويلة، ومنبر حجاجه المضني مع الجن، ورأى أحد خدام القبة يعيد سوق قطيع الماعز عبر المسلك المتعرج، لم تكن هناك بئر بجانب القبة و لا عين جارية...كانت حاجة الزوار من الماء تصل في قلل فخارية كبيرة مشدودة بحبال فوق ظهر بغلة هيأها الولي لتتحمل بلا تلكؤ و لا شكوى العذاب اليومي للصعود و النزول الدائمين. لم اختار هذا المكان المتمنع لخلوته؟ لم جعل في آخر خطوات الفازعين إليه في اللحظات الحالكة عذاب المسلك المشرئب لعنان السماء؟ أ كان يريد حقا من أحفاده أن يتحلقوا هكذا حوله؟ أم أراد أن يعيشوا مصير يتمهم بعيدا عنه؟...

    في الليل تخاطفوا لقم كسكس ناشف حريف، و تحلقوا للذكر و الأمداح في الوسعة القريبة من الباب، ثم أخرجوا بنادير كبيرة، و وضعوا فوق كوانين حديدية بقاريج نحاسية كبيرة، و أخذوا يؤججون نارها. و سخنوا البنادير حتى أصبحت تصدر طنينا حادا و مدوخا، و بدأوا بأصوات مبحوحة مجهدة و على الإيقاع الرتيب لخبطهم يصدحون بأذكار حزينة مولهة، ثم تسارع الإيقاع و اهتزت الأجساد، تخط له في الفضاء المعتم تجسيما حركيا، كانوا يهتزون من أعماق أرواحهم، لم يكن طربا، بل ذوبانا في استيهام استحالة العالم إلى إيقاع، تشظ للجسم المنغلق على نفسه و المنعزل عن العالم، و لحاقا بالجسم الكلي الراجف المأخوذ بحمى التكرار. اعترضوا بافواههم، ماء البقاريج الحامي حتى تعالى بخاره، مضمضوا به أفواههم. ثم نفتوه عذبا زلالا. التسليم ، وضربوا جباههم بمطاوي حادة حتى تفجرت دماؤهم. التسليم. ثم خروا إلى الأرض، صرعى، طوق مبهم لحفر الفناء في أجسامهم.

    في الصباح استفاقوا على الركلات الخفيفة للبواب وباقي خدام القبة، علموا و قلوبهم تأكلها الدهشة والأسى، بأن الولي وقف على البواب في الهزيع الأخير من الليل، وأخبره بإذنه لهم بالإ نصراف مباركين. جمعوا ذواتهم وقوفا حين ثقل الركل. وانحدروا، تمسح حرارة دموعهم الفائرة طراوة الصبح الندي، أخف حملا، غرقى في صمت خذلانهم، بعد أن ضاع الماعز الصاخب، منكسين علمهم الأخضر، وأعادهم لفح الشمس حين وصلوا المنبسط الشاسع للبدء القاسي: مهانة البقاء...

    ابتعد الركب في رحلة عودته القاتلة، وشد الدليل هو أيضا على يد شيمون بحرارة، بعد أن بين له طريقة التعاقد مع الزطاط، والإحتياطات اللازمة، وأوصاه خصوصا بضرورة البقاء يقظا إزاء الزطاط الذي قد تتحول عنايته خلال الطريق الى خطر حاذق، ودله على أقرب دوار ثم هرول حاثا الخطى وراء الركب. حين بقي شيمون مسمرا، فاغرا فاه ومتحفزا بكل قواه للصياح لم يكن يريد أن يوصل سؤالا آخر عن الطريق للدليل الذي أخذ يبتعد، كان فقط يريد أن يجيبه الركب كله عن سؤال مذهل: إلى أين ترجعون؟ إلى أين؟

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس يونيو 21, 2018 11:13 pm