oumolilt histoire et patrimoine

tout se qui concerne l'histoire / civilisation et patrimoine culturelle de notre mère lala timoulilt .

المواضيع الأخيرة

» معلومات جديدة في غاية الدقة عن ايت سخمان و ايت علي اومحند ببين الويدان
الأربعاء يوليو 18, 2012 3:29 am من طرف samah moujane

» اسباب فتح الاندلس
الإثنين أبريل 30, 2012 11:39 am من طرف samah moujane

» اكتشاف جيني جديد يؤكده علماء الوراثة كل البشر ينحدرون من جزيرة العرب
السبت أبريل 14, 2012 6:26 pm من طرف samah moujane

» شذرات من تاريخ واويزغت
الإثنين مارس 12, 2012 4:27 am من طرف Admin

» العقـل الأمازيغي: محاولة للفهم
الخميس يناير 19, 2012 3:10 pm من طرف jihad bouzidi

» المغالطات العلمية والتاريخية حول الهوية الأمازيغية
السبت يناير 14, 2012 3:40 pm من طرف jihad bouzidi

» شذرات تاريخية هام هام هام جدا
الأربعاء ديسمبر 21, 2011 5:34 am من طرف Admin

» Bernard Lugan : L’Egypte pharaonique est Amazighe, un séisme scientifique
الثلاثاء ديسمبر 06, 2011 8:13 am من طرف Admin

» عيد مبارك سعيد
الأربعاء نوفمبر 09, 2011 4:41 am من طرف Admin

يونيو 2018

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
    123
45678910
11121314151617
18192021222324
252627282930 

اليومية اليومية

تصويت

دخول

لقد نسيت كلمة السر


    علاقة آل الكَلاوي بالأسر القائدية بوادي درعة

    شاطر

    samah moujane

    المساهمات : 61
    تاريخ التسجيل : 01/04/2011
    العمر : 34

    علاقة آل الكَلاوي بالأسر القائدية بوادي درعة

    مُساهمة  samah moujane في السبت أبريل 16, 2011 5:42 am

    تقديم

    كانت قبيلة كَلاوة، بالأطلس الكبير، إلى غاية أواسط القرن 19 م، تخضع إلى سلطة قيادة زمران([1]) وكانت القبيلة تخضع لأنواع من السخرة والإذلال والقهر، وفي حوالي منتصف القرن 19 م، بزغ نجم المزواريين في سماء قبيلة كَلاوة، مع الشيخ أحمد المزواري الكَلاوي، واشتد عود هذه الأسرة، بعدما نجح رجالها في ربط مسيرتهم السياسية بالمخزن العلوي خلال العقود الأخيرة من القرن 19. وقد راهن القواد الأوائل من أسرة آل الكَلاوي المزواريين على التحكم في الطرق التجارية التي تربط مدينة مراكش بواحات الأودية التي تمتد جنوب جبال الأطلس (درعة، دادس ثم تودغة)، ذلك أن التحكم في عصب هذه التجارة عبر الأطلس الكبير، التي لا غنى عنها لسكان الواحات الجنوبية، ستساعد أسرة آل الكَلاوي المزوارية في فرض هيمنتها على الأسر القائدية التقليدية، بمناطق الأودية عامة وبواحات درعة بشكل خاص. فكيف تطورت وضعية أسرة آل الكَلاوي من مشيخة صغيرة، لا يتجاوز مجال نفوذها قبيلة أهل تلوات، إلى قيادة كبرى، امتدت سيطرتها من تلوات بالأطلس الكبير إلى التخوم الصحراوية؟ وما هي طبيعة العلائق التي تربط أسرة آل الكَلاوي المزوارية بالأسر القائدية التقليدية بواحات درعة؟



    I - أسرة الكَلاوي: من المشخية إلى القيادة

    1 - تنصيب أحمد المزواري شيخا على أهل تلوات

    يتفق الباحثون، الذين تتبعوا بالبحث والتمحيص، تاريخ أسرة آل الكَلاوي المزوارية، وتسلقها سلم السلطة المخزنية، إلى أن فازت بمنصب القيادة، على القول بأن بداية هذه الأسرة كانت متواضعة ولم يكن لها شأن يذكر بين قبائل كَلاوة.

    وفي أواسط القرن 19 م، نجح أحمد المزواري في الفوز بمنصب أمغار (شيخ) على قبيلة أهل تلوات، وتتشكل هذه القبيلة من دواوير صغيرة، لا يتجاوز عددها أصابع اليد، وتندرج ضمن مجال قبيلة كَلاوة الجنوبية([2])، كانت قبيلة أهل تلوات، كغيرها من قبائل كَلاوة، خاضعة في ذلك الإبان لمجال نفوذ القائد الهاشمي الزمراني([3]).

    كان أحمد المزواري الكَلاوي، يعتمد في تدبير معاشه اليومي، وقوت أسرته على ما كان يصله من وعْدات وفتوحات([4])من القبائل التي تعتقد صلاحه وتقدره وتجله، لأنه، فيما يزعم، ينحدر من ذرية الشيخ أبي محمد صالح الماكري، دفين أسفي([5]).

    وبعد اكتشاف، معدن الملح([6])بأزرود، بالقرب من تلوات، عمل أمغار أحمد المزواري، على تنظيم تجارة الملح، وكانت القوافل المحملة بملح أزرود تصل بشكل منتظم إلى أسواق الأطلس الصغير، وأسواق المناطق الصحراوية، وكانت ملح تلوات، مطلوبة في جل مناطق الجنوب، فكانت حركة القوافل المحملة بهذه المادة تنشط في طرق الأطلس الكبير وكل جهات الجنوب، الأمر الذي جعل أمغار أحمد المزواري الكَلاوي، يؤسس سوق الإثنين، بإغيل نيبيان. وبفضل ما كانت تدره عليه تجارة الملح وما يستخلصه من سوق إغييل نيبيان، إرتاش، أحمد المزواري الكَلاوي وتغيرت أوضاعه الاقتصادية([7]).

    هذا التحول السياسي (شيخ قبيلة) والاقتصادي، (التحكم في تجارة الملح، وفي مداخل سوق الاثنين) الذي طرأ على حياة الشيخ أحمد المزواري الكَلاوي، أثار حفيظة صهره، الشيخ أحمد بن الحاج محمد، شيخ قبيلة تاغنوست (المجاورة لتلوات) فألب عليه كل المناهضين له، فاضطر أحمد المزواري الكَلاوي، إلى الهروب حيث لجأ إلى قبيلة أونيلا([8])، وبهذا المنفى الإجباري، ازداد للشيخ أحمد المزواري الكَلاوي، الطفل الذي سيعرفه التاريخ منذ أواسط العقد السادس من القرن 19م، ب محمد أبيبط([9]).

    وعلى ضفاف واد أونيلا، شب الطفل محمد أبيبط، وقد تجرع ما يكفي من مرارة المنفى، وتذوق الكثير من أحزان أبيه، وتأثر لمظاهر الهم والغم، التي كانت تلوح على وجه أبيه الذي ضاعت منه مشخية قبيلة أهل تلوات، وقد كبر محمد أبيبط، وكبر معه حلم استرجاع مشخية قبيلة أهل تلوات، والعودة إلى القمم الشماء للأطلس الكبير، وهكذا ما كاد أحمد المزواري الكَلاوي ينتقل إلى جوار ربه سنة 1272 ﻫ/ 1855 م حتى هب الشاب محمد أبيبط، في جمع من خلص أبيه وأنصاره من قبيلة كَلاوة وأونيلا، فانقض على مدشر تاغنوست، وبعد جولة قصيرة من المواجهة، قتل الشيخ أحمد بن الحاج محمد بمعركة تيغوفار آيت الربع([10]).

    ويظهر أن إقدام محمد أبيبط، وطريقة عودته للثأر لأبيه من شيخ تاغنوست، قد أثارت انتباه المخزن المركزي، الذي كان يبحث إبانه عن هذا النمط من الرجال الأشداء بالأطلس الكبير لحماية الممرات الجبلية، وتوفير الأمن للقوافل التجارية، وإعادة هيبة المخزن بهذه الجهة من الأطلس الكبير، فقرر السلطان مولاي عبد الرحمن بن هشام سنة 1273 ﻫ/ 1856 م، تعيين محمد ابيبط المزواري الكَلاوي، شيخا أعلى (أمغار نوفلا) على قبائل أهل تلوات، وآيت أونيلا، وآيت تامنات([11]) كان الشيخ محمد أبيبط، طموحا، ومندفعا لا يأبه بالمخاطر التي تواجهه، إذ ما كاد يعين شيخا مخزنيا، حتى بدأ يتطلع إلى بناء مشيخة كبرى ويجمع تحت نفوذه وسلطته كل فرق قبيلة كَلاوة بشقيها الشمالي والجنوبي([12]) على غرار ما حققه الكنتافيون والمتوكيون([13]) وقد تجاوب رجال قبيلة كَلاوة مع تطلعات محمد أبيبط، لأنه الرجل القادر لأن يجعل من هذه القبيلة قوة قبلية بين قبائل الأطلس الكبير. كانت العقبة الوحيدة، التي تعترض "مشروع" محمد أبيبط، في تجميع رجال وتوحيد قبيلة كَلاوة حوله، هو وجود القائد الهاشمي الزمراني الذي يتمتع بالحق التاريخي والرسمي، كقائد مخزني يمارس السلطة، ليس على قبيلة كَلاوة فحسب، وإنما على مجموعة من القبائل بالأطلس الكبير مثل غجدامة وفطواكة وغيرها([14]). وهكذا ما كاد الهاشمي الزمراني يغيب من مسرح الأحداث سنة 1275 ﻫ/ 1858 م، حتى اعتقد محمد أبيبط، بأن ساعة تحقيق حلمه، لتلخيص قبيلة كَلاوة من سطوة قيادة زمران قد حلت.

    كثف محمد أبيبط، اتصالاته، ببعض رجال المخزن النافذين في دائرة مولاي عبد الرحمن بن هشام، وكان لا يألو جهدا في محاولة إقناع حاشية السلطان بمد العون له للحصول عل ظهير تعيينه، قائدا على قبيلة كَلاوة، لتخليص قبيلته من براثين قيادة زمران. إلا أن نفوذ القائد عمر الزمراني، الذي تولى منصب القيادة مكان أخيه المتوفى، أفشل محاولات محمد أبيبط وأعاد كل جهوده للتخلص من قبضة الزمرانيين إلى الصفر. بل إن القائد عمر الزمراني، قد عبأ كل جهوده لتقليم أظافر محمد أبيبط المزواري ليكون عبرة لغيره، فاتهمه عند السلطان مولاي عبد الرحمن بن هشام بالعصيان والتشغيب على المخزن.

    ورغم أن المصادر التاريخية المعتمدة، قد سكتت عن طبيعة هذا "العصيان" وهذا "التشغيب"، فإننا نعتقد أن هذه التهمة تدخل في إطار الدسائس، التي يحيكها قواد القبائل ضد بعضهم البعض، مع العلم، أن المخزن، الذي كان إبانه منشغلا بالتهديدات الأجنبية للأراضي المغربية، لم يكن مستعدا، ليفتح باب التحقيق في هذه التهمة الخطيرة التي ألصقها عمر الزمراني بالشيخ محمد أبيبط المزواري. وقد تمكن القائد عمر الزمراني، من استصدار أمر من السلطان مولاي عبد الرحمن باعتقال محمد أبيبط المزواري ومعاقبته بما يستحق، ويعتبر الأمر السلطان بمثابة تفويض مطلق للقائد عمر الزمراني، لحل قضية محمد أبيبط، إما بسجنه أو بقتله إذا دعت الضرورة إلى ذلك.

    ونستشف من التطور الذي عرفته قضية محمد أبيبط، أن القائد عمر الزمراني، قد بث عيونه وجواسيسه لضبط تحركات محمد أبيبط المزواري بحراسة المنافذ الجبلية وكل الطرق التي تؤدي إلى مراكش. إلا أن محمد أبيبط، الذي حنكته المحن، وعلمته التجارب، عرف كيف يفلت، من كل المصائد التي نصبها له عمر الزمراني والوصول إلى مراكش.

    تجنب محمد أبيبط، بعد وصوله إلى مراكش، الذهاب إلى القصر السلطاني، لنفي تهمة العصيان والتشغيب عن نفسه، وتوجه رأسا إلى زاوية الناصريين بحي رياض العروس للاستحرام بها إلى أن يدبر أمره مع المخزن.

    ومن حسن حظ محمد أبيبط وسعده، أن دخوله متسترا إلى مراكش تزامن مع وفاة السلطان مولاي عبد الرحمن بن هشام يوم 29 محرم 1276 ﻫ/ 1859 م. كما صادف وجود شيخ زاوية تامكروت الناصرية، سيدي بوبكر بن علي الناصري بمراكش([15]).

    ومن التقاليد المعروفة عند الناصريين، أن شيخ الزاوية، يحضر عملية بيعة السلطان الجديد، وهكذا استغل سيدي بوبكر بن علي الناصري وجوده بمراكش، فحضر ضمن أعيان البلاد وكبرائها بيعة السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن الذي خلف أباه على كرسي السلطنة، وقد تشفع الشيخ الناصري عند السلطان الجديد لمحمد أبيبط المزواري([16]).

    ويظهر أن السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن، الذي يعرف جيدا مدينة مراكش، ومطلعا على دسائس قواد القبائل بالجهات الجنوبية، لم يناقش طلب الشيخ الناصري في العفو عن محمد أبيبط المزواري، بل إن السلطان قد جدد له، ظهير تعيينه شيخا أعلى (أمغار نوفلا) على كل القبائل التي نص عليها الظهير الرحماني.

    وقد أخلص محمد أبيبط المزواري في خدمة أهداف المخزن،وكان يحرص على الحضور برجال قبيلة كَلاوة في الحركات المخزنية إلى جانب السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن وخليفته بمراكش الأمير مولاي الحسن وقد برهن غير ما مرة أنه قادر على القيام بكل المهام التي يكلفه المخزن بها سواء بمجال قبائل الأطلس أو بقبائل الجنوب بصفة عامة([17]).

    وبعدما لاحظ السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن، استماتة الشيخ محمد أبيبط المزواري، وتفانيه في خدمة أهداف المخزن، قرر ترقيته إلى منصب قائد مخزني وذلك ابتداء من سنة 1281 ﻫ/ 1864 م([18]).



    2 - القيادة وتأسيس سلطة آل الكَلاوي بالجنوب

    تحقق للشيخ محمد أبيبط المزواري، ما كان يحلم به، وظل يخطط له منذ وفاة والده 1272 ﻫ/ 1855 م، وهو الوصول إلى منصب قائد مخزني، والارتباط بالمخزن على غرار العائلات القائدية الكبرى بالأطلس الكبير([19]).

    لا شك أن المتفحص لمسيرة محمد أبيبط المزواري، السياسية، سيلاحظ أن الرجل كان محظوظا جدا، وأن بعض الأحداث الطارئة، كانت تبدو وكأنها جاءت، لتدفع بمحمد أبيبط المزواري إلى الواجهة وتقريبه أكثر فأكثر من المخزن.

    فإذا كانت وفاة السلطان مولاي عبد الرحمن بن هشام سنة 1276 ﻫ/ 1859 م قد ساعدته في الانفلات من قبضة غريمه القائد عمر الزمراني، فإن بعض الأحداث القبلية، التي عرفتها بلاد آيت واوزكيت سنة 1862 م، بإقليم تارودانت الحالي، وتورط القائد أزروال الرحماني في تحريك تلك الأحداث وتأجيج الصراعات القبلية([20]) قد جعل السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن يعتقل القائد أزروال الرحماني، ويسند مهمة ضبط أحوال هذه القبائل إلى محمد أبيبط المزواري بعدما رقاه إلى منصب قائد مخزني، بعدما أضاف إلى قيادته مجال قبائل آيت واوزكيت بإقليمي ورزازات وتارودانت الحاليين، وهكذا انطلق محمد أبيبط المزواري على رأس رجاله لإخضاع القبائل العاصية باسم المخزن، وقد أفرط في استحلاب الأموال، واستخلاص أضعاف ما دفعه للمخزن، وقد أطلق أيدي رجاله على تجمعات قبائل آيت واوزكيت وآيت زينب، وآيت ورزازات، لنهب كل ما يمكن نهبه من حبوب وأنعام وغيرها، ثم ألزم بعد ذلك كل خيمة بدفع قدر مالي([21]).

    وفي إطار تنمية موارده المالية، لمواجهة متطلبات الحياة اليومية كقائد مخزني، وللوفاء بكل الالتزامات المخزنية التي قطعها على نفسه، عول محمد أبيبط المزواري، على التحكم في شريان الحركة التجارية عبر الطرق التي تربط، عاصمة الجنوب، مراكش، بمناطق الواحات (درعة، دادس، تودغة) وهي حركة تجارية دائبة لا تكاد تتوقف في كل فصول السنة، إلا أن العقبة التي تعترض محمد أبيبط المزواري، هو وجود أسر قائدية قوية في مجالات قبائل آيت واوزكيت، وقبائل إمغران، وهذه القيادات المحلية تستمد قوتها من التحكم في المحاور التجارية بالمنطقة، لذلك كان من اللازم على محمد أبيبط إخضاع هذه القيادات المحلية لسلطته، وهو أمر يصعب تحقيقه بالسرعة المطلوبة نظرا للتحالفات القبلية القوية، التي ترتبط بها القيادات المحلية وتستند إليها، وقد زاد من صعوبة محمد أبيبط المزواري، أن قيادات آيت واوزكيت، وآيت ورزازات، وشيوخ قبائل إمغران، لم تخف معارضتها القوية، لقيادة محمد أبيبط عليها، لأنها ترى فيه شخصا أقل شأنا منها.

    كان محمد أبيبط المزواري، يدرك جيدا صعوبة إخضاع معارضيه لنفوذه لذلك حاول الاستفادة من الحركة التجارية الدؤوبة عبر الأطلس الكبير، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع القبائل الواوزكيتية والمغرانية وحلفائها، فعمد إلى إحياء سوق الاثنين بإغيل نيبيان، وبنى بجانبه فندقا لنزول القوافل التجارية، وبذلك يمكنه مراقبة ممر تيزينتلوات، وأحدث في الطرف الغربي لهضبة تلوات سوق الخميس بزركطن، وبني بجانبه أيضا فندقا، وبإمكان هذا السوق أن يراقب ممر تيزينتشكا.

    ويتضح جليا من اختيار موقع السوقين، التي لا مناص للقوافل التجارية، من مراكش إلى الجنوب، أو العكس، من الانفلات من المراقبة وتأدية ما فرضه عليها محمد أبيبط المزواري، من إتاوات ورودا وصدورا([22]).

    كان الهدف من هذه الإجراءات هو إرغام القبائل المنتشرة بمجالات آيت واوزكيت، ورزازات، إمغران، وقبائل الأودية، على الخضوع والرضوخ لإرادة الكَلاوي، إلا أن ردة فعل ، القبائل المتضررة بشكل مباشر من إجراءات محمد أبيبط المزواري، كانت قوية، وظهرت ملامح الغضب عند شيوخ قبائل آيت واوزكيت وشيخ قبيلة آيت زينب بتمداخت([23]) وشيخ قبيلة تيكرت([24]) بالإضافة إلى شيوخ قبائل إخوزامن وأهل ورزازات.

    كانت هذه القبائل ترتبط فيما بينها في لفوف محلية، وتنضوي كلها في حلف "تاكوزولت" الذي تمتد لفوفه إلى عدة جهات بالجنوب المغربي([25]).

    وقبل الدخول في مواجهة مسلحة مع محمد أبيبط المزواري، جدد شيوخ قبائل آيت واوزكيت وأهل ورزازات وقبائل إمغران([26]) العمل بالمعاهدات التحالفية في إطار حلف تاكوزولت، ولن نبالغ إذا قلنا، بأن القائد محمد أبيبط المزواري، كان يعي جيدا، صعوبة التغلب على شيوخ هذه القبائل المتحالفة ضده، إلا أنه كقائد مخزني، لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يتراجع أو أن يتوجس الهيبة من الحرب، لذلك نلاحظ أنه اعتمد استراتيجية الحرب الخاطفة والانفرادية ضد هذه القبيلة أو تلك، لإضعافها وخض شوكتها، وهكذا ركز في حروبه ما بين 1292 ﻫ/ 1874 م و1297 ﻫ/ 1880 م على ضرب قبائل آيت زينب، وتيفولتت، وآيت بن حدو([27]) وأهم ما حققه محمد أبيبط المزواري في هذه الحروب الصغيرة والخاطفة هو الوصول إلى عمق ورزازات، والاستيلاء على قصبة تاوريرت سنة 1294 ﻫ/ 1877 م بعد أن فر منها الشيخ محمد بن عبد الله.

    تمكن محمد أبيبط المزواري، بعد سيطرته على قصبة تاوريرت، من فرض مراقبته على الحركة التجارية الدؤوبة بين واحات درعة وأسواق ورزازات وبين هذه الأخيرة وبلاد دادس، سكورة وتودغة([28]).

    ورغم هذا الاختراق المحدود، للحلف القبلي القوي بين آيت واوزكيت وأهل ورزازات، فإن محمد أبيبط المزواري، لم يتمكن من إحكام قبضته على قبائل آيت واوزكيت القوية، التي ظلت تشكل سدا منيعا في وجه القائد محمد أبيبط الكَلاوي المزواري، والحيلولة دونه لبسط نفوذه على مناطق الواحات الغنية. وقد توفي محمد أبيبط الكَلاوي المزواري سنة 1304 ﻫ/ 1886 م وفي نفسه شيء من المرارة من معارضة قبائل آيت واوزكيت وحلفائها.



    3 - المدني الكَلاوي: من القيادة إلى الخلافة على الجنوب

    يعتبر الفقيه المدني الكَلاوي المزواري، حين وفاة والده محمد أبيبط، أكبر أبناء القائد محمد أبيبط، على قيد الحياة([29]) وقد عينه والده خليفة له قيد حياته، فزكاه السلطان مولاي الحسن "على إيالة والده وأوسع له فيها بنواحي الصحراء"([30]).

    كشف الفقيه المدني الكَلاوي، بعد توليه القيادة، على خصال قيادية عالية وعن حنكة وخبرة كبيرتين في إدارة شؤون القبائل. فقد كان يشارك أباه في جل الحركات المخزنية، لإخضاع بعض القبائل المشاغبة ببلاد الفايجة([31]) والأطراف الشرقية لبلاد سوس. فكيف عالج القائد الفقيه المدني الكَلاوي قضايا قبائل قيادته؟

    نستفيد مما كتب عن الفقيه المدني الكَلاوي، أنه كان بارعا في توظيف معارفه العلمية، وتجاربه، في رسم سياسة جديدة تخالف سياسة والده في التعامل مع القبائل، فقد خابر من خلال تجاربه الطويلة إلى جانب والده، عقلية شيوخ وأعيان قبائل قيادته، ويعرف جيدا الخيوط المتحكمة في شبكة الأحلاف القبلية، لذلك نلاحظ أنه لم يتسرع في خوض الحروب القبلية الصغيرة تبعا لطريقة والده، وفضل أن يكون انطلاق عمله كقائد مخزني بمنطقة الحوز، لإشعار القواد التقليديين الكبار، مثل القائد الرحماني، والقائد المتوكي، والقائد الكندافي، أن قيادة كَلاوة، لا تقل قوة وحضورا في الميدان عن قياداتهم([32]).

    ويظهر أن السعد، لاحظ الفقيه المدني الكَلاوي المزواري، بعين القدر الراضية. ذلك أن السلطان مولاي الحسن، قام في أواخر سنة 1310 ﻫ/ 1893 م ومطلع سنة 1311 ﻫ/ 1893 م، بزيارة إلى ناحية تافيلالت، وقد استغرقت هذه الرحلة عدة شهور([33]) "وكان رجوعه إلى مراكش على طريق الفايجة، ولما وصل إلى ثنية الكَلاوي أصاب الناس ثلج كبير، وبرد شديد تألم منه حتى السلطان"([34]) وقد تدخل المدني الكَلاوي وأخيه التهامي لإسعاف الركب السلطاني وجيشه، ويذكر صاحب "الإعلام" أن الفقيه المدني الكَلاوي "أظهر من القدرة على القيام بالمحلة في كل ما تحتاج إليه ما لم يكن يترقب منه، مما فيه غناء ومقنع، فحصلت له بذلك التفاتة خاصة من جانب السلطان، ومن هناك طنت حصاته وطار له طائر الاشتهار..." ([35]).

    ويتضح من خلال إشارة صاحب الإعلام، أن الفقيه المدني الكَلاوي كان بذكائه السياسي، وحسه الفطري، يحسن دفع النهزة إلى غايتها، ويعرف كيف يركب مطايا السعد عند اعتراضها، ذلك أنه جند كل رجال قبيلته وإمكاناتها المادية، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من رجال وعتاد بالمحلة السلطانية. ولعل ما يدل على ارتياح السلطان مولاي الحسن لما قام به، القائد المدني الكَلاوي أنه استجاب لقبول ضيافة آل الكَلاوي بقصبة تلوات، وقد تفانى المدني وأخوه التهامي الكَلاوي، في توفير كل لوازم الراحة والضيافة اللائقتين بالسلطان وحاشيته من رجال المخزن، وقد ظل السلطان بقصبة تلوات حوالي خمسة وعشرين يوما([36]).

    استغل القائد المدني الكَلاوي، وجود السلطان ورجال مخزنه بقصبة تلوات لتوطيد علائقه بالرجال النافذين في البلاط السلطاني، خاصة الرجل القوي الحاجب أحمد بن موسى البخاري، وقد ألبس المدني الكَلاوي، حللا من الرضى الملكي، ولهجت الألسن بجليل إحسانه لكل رجال المخزن الحسنى.

    من عادة وتقاليد سلاطين الدولة العلوية، مكافأة أصحاب الخدمات الجليلة على عملهم، وفي هذا الإطار، اقتضى نظر السلطان مولاي الحسن، قبل مغادرته قصبة تلوات مجازاة المدني الكَلاوي على ما قام به، فسلمه ظهير تعيينه خليفة للسلطان بالإيالات الجنوبية من قصبة تلوات بالأطلس الكبير إلى محاميد الغزلان على مشارف الصحراء، بما في ذلك بلاد تافيلالت ودادس وتودغة، ووضع رهن إشارته مدفعين من صنع ألماني، وعدة صناديق من الذخيرة الحربية([37]).

    وقد كشف القائد المدني الكَلاوي عن براعة في توظيف هذا التحول السياسي الذي طرأ على وضعه، بترقيته من منصب قائد مخزني عادي، إلى منصب خليفة للسلطان في عدة أيالات بالجنوب المغربي، وتمكينه من وسائل الغلبة (مدفعان) لإخضاع القبائل المشاغبة، والتي سبق لها أن عارضت والده.

    لم تمض على تعيين المدني الكَلاوي خليفة للسلطان على المناطق الجنوبية، حتى توفي السلطان مولاي الحسن في أواخر سنة 1311 ﻫ/ 1894 م، فانتفضت القبائل وثارت ضد قوادها، وعمت "السيبة" جل المناطق المحسوبة على آل الكَلاوي، فكان على المدني الكَلاوي، أن يواجه الوضع، ويخض من شوكة القبائل السائبة، فبدأ بقبائل وادي تيدلي، القريبة جدا من قصبة تلوات، فتغلب عليها وشرد كل من يشتم فيه رائحة التشغيب، وقطع رأس ولد بن حليمة، شيخ قبائل الوادي المالح، "وزين مدخل قصبة تلوات" ببضعة رؤوس لأعيان قبائل المنطقة([38]) ثم توجه بقوته جنوبا لفك الحصار عن أخيه، حمادي المزواري بقصبة تاوريرت حاضرة أهل ورزازات([39]).

    كانت المشكلة الكبيرة التي تواجه القائد الكَلاوي، وهو يحاول إخضاع القبائل "السائبة" هي شبكة الأحلاف القبلية التي ترتبط بها قبائل آيت ووازكيت القوية، وأدرك بخبرته وحدسه السياسي، ومعرفته العميقة بقضايا قبائل إيالاته أنه من الصعب عليه، منازلة قبائل آيت ووازكيت، وهي أشد ما تكون انتظاما في هذه الشبكة المتداخلة من الأحلاف القبلية، لذلك عول على تفكيك شبكة الأحلاف القبلية، قبل المواجهة العسكرية، وفي هذا الإطار عمد إلى عقد مصاهرة مع شيخ قبائل آيت زينب علي بن محمد نايت بن حدو([40]).

    وتعتبر قبيلة آيت زينب في ذلك الإبان أقوى قبيلة في اتحادية آيت ووازكيت، ويتضح من خلال التطورات التي عرفتها علاقة "المصاهرة" بين المدني الكَلاوي والشيخ علي نايت بن حدو، أن المدني الكَلاوي، اعتمد هذا الأسلوب، وهو أسلوب معروف، عند الأسر القائدية التقليدية للتغلب على المشاكل السياسية، بهدف الكيد لأعداء الأمس، إذ لم تمض إلا فترة قصيرة على هذه المصاهرة، حتى قام المدني الكَلاوي باعتقال صهره الشيخ علي نايت بن حدو، ووضع الأغلال في يديه ورجليه إمعانا في إذلاله وقهره.

    حاول المدني الكَلاوي، أن يشعر الشيخ علي بأنه أصبح في قبضته وتحت رحمته فأمر بفك أغلاله، وفتح باب النقاش معه لإقناعه بأن من مصلحته الخضوع للمخزن، الذي يمثله القائد والخليفة المدني الكَلاوي، إلا أن النقاش خرج عن نطاقه وتحول إلى شتائم مقذعة، وجهها الشيخ علي نايت بن حدو إلى المدني الكَلاوي، وقد نجح الشيخ علي من الانفلات من السجن والهروب إلى زاوية تامكروت بدرعة للاستحرام بها.

    جدد هروب الشيخ على نايت بن حدو، روح المقاومة لآل الكَلاوي، في صفوف قبائل آيت ووازكيت، وعولت أكثر من أي وقت مضى، على التصدي لنفوذ آل الكَلاوي في المجالات المحيطة بورزازات، فركز لصوص قبائل آيت ووازكيت على الحركة التجارية، فكانوا يعترضون القوافل، على الطريق الرابط بين ورزازات وتلوات([41]).

    ويظهر أن هذه العمليات، ضد القوافل التجارية، حركت مشاعر الشيخ علي وهو في مأمنه بزاوية تامكروت الناصرية، فعاد سرا إلى قصبة تمداخت إلا أن عيون المدن الكَلاوي، كانوا يتعقبون حركاته، فتوجهت قوة عسكرية بقيادة التهامي الكَلاوي، وحاصرت قصبة تمداخت، ولم تتمكن مدافع كروب الألمانية، من تهديم أسوار هذه القصبة الحصينة، فسرب التهامي الكَلاوي الأموال والوعود المعسولة إلى أحد عبيد الشيخ علي، فترصده إلى أن خرج من القصبة لملاحظة الأضرار التي لحقت بالأسوار، فأغلق دونه الباب، فاعتقلته قوة الكَلاوي وقطع رأسه([42]) وبمقتل الشيخ علي نايت ابن حدو انهار حلف قبائل آيت ووازكيت وأصبح طريق الجنوب مفتوحا أمام القائد المدني الكَلاوي المزواري.





    II - علائق آل الكَلاوي بالأسر القائدية بوادي درعة

    كانت العائلات القائدية، وشيوخ وأعيان القبائل بوادي درعة، يراقبون من بعيد، مجمل هذه التطورات التي كانت تجري بمنطقة ورزازات. وكانت كل عائلة من الأسر القائدية بدرعة (قيادة التمنوكالي، قيادة اليحياوي، مشيخة المزواريين) تبني حساباتها المستقبلية، للتعامل مع أهل الكَلاوي على عاملي الربح والخسارة السياسيين، محليا وجهويا في تعاملها مع قواد هذه الأسرة، وتراوحت مواقف هذه الأسر، ما بين المعارضة الصريحة، والمداهنة المشوبة بالحذر والترقب.



    1 - علاقة قيادة تامنوكالت بآل الكَلاوي

    تعتبر قيادة تامنوكالت([43]) بواحة مزكيطة بدرعة الوسطى، من أقدم القيادات المحلية بالوادي، حيث يعتقد أن تاريخ تأسيسها يرجع إلى العقود الأخيرة من القرن 11 ﻫ/ 17 م([44]) وقد ظلت هذه القيادة تمارس سلطتها على قبائل أهل مزكيطة بعالية درعة الوسطى، منذ تأسيسها إلى غاية عهد الحماية الفرنسية. وكان قواد تامنوكالت، قبل سيطرة فرنسا على درعة في أواسط الثلاثيات من القرن العشرين، يستمدون شرعيتهم من الظهائر السلطانية التي كان كل قائد يتلقاها بعد توليته من سلطان الوقت.

    وفي مطلع القرن 20 م، هبت رياح قوية من تلوات على وادي درعة، وقد نزل ثقل هذه الرياح الكَلاوية الممخزنة([45]) على قيادة تامنوكالت، وكادت أن تدك أسس هذه القيادة، لولا تدخل سلطة الحماية، التي عمل بعض رجالها منذ 1930 م، على الحد من سطوة آل الكَلاوي بدرعة، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من القيادات المحلية، وعلى رأسها قيادة تامنوكالت.

    فكيف تطورت العلاقة بين أسرتي آل الكَلاوي وآل التمنوكالي؟



    أ - القائد عبد الرحمن التمنوكالي ومحاولة التصدي لتوسع آل
    الكَلاوي بدرعة:

    تولى القائد عبد الرحمن التمنوكالي([46]) قيادة أهل مزكيطة بعد وفاة أخيه القائد المدني التمنوكالي([47]) سنة 1878 م، ويصف الفقيه محمد بن لحبيب التمنوكالي([48]) القائد عبد الرحمن بأنه كان صنديدا، شمر عن ساعد الجد لقتال كل عنيد([49]).

    تزامن تولي عبد الرحمن التمنوكالي لأمر قيادة أهل مزكيطة، مع أوج قيادة محمد أبيبط الكَلاوي المزواري ورغبته في توسيع مجال نفوذه بمناطق الأودية كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

    كان القائد عبد الرحمن التمنوكالي يعي جيدا الرغبة العارمة عند آل الكَلاوي لمد نفوذهم على وادي درعة لأهميته الاقتصادية، خاصة أن القائد العربي اليحياوي كان يداهن محمد أبيبط الكَلاوي، ويتملقه رغبة في التقرب منه للاستعانة به ضد منافسه عبد الرحمن التمنوكالي.

    ظل القائد عبد الرحمان التمنوكالي، خلال السنوات الأخيرة من عهد محمد أبيبط يراقب الأمور عن كثب لانشغاله في حروبه مع قبائل أولاد يحيى، حيث بدأ القائد العربي اليحياوي يزاحمه على المدخل الجنوبي لواحة مزكيطة([50]) إلا أنه خرج عن تحفظه في بداية عهد قيادة المدني الكَلاوي سنة 1886 م، حيث أرسل أخاه العباس، إلى محمد أوعبو شيخ قبائل أهل ورزازات، يقترح عليه تنشيط التحالفات القبلية للوقوف في وجه آل الكَلاوي، وبهذه الخطوة يكون القائد عبد الرحمن التمنوكالي، قد أعلن عن معارضته الصريحة لآل الكَلاوي، والانخراط كلية في الصراعات السياسية، التي تفجرت آنذاك بين قواد وأعيان وشيوخ القبائل بمناطق الأودية وآل الكَلاوي.

    وبعدما تمكن الفقيه المدني الكَلاوي من تفكيك حلف آيت واوزكيت، بالقضاء على مشيخة الشيخ علي نايت بن حدو، وتعزيز نفوذ أسرته بورزازات، وبات طريق وادي درعة منفتحا على مصراعيه أمام قوات الفقيه المدني الكَلاوي، تنبه القائد عبد الرحمن التمنوكلي، إلى ضرورة إنعاش التحالفات القبلية التقليدية مع قبائل إمغران وبعض قبائل آيت عطا، للتصدي لتوسع المدني الكَلاوي بدرعة([51]).

    لم يكن الفقيه المدني الكَلاوي، غافلا عن المحاولات المتكررة للقائد التمنوكالي لتفعيل الأحلاف القبلية، لذلك عمد المدني، كعادته إلى حبك سلسلة من الدسائس، لإضعاف عبد الرحمن التمنوكالي، وإبطال العمل بسياسة الأحلاف القبلية، وفي هذا الإطار، قرب المدني الكَلاوي إليه أسرة المزواريين المسيطرين على واحة تينزولين([52]) وادعى أنهم بنو عمومته تجمعه وإياهم أرومة بني المزوار([53]) وهو ادعاء باطل لا يقوم على حجة، سوى الكيد للقائد التمنوكالي، وعزله عن محيطه التحالفي([54]) وفي نفس الوقت وثق من اتصالاته السرية والعلنية مع القائد محمد بن العربي اليحياوي. ولا مشاحة إذا قلنا بأن المدني الكَلاوي قد نجح إلى حد ما في إفشال كل المحاولات التي قام بها القائد عبد الرحمن التمنوكالي لإحياء العمل بالأحلاف القبلية بوادي درعة.

    وبعدما استنفد القائد عبد الرحمن التمنوكالي، كل المحاولات للوقوف في وجه آل الكَلاوي بدرعة، حاول تدارك ما فاته في محاباة آل الكَلاوي، وتملق الفقيه المدني الكَلاوي، خاصة أن غريمه القائد محمد بن العربي اليحياوي([55]) قد أعلن ولاءه المطلق للمدني الكَلاوي، الذي بات يتصرف في شؤون الجنوب، باعتباره خليفة للمخزن، ولا يد فوق يده بهذه الجهات.

    وبعد وفاة عبد الرحمن التمنوكالي سنة 1904 م، خلفه ابنه القائد محمد التمنوكالي على رأس قيادة تامنوكالت([56]).

    من المشاكل التي ورثها القائد محمد التمنوكالي من والده، طبيعة العلاقات المتردية مع الفقيه المدني الكَلاوي، وهكذا حاول القائد محمد التمنوكالي، إصلاح ما أفسده والده، فكان يستغل أبسط مناسبة ليوجه الهدايا السنية والتحف النفيسة إلى قصبة تلوات، لعل المدني الكَلاوي ينظر إليه بعين الرضى.

    وبعدما قاد المدني الكَلاوي، الانقلاب الحفيظي بمراكش ضد مولاي عبد العزيز في صيف سنة 1907 م، جهز القائد محمد التمنوكالي، كتيبة من رجال قبائل أهل مزكيطة، وأرسلها إلى مراكش لتكون رهن إشارة عراب الحركة الحفيظية القائد المدني الكَلاوي.

    ويظهر أن كل المبادرات التي قام بها القائد محمد التمنوكالي، لم تستطع تنقية صدر الفقيه المدني الكَلاوي من الإحن، التي يكنها للقيادات التاريخية والأسر المخزنية التقليدية بالجنوب المغربي، وهكذا ظل المدني الكَلاوي يصنف قيادة تامنوكالت، ضمن خانات الأسر المعارضة لأسرته، وعلى أساس هذا التصنيف ظل يتعامل هو وآله مع قيادة تامنوكالت بنوع من الحذر والشك.



    ب - القائد أبو بكر التمنوكالي وبداية المواجهة مع آل الكَلاوي

    وفي سنة 1909 م، رقي القائد المدني الكَلاوي إلى منصب وزير أكبر في الجهاز المخزني الحفيظي، فعمد إلى تعيين عدد من أقربائه في مناصب مخزنية كقواد وخلفاء بجهات الجنوب([57]) فكان نصيب ابن أخيه محمد بن محمد الكَلاوي، الذي سيعرفه التاريخ بالقائد حمو([58]) الخلافة على مناطق الأودية (درعة، دادس، تودغة) ([59]).

    ونتساءل: ما هي طبيعة العلائق بين قيادة تامنوكالت والقائد حمو الكَلاوي؟

    كان على القائد محمد التمنوكالي، إذا أراد الحفاظ على قيادة أسلافه، أن يتكيف مع الوضع الجديد، وقبول الأمر الواقع الذي فرضه آل الكَلاوي. فقد كانت سياسة القائد حمو الكَلاوي مع قبائل وادي درعة هو التشدد المفرط في استحلاب الأموال، خارج نطاق الجبايات الشرعية التقليدية التي تدفعها القبائل طواعية لخزائن المخزن، وهذا ما جعل جل القبائل بمناطق الأودية، ترفض الانصياع لأوامر آل الكَلاوي ومعارضتهم إلى حد الكراهية والتحالف مع الشيطان ضدهم.

    ورغم الرجة الكبيرة التي تعرضت لها أسرة آل الكَلاوي، في الأيام الأخيرة لعهد مولاي عبد الحفيظ فإن الأسرة استرجعت مواقعها بسرعة في الجهاز المخزني، الذي كانت تشرف عليه فرنسا بعد توقيع معاهدة الحماية سنة 1912 م. وقد أقرت سلطة الحماية القائد حمو الكَلاوي، خليفة للمخزن على المناطق الجنوبية، مما يعني أن فرنسا توافق القائد حمو على سياسته التفقيرية لقبائل واحات درعة، وهو أمر لم يستسغه القائد محمد التمنوكالي، فتوفي كمدا سنة 1915 م، فتولى أخوه القائد أبو بكر بن عبد الرحمن قيادة تامنوكالت، لتبدأ معه موحلة من المواجهات مع أسرة آل الكَلاوي.

    كان القائد بوبكر التمنوكالي، يحمل بعض صفات والده، القائد عبد الرحمن التمنوكالي، من حيث الاندفاع والتسرع، وكان لا يحسب حسابا للعواقب الوخيمة، التي تلحقه وتضر قيادته، لتسرعه وتهوره في الإعلان عن مواقفه في معارضة آل الكَلاوي.

    ويتضح من تصرف القائد بوبكر التمنوكالي، أنه، لم يستوعب جيدا التحولات التي طرأت على تسيير أمور البلاد، مع تولي آل الكَلاوي بدعم من سلطة الحماية([60]) ذلك أنه ما كادت الحرب الكونية الأولى تنتهي في خريف سنة 1918 م، حتى عمد القائد حمو الكَلاوي، إلى اختيار مجموعة من الموالين له، فعينهم خلفاء له بمختلف واحات درعة، وهذا يعني تقليص دور القيادات المحلية إن لم نقل إلغاؤه.

    ما كاد خلفاء حمو الكَلاوي([61]) يصلون إلى وادي درعة، حتى كشفوا، عن نيتهم في استحلاب أموال الناس، وكأنهم جاءوا لإفقار القبائل وتجريدها من ممتلكاتها. ونتيجة لهذه السياسة التفقيرية، تفجرت الأوضاع القبلية بالوادي، وضربت القبائل حصارا شديدا على قصبات خلفاء القائد حمو، بل إن القبائل أعلنت عن خلع طاعة "المخزن" الذي يمثله آل الكَلاوي، فنشطت أسواق الأسلحة وبدأت القبائل تستعد لكل الاحتمالات القادمة.

    تزامنت هذه الأحداث التي بدأت تطفوا على مسرح الحياة اليومية لسكان وادي درعة، مع حركة مبارك بن الحسين التوزونيني بتافيلالت([62]) وبدأت رياح الجهاد ضد الفرنسيين والموالين لهم تهب بقوة على المنطقة.

    وفي خضم هذا الجو السياسي الساخن قام القائد بوبكر التمنوكالي، باعتراض قافلة عائدة من مراكش، بواحة مزكيطة، وكان بعض رجال القافلة يحملون هدية نفيسة من القائد حمو الكَلاوي إلى صديقه القائد العربي بن محمد اليحياوي([63]).

    وقد اهتز القائد حمو الكَلاوي، لنهب القافلة، واعتبر العمل في حد ذاته جريمة نكراء، لأنه صادر من رجل كان من المفروض فيه حماية القوافل لا نهبها ورغم أن القائد حمو الكَلاوي، قد أرغم القائد بوبكر التمنوكالي على إعادة ما نهب سالما، فإن جرأة القائد بوبكر التمنوكالي على سلطة القائد حمو كان مؤشرا قويا على دفع الأمور إلى مواجهة حتمية بين قيادة تامنوكالت وآل الكَلاوي.

    كانت قبائل أهل مزكيطة الخاضعة لقيادة تامنوكالت، من أكثر القبائل تضررا من المطالب المالية المجحفة والجائزة لآل الكَلاوي، وكان الهدف من هذه السياسة التفقيرية لقبائل أهل مزكيطة، هو تجريد قيادة تامنوكالت من مصدر قوتها، ذلك أن القائد حمو، وعمه التهامي الكَلاوي، لم يتمكنوا من تجاوز الضغائن التي يكنونها لآل تامنوكالت.

    كان القائد أبو بكر التمنوكالي، يدرك جيدا، رغبة كَلاوة في إضعاف قيادته تمهيدا للقضاء عليها، وضم قبائل أهل مزكيطة إلى قيادة أولاد يحيى، العدو اللدود، لقيادة تامنوكالت، وكان أول مؤشر لهذه العملية هو قيام القائد حمو الكَلاوي، بفصل قبائل آيت سدرات من نفوذ مزكيطة وضمها إلى الشيخ بولعجين الدادسي([64]) وقد استفزت هذه العملية القائد أبو بكر التمنوكالي وآيت سدرات ندرى([65]) على حد سواء، فقرر الطرفان تجديد تحالفهم ضد آل الكَلاوي.

    وفي خطوة ملفتة للنظر، قام أهل مزكيطة، وآيت سدرات سنة 1923 م باعتراض مجموعة من مخازنية القائد حمو الكَلاوي، ومنعوهم من النزول إلى الواحات الجنوبية، بل إن القائد أبو بكر حاول إقناع القائد العربي اليحياوي بالتحالف معه على "شر كَلاوة"([66])، حيث وجه إليه وفدا من ستة رجال برئاسة ابن عمه أحمد بن حساين، للتفاوض في شأن التصدي لآل الكَلاوي، إلا أن القائد العربي اعتقل الرجال السبعة، وطير الخبر للقائد حمو ليري فيهم رأيه.

    انزعج القائد حمو الكَلاوي، فحاول وأد الفكرة في مهدها فوجه سلسلة من الرسائل إلى الموالين لآل الكَلاوي بوادي درعة، ليتحركوا ضد قيادة تامنوكالت ومما ورد في رسائل حمو الكَلاوي على الخصوص. «فبناء على ما تجاهر به آيت تامنوكالت من شق العصا وإشاعة الفساد، وغير ذلك من الأسباب التي يأباها القانون المخزني وكنا تربصنا عن مقابلتهم باللائق تأنيا لا عجزا لحق جناب المخزن، رجاء أن يراجعوا أفكارهم، ويتأملون إن ما هم عليه من الخوض، لا يعود وبال ذلك إلا عليهم، وأن المخزن على كامل الاستعداد لمثل ذلك، وحيث رأيناهم، في الازدياد عما هم عليه من التهاتر وقع الاتفاق مع المخزن بصدور النداء في كافة أسواق الإيالة بأن المخزن أطلق السبيل في آيت تامنوكالت، في أنفسهم وأموالهم أينما أخذوا يواخذون بفسادهم وأن لا ذمة لهم تراعى، وأن كل من آواهم أو لقيهم وتهاون في أخذهم، ولم يمتثل كلام المخزن الصادر في شأنهم، فإنه عدو للمخزن يلزمه ما يلزمهم»([67]).

    وإذا كنا لا نتوفر على كل الوثائق التي تسمح لنا بمعرفة مدى استجابة أهل درعة لأوامر القائد حمو الكَلاوي، في التضييق على أهل تامنوكالت، فإن دعوة القائد حمو، لردع قيادة تامنوكالت وعزلها عن حلفائها التقليديين بالوادي، قد التقت مع رغبة القائد العربي اليحياوي، لتصفية حسابات أسرية مع قيادة تامنوكالت. وهكذا تذرع القائد العربي اليحياوي، بتنفيذ أوامر المخزن، انطلاقا مما ورد في رسالة حمو الكَلاوي، فتحرك في الأسبوع الأول من شوال سنة 1342 ﻫ/ ماي 1924 م، ونزل إلى واحة ترنانة لتحريض أتباعه من قبائل أولاد يحيى، وقبائل أهل الثلث بالوقوف موقف الجد لتنفيذ أوامر المخزن ضد قيادة تامنوكالت.

    ويفهم من بعض إشارات الفقيه الطيب بن لحبيب الملولي، أن القائد العربي اليحياوي، قد تمكن من حشد قوة من رجال القبائل، ونجح في طرد أتباع القائد بوبكر التمنوكالي، من قصور إغرغر، وتيمضرت، وزاوية أبي الحسن ووصل في زحفه إلى قصر وريز على مشارف مركز أكدز الحالي([68]) وقد أشاد القائد حمو الكَلاوي، بانتصار القائد العربي اليحياوي في رسالة له، إلى هذا الأخير ورد فيها على الخصوص: «والحمد لله على أن آيت حم وآيت سمكان طيروا لنا (الخبر) بكون حركتكم أحلت احتلال انتهاز وحزم أوريز([69]) وذاك ما نريد منكم من اتخاذ المزايا وخذلان من شق عصا الطاعة»([70]).

    ويتضح من خلال سلسلة التطورات التي عرفتها واحة مزكيطة، أن القائد بوبكر التمنوكالي، لم يكن على بينة مما يجري ليس في درعة فحسب، وإنما في مجموع الوطن، وأنه قد أخطأ في ترتيب حساباته المحلية، سواء عندما تطلع إلى أمل التعاون مع أسرة القائد العربي اليحياوي، وهي من ألد أعداء أسرة القائد التمنوكالي، أو عندما كان يعتقد أن حلفاءه سيهبون للوقوف إلى جانبه في صراعه مع القائد حمو الكَلاوي الذي بات يتكلم باسم المخزن الذي تمثله فرنسا منذ توقيع معاهدة الحماية سنة 1330 ﻫ/ 1912 م. فكيف حاول القائد بوبكر التمنوكالي التخلص من هذه الورطة التي وضع نفسه فيها بالإعلان عن مواجهة آل الكَلاوي بدرعة؟

    بعد ما تأكد للقائد بوبكر التمنوكالي، أن حلفاءه من آيت سدرات، وقبائل تينزولين وترناتة([71]) قد تخلو عنه، وأن القائد العربي اليحياوي، قد كشر عن أنيابه لتحقيق أغراض توسعية على أرض الواقع باقتطاع المزيد من قبائل القصور من قيادة تامنوكالت، وضمها إلى قيادة أولاد يحيى، وجه أخاه علي بن عبد الرحمن في رحلة سرية إلى أزيلال، حيث ذبح على الفرنسيين هناك، ثم تمكن من الوصول إلى الرباط، حيث ذبح ذبيحة أخرى أمام القصر الملكي. وفي نفس الوقت توجه مرسول آخر إلى مدينة تارودانت، وتقدم بذبيحة أخرى إلى الفرنسيين([72]).

    وكانت توسلات، رسل بوبكر التمنوكالي، إلى الفرنسيين، هو التدخل بينه وبين آل الكَلاوي، إلا أن رد الفرنسيين كان صاعقا للتمنوكاليين، حيث كانوا يأمرونهم بضرورة الخضوع لسلطة المخزن الذي يمثله آل الكَلاوي بدرعة، "فعلم بوبكر التمنوكالي، أنه تورط في مهالك نفسه، فتوجه إلى طلب الصفح والعفو من القائد حمو الكَلاوي".

    ورغم أن علي بن عبد الرحمن([73]) قد انتهى به المطاف، بعد فشل مهمته بأزيلال والرباط إلى قصبة تلوات لطلب العفو من القائد حمو الكَلاوي، فإن هذا الأخير اعتبر أن ما قام به بوبكر التمنوكالي، تحديا صارماً لسلطته وهيبته وأنه لابد من تأديبه وردعه ليكون عبرة لغيره، فهيأ حركة قوية من ستة آلاف رجل، وقد دعمته سلطة الحماية بمدفعين كبيرين لضمان تفوقه ميدانيا على القبائل.

    وفي يوم 22 محرم الحرام 1343 ﻫ/ شتنبر 1924 م وصلت الحركة، في أول مرحلة لها بوادي درعة، إلى مشارق قصبة تامنوكالت وسط واحة مزكيطة، فأمر القائد حمو الكَلاوي، رجال الحركة والمدفعية بإرسال طلقات البارود من بنادقهم في نفس الوقت الذي كانت فيه المدفعية تقذف قنابلها في الهواء، فاهتزت الجبال المحيطة بقصبة تامنوكالت، دعم الرعب والخوف، وكان الناس يعتقدون أن القائد حمو سيأمر بتهديم القصبة على سكانها، عقابا لهم على شق عصا الطاعة.

    وفي محاولة للتخفيف من غضب القائد حمو، خرجت خالته، عائشة بنت أحمد الورزازي من خدرها وتوجهت إلى فسطاط القائد حمو، وطرحت له صبيا كان عندها في حجره - حسب تعبير الطيب بن لحبيب-.

    وقد دخل القائد حمو الكَلاوي، إلى قصبة تامنوكالت، ونزل بدار خالته وزوجة علي ابن عبد الرحمن التمنوكالي، وألزم سكان القصبة بتقديم المونة لرجال الحركة، وبلغ عدد ما كان يدفعه أهل تامنوكالت ومن ورائهم قبائل أهل مزكيطة كل يوم لرجال الحركة: «ألف مد شعير، ومائة شليف من التبن.. وأربعمائة كبش ومائة صاع من السمن، ومائة صاع من الزيت، ومائة كاغد من الشمع وما يكفي من الحطب والفاخر والخضرة»([74]).

    وزيادة على هذه المونة المكلفة يوميا، أطلق القائد حمو أيدي رجال حركته في حقول أهل تامنوكالت، فلم يتركوا فيها ما يوكل من غلة أو تمر، وكانوا يجوبون طرقات البلد وكل من غفلوه أكلوا ثيابه!!

    ويفهم من إشارات الفقيه الطيب بن لحبيب الذي كان حاضرا إلى جانب القائد العربي اليحياوي ضمن حركة القائد حمو، أن رجال الحركة، ظلوا نازلين على أهل تامنوكالت مدة سبعة عشر يوما، حتى إذا لم يتركوا لهم ما يوكل أو ينهب فرض عليهم القائد حمو ذعيرة ثقلية حددت في مائة ألف ريال([75]) وأعطوا ما بأيديهم من المال ودفعوا الخيل والبقر والغنم وحلي النساء والعدة وكتب عليهم ما بقي من الأموال، وترك حوالي سبعين رجلا ليجمعوا ما تبقى من أموال في ذمة أهل تامنوكالت.

    ونزلت الحركة إلى أن وصلت إلى رباط تينزولين، وألزم كل القبائل التي مرت الحركة عبر أراضيها بتأدية ذعائر ثقيلة بلغت في مجملها حوالي مائة ألف ريال. وأثناء عودة الحركة من تينزولين عرج القائد حمو على قصبة تامنوكالت، فأرغم أهل مزكيطة على تأدية ما بقي في ذمتهم من مال، ثم عزل القائد بوبكر التمنوكالي([76]) وقيد أخاه الأصغر علي بن عبد الرحمن التمنوكالي. فهل سينجح القائد علي التمنوكالي في إصلاح ما أفسده أخوه، بين قيادة تامنوكالت وآل الكَلاوي؟ وهل سيتمكن حمو الكَلاوي، الذي كان يتصرف مع أهل درعة عامة، ومع قيادة تامنوكالت خاصة، تصرف السيد



    المستبد، في تجاوز أخطاء الماضي؟ وأخيرا ما هو موقف سلطة الحماية ، التي يتحرك القائد حمو الكَلاوي باسمها في هذه الجهات؟ وللإجابة على التساؤل المطروح، لابد من الإشارة بأن سلطة الحماية قد بدأت تلاحظ منذ أواسط العشرية الثالثة من القرن 20 م، بأن سياسة آل الكَلاوي مع القبائل في الجنوب المغربي قد باءت بالفشل الذريع، وأنتجت عكس ما كانت تنتظره فرنسا بهذه الجهات، ومما يؤكد ما ذهبنا إليه.

    أن المسؤولين الفرنسيين، (عسكريين وسياسيين)، عما كان يعرف في الخريطة الاستعمارية، بناحية مراكش، ظلوا منذ أواخر سنة 1342 ﻫ/ 1924 م ينبهون رجال الإقامة العامة بالرباط، وعلى رأسهم المقيم العام المارشال اليوطي، إلى العواقب الوخيمة، التي ستترتب عن السكوت، على ما يمارسه آل الكَلاوي وأعوانهم من شطط، وتشدد في استحلاب أموال القبائل ليس فقط بواحات درعة وإنما في كل مناطق الأودية (درعة، دادس وتودغة) فقد ورد في تقرير الحاكم العسكري لناحية مراكش الجنرال دوكال (DUGAN) إلى المارشال اليوطي في شهر يناير سنة 1924 ما يلي: «إن القبائل الخاضعة لنفوذ آل الكَلاوي تبحث عمن يحميها من الابتزازات المتكررة، التي يمارسها آل الكَلاوي وأعوانهم فالقائد حمو الكَلاوي، كشف عن قساوة وشراهة، أكثر من أي وقت مضى، الأمر الذي جعل بعض القرى وقبائل كاملة على حافة الخراب...» ([77]).

    وقد أشار التقرير إلى الذعائر الثقيلة التي فرضها القائد حمو الكَلاوي على أهل مزكيطة خلال سنوات 1921، 1922، 1923 و1924 م، وهي ذعائر تجاوزت كل التصورات، بحيث أن القائد حمو الكَلاوي، إذا مر بمكان لا يترك وراءه إلا الدمار الشامل والحقد والكراهية لآل الكَلاوي([78])، وقد توالت التقارير على مقر الإقامة العامة من مختلف المسؤولين تتفق كلها على فساد سياسة آل الكَلاوي، وتحذر من العواقب الوخيمة لها([79]).

    ورغم أن المارشال اليوطي، قد أقر جملة وتفصيلا، ما ورد في هذه التقارير، واعترف بفساد سياسة كَلاوة مع القبائل في الجنوب المغربي، فإنه استعذر بالحرب التي تخوضها فرنسا بشمال البلاد وبمناطق الأطلس المتوسط، وأكد أنه لا يمكن الاستغناء عن خدمات آل الكَلاوي في هذا الوقت بالذات، وأصدر أوامره الصارمة لضباط الشؤون الأهلية الذين يعملون في مجال نفوذ آل الكَلاوي، بأن يغضوا الطرف عن سلوك هؤلاء مع القبائل([80]).

    ورغم أن القبائل بوادي درعة لم تكن على علم بأوامر اليوطي لضباط الشؤون الأهلية، ورغم أن الفرنسيين لم يصلوا بعد إلى واحات درعة، فإن القبائل أعلنت حالة العصيان ضد المخزن الذي يمثله الكَلاوي وهذا ما جعل الفقيه الطيب بن لحبيب يقول بأن القبائل نقضت الأحكام، بل إن بعض القبائل، كانت لا تتردد في قتل كل من ثبت أنه يتعامل مع آل الكَلاوي([81])وباتت سلطة خلفاء آل الكَلاوي لا تتجاوز حدود قصباتهم سواء بترناتة أو عند آيت سدرات([82]).

    في هذا الجو المضطرب والمشحون بكراهية آل الكَلاوي، تولى علي بن عبد الرحمن قيادة تامنوكالت، ولم يكن بإمكانه أن يظهر ولو أدنى إشارة تنم عن معارضة آل الكَلاوي، واكتفى بتدبير شؤون قيادته وإعادة ضبط أحوال قبائل أهل مزكيطة في انتظار ما ستأتي به الأقدار.

    ما كادت سلطة الحماية تتخلص من شبح حرب الريف في شهر جمادى الأولى سن

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس يونيو 21, 2018 11:14 pm